آدم سميث والأزمة المالية العالمية

وقعت الأزمة المالية العالمية الأخيرة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين (2008)، ومات آدم سميث في نهاية القرن الثامن عشر، أي يفصل بينهما أكثر من قرنين من الزمان، فكيف الحديث عن الربط بينهما؟ تساؤل معقول.

الحقيقة أن النفس البشرية واحدة لم تتغير كثيراً. فرغم كل مظاهر التقدم التكنولوجي ورغم التراكم المعرفي الهائل، فما زالت الغرائز كما هي، وما زال القصور البشري قائم في الانبهار بالمكاسب في “المدة القصيرة” ولو كان على حساب منافع أكبر في “المدة الطويلة”، كما استمر الخداع البصري في التعلق “بالمصالح الخاصة الآنية” ولو كان إهداراً وتقويضاً “للمصالح العامة” المستقبلة للمجتمع في مجموعه. فنحن من هذه الناحية لم نتقدم كثيراً على عصر آدم سميث وعما قاله؟

كان الرأي الغالب بين الاقتصاديين ورجال الدولة قبل عصر آدم سميث هو الاعتقاد في صحة ما عرف في النظرية الاقتصادية “بمذهب التجاريين” Mercantilism. ووفقاً لهذا المذهب فإن الدولة لاتعدو أن تكون مجموعة من الأفراد، وأنها ينبغي ـ مثل أي فردـ أن تعمل على زيادة ثرائها. فنجاح الفرد اقتصادياً هو بحصوله على قدر أكبر من الثروة. وطالما أن ثروة الفرد ـ تاجراً أو غير ذلك ـ تتحدد بما لديه من نقود أي من ذهب وفضة، فإن على الدولة أن تزيد من ثرائها بالحصول على مزيد من الذهب والفضة، ويتم ذلك بزيادة الصادرات وتقليل الواردات مما يوفر لها فائضاً من الثروة ومن الذهب والفضة. فالدولة أقرب إلى التاجر الذي يسعى لزيادة ثروته من الذهب والفضة. ومن هنا جاء اسم هذا المذهب أو تلك المدرسة “التجاريون”.

وكانت اسبانيا في القرنين السادس والسابع عشر هي أكبر الإمبراطوريات الأوربية وأغناها، وصادف ذلك الوقت أن تم اكتشاف أمريكا وعلى يد الإسبان أنفسهم. فماذا فعلت اسبانيا آنذاك بهذه الغنيمة الجديدة؟

طالما أن الثروة هي الذهب والفضة، وأن العالم الجديد في أمريكا غني بمناجم الذهب والفضة، فإن الأمر بدا واضحاً: استغلال هذه الأراضي الجديدة لتزويد اسبانيا بمصدر الثورة من الذهب والفضة. فهذا هو الطريق إلى النجاح والثراء. وينسب لفرديناند ملك اسبانيا آنذاك (1513) أنه أرسل للمستعمرين الجدد قائلاً: “اجلبوا الذهب، بطرق إنسانية إن أمكن، وبأي طريقة إذا صعب ذلك. المهم أرسلوا الذهب”. والقصة بعد ذلك معروفة، تدفقت كميات هائلة من الذهب والفضة على اسبانيا، وبدت عليها “مظاهر” الغنى والثراء، وارتفعت الأسعار وشاع التضخم نتيجة لزيادة كميات النقود المتداولة التي لم يقابلها زيادة في إنتاج السلع. والتقط الفيلسوف الفرنسي جان بودان هذه الظاهرة وأشار إلى أن زيادة النقود تؤدي إلى التضخم وارتفاع الأسعار. وبذلك وضع أسس ما عرف في الاقتصاد “بنظرية كمية النقود”. ومع ازدياد النقود المتداولة، ودون جهد إنتاجي حقيقي، ظلت الهياكل الاقتصادية لاسبانيا متخلفة، كدولة إقطاعية زراعية، وازدادت بها مظاهر البذخ والفساد.

أما في إنجلترا في ذلك الوقت، فقد كانت جزيرة فقيرة محدودة الموارد، وبالتالي ما كان باستطاعتها أن تنافس اسبانيا الدولة العظمى. ونظراً لانتشار وغلبة أفكار “التجاريين”، فقد حاولت إنجلترا هي الأخرى أن تجد طريقها إلى الذهب والفضة، ولكنها لم تكن تملك مستعمرات ـ كاسبانيا ـ لتزويدها بهذه المعادن النفيسة، ولذلك لم يكن أمامها إلا الاعتماد على زيادة الصادرات للحصول على الذهب والفضة. وقد أدى ذلك بانجلترا ـ وعلى عكس اسبانيا ـ أن تعتمد على سياسة إنمائية لزيادة الإنتاج المحلي وزيادة كفاءته، حتى تتمكن من زيادة الصادرات والمنافسة في الأسواق الخارجية. وهكذا وجدت إنجلترا نفسها مضطرة إلى الاعتماد على تدعيم قدراتها الإنتاجية المحلية، وعدم الاستكانة لتلقي تدفقات الذهب والفضة من مستعمراتها كما كان الحال مع اسبانيا. وبذلك بدأت انجلترا في تطوير قوى الإنتاج الداخلي فيها مما زاد من قوتها الاقتصادية واستطاعت بالتالي أن تهزم اسبانيا في حرب الأرمادا في 1588 عندما حاولت الأخيرة أن تغزوها. واستمرت انجلترا على درب تطوير قوى الإنتاج المحلي فيها مما ساعد على قيام الثورة الصناعية بها وأصبحت انجلترا سيدة العالم، وتراجعت اسبانيا إلى دولة فقيرة من الصف الثاني.

هذه هي الأوضاع التي أتاحت لآدم سميث أن يهاجم “التجاريين” مؤكداً أن الثروة الحقيقية هي الإنتاج، أما الذهب والفضة فهي مجرد أدوات مالية تساعد على تسهيل التبادل وسهولته، ولكنها في ذاتها ليست الثروة. وهنا نستطيع أن نربط بين أفكار آدم سميث وبين الأزمة المالية العالمية المعاصرة. كيف؟

يذهب معظم المحللين إلى أن الأزمة المالية العالمية المعاصرة جاءت نتيجة للإسراف في إصدار “الأصول المالية” على حساب الاقتصاد العيني. واصطلاحات “الاقتصاد العيني” و”الاقتصادي المالي” كما التفرقة بين “الأصول العينية” Real assets و”الأصول المالية” Financial assets فهذه  كلها مصطلحات جديدة لم تكن معروفة وقت آدم سميث. “فالأصول العينية” هي السلع والخدمات وبشكل عام كل ما يشبع الحاجات بشكل مباشر أو غير مباشر، وهي تتوافر عن طريق الإنتاج. وهذا هو بالضبط ما عبر عنه آدم سميث “بالثروة”. أما “النقود” وغيرها من الأوراق المالية المتداولة فهي ليست ثروة حقيقية وإنما هي “مطالبات” على هذه الثروة من الإنتاج والأصول العينية المتراكمة. فالنقود لاقيمة لها إلا بقدر ما يتوافر من إنتاج قابل للبيع والشراء. فالثروة الحقيقية هي الإنتاج العيني. أما الأصول المالية فهي لا تعدو أن تكون مجرد “مطالبات” أو ديون على الثروة الحقيقية. حقاً، أن وجود النقود وغيرها من الأدوات المالية يسهل التبادل وإجراء المعاملات ويشجع على الاستثمار في المستقبل، ولكنها كلها أدوات وليست ثروة حقيقية. فالثروة هي الإنتاج والقدرات الإنتاجية. وبذلك فإن الإفراط في التوسع في إصدار الأصول المالية في العصر الحديث لا يختلف في جوهره عن الزيادة من المعروض من الذهب والفضة عند اكتشاف أمريكا. في كلا الحالتين ليس هناك زيادة في “الثروة” الحقيقية وإنما زيادة في “المطالبات” أو “الديون” على هذه الثروة.

والآن ماذا كان سيقول آدم سميث لو عاد إلى الحياة وعاصر أزمتنا المالية المعاصرة؟ وماذا لو كان آدم سميث الجديد عربياً وليس اسكتلندياً؟

أغلب الظن أن آدم سميث الجديد كان سيجد أوجه شبه كبيرة بين اسبانيا في القرن السادس عشر وبين الأوضاع الحالية للعديد من الدول العربية المصدرة للنفط. فهذه الدول لم تجد مستعمرات جديدة تزودها بالذهب والفضة كما كان حال اسبانيا، ولكنها اكتشفت وجود ثروة حقيقية ـ ولكنها نافدة ـ في باطن الأرض، البترول والغاز. فبدأت بتصدير هذه الثروة العينية الجديدة، واستخدمت جزءاً من عوائد هذه الصادرات في بناء بنية أساسية محلية من طرق وموانئ وشبكات كهرباء ومدارس ومستشفيات وغير ذلك. وهذا أمر جيد تستحق الثناء عليه. ولكن الجزء الأكبر من عوائد هذه الصادرات استخدم في تكوين ثروات مالية من أصول مالية متنوعة في الأسواق والمؤسسات المالية العالمية.

فماذا كان سيقول آدم سميث الجديد؟ الأرجح أنه كان سيؤكد ما قاله سابقاً بأن الذهب والفضة ليسا الثروة، ولكنه سوف يضيف أن “الأصول المالية” ليست هي الأخرى أكثر من مجرد “مطالبات” على الثروة، أما الثروة الحقيقية فهي الاستثمار العيني في المشروعات الإنتاجية. ولذلك فمن غير المستبعد أنه لن يجد أية غرابة في أن يرى أن الفوائض المالية العربية المتراكمة تتآكل كل فترة. ففي نهاية السبعينات وبعد صدمة النفط الأولى تآكلت معظم الثروات المالية العربية بفعل التضخم العالمي. وفي منتصف الثمانيات وخاصة في التسعينات تآكلت هذه الفوائض من جديد بفعل حروب الخليج سواء بين العراق وإيران أو بعد غزو الكويت. وأخيراً في بداية القرن الجديدً تعرضت هذه الثروات مرة ثالثة لأشكال من التآكل بفعل الأزمة المالية العالمية.

ولكن آدم سميث الجديد لن يكتفي بما قاله قبل نيف وقرنين من الزمان، فقد تعلم هو الآخر من زميله الاقتصادي الإنجليزي الآخر كينز. فقد جاء كينز في إثر الأزمة المالية في الثلاثينات وأصدر مؤلفه عن
“النظرية العامة”. وليس هنا مجال للتعرض إلى ما جاءت به هذه النظرية، ولكن كينز أرسى علاقة هامة، وهي أنه في النهاية لابد وأن يتساوى الادخار مع الاستثمار. وهذه حقيقة محاسبية لايمكن الفكاك منها. وبذلك فإذا زاد الادخار في بلد أو في العالم دون أن تقابله زيادة مقابلة في الاستثمار الحقيقي، فإن مصير هذه المدخرات هو التآكل بشكل أو بآخر. وإذا نظرنا إلى الفوائض المالية الكبيرة للدول النفطية فإنها لاتعدو في حقيقتها أن تكون زيادة في “مدخرات” هذه الدول، وبالتالي فإنها تحتاج إلى زيادة مقابلة في الاستثمار الحقيقي على مستوى العالم وإلا تآكلت وزالت. والاستثمار المالي ليس دائماً استثماراً بالمعنى الدقيق، فالاستثمار الحقيقي هو الإضافة إلى الطاقات الإنتاجية. وقد أشرنا إلى أن جوهر الأزمة المالية العالمية هو الإفراط في إصدار أنواع متعددة من الأصول المالية لم يقابلها تغير يذكر في الأصول العينية (أي في الاستثمارات الحقيقية). وبعبارة أخرى فإن الزيادة الكبرى في الاستثمارات المالية لاتعني بالضرورة زيادة في الاستثمارات العينية أو الحقيقية. وهذا ما ساعد على وقوع الأزمة كما أدى إلى تآكل كبير في ثروات النفط. فنظراً لأنه لم تواكب زيادة مدخرات الدول النفطية زيادة في الاستثمارات الحقيقية في العالم، فقد كان من الطبيعي أن تتآكل هذه المدخرات بشكل أو بآخر. وهذا هو ما حدث. ولعل آدم سميث كان سينصح هذه الدول بأن الأولى بها ألا تقلد اسبانيا في الاكتفاء بتراكم الثروات المالية وإنما بالعمل على زيادة الاستثمار الإنتاجي داخلها أو في الدول الأخرى الصديقة.

هذا ما يمكن أن نتوقعه من آدم سميث الجديد. ولكن المشكلة أن آدم سميث مات وكذا كينز، ولم يتركا ورثة أو تابعين، على الأقل في عالمنا العربي. والله أعلم.

 

الأهرام: 6 سبتمبر 2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *