أبيض وأسود وأحمر

الأبيض والأسود والأحمر هي ألوان العلم المصري. والعلم – أي علم – يثير في نفس المواطن شعوراً غامراً بالعواطف الجياشة. فهو رمز البلاد ويحمل في طياته ذكريات وتاريخ الوطن وانتصاراته. وأعترف – آسفاً – أنني لا أكاد أشعر بمثل ذلك بدرجة كافية. ربما لأنني ولدت ونشأت حين كان علم مصر، هو ذلك العلم الأخضر بهلاله نجومه الثلاثة. وربما أيضاً لأنني لم أعرف تماماً ما هي المعاني وراء اختيار هذه الألوان وبهذا الترتيب بالذات. أعرف أن الألوان الأبيض والأسود والأحمر وكذا الأخضر، هي الألوان المعروفة خلال التاريخ الإسلامي. ولكن لماذا هذا الاختيار وبهذا الترتيب؟ الأمر غير معروف لدي بشكل قاطع.

أذكر أننا سمعنا في ذلك الوقت أن اللون الأسود يمثل “العهد البائد”، وهي عبارة استخدمتها الثورة في بداياتها للإشارة إلى عهد ما قبل الثورة، باعتباره عهداً فاسداً لا خير فيه. وأما اللون الأبيض فهو إشارة إلى المستقبل وإلى عهد الثورة الذي يمثل النقاء والطهارة. وأما “الأحمر” فلا أذكر ما المقصود به، ولعله كان يعني الثورة. ولكن الثورة كانت تفخر دائماً بأنها ثورة بيضاء وليست حمراء. مشكلة!ومن هنا فإن معلوماتي عن الموضوع مشوشة وغير دقيقة وغير كافية. وربما كان الأمر كله – كما قرأت مرة – مجرد صدفة، حين طلبت الحكومة من أحد المسئولين – غالباً وجيه أباظة – أن يقدم علماً أو راية لأحد استعراضات “هيئة التحرير”. وكانت هذه الهيئة في بداية نشاطها تكثر من الاحتفالات والاستعراضات. و”هيئة التحرير” – لمن لا يعلم من الأجيال الجديدة – هي التنظيم السياسي الواحد الذي أنشأته الثورة في ذلك الوقت، والذي عرف بعد ذلك عدداً من التطورات تحول خلالها إلى “الاتحاد القومي” ثم إلى “الاتحاد الاشتراكي”، وذلك قبل أن يظهر من جديد باسم “حزب مصر” بعد السماح بإنشاء الأحزاب، والذي استنسخ منه بعد ذلك “الحزب الوطني الديمقراطي الاشتراكي”. وهو حزب الأغلبية المعروف حالياً “بالحزب الوطني” بعد أن سقط من اسمه وصف “الاشتراكي” نتيجة لعدم الممارسة، ثم سقط أيضاً وصف “الديمقراطي” نتيجة لبقية من الحياء. ونعود إلى قصة العلم، فقد قيل حينذاك أن وجيه أباظة طلب قطعاً من القماش فقدمت له “أتواب” من هذه الألوان الثلاثة، واستخدمت في إحدى الاحتفالات أو الاستعراضات، وكانت هذه هي البداية قبل أن تعتمد وتصبح بعد ذلك علماً لمصر. فالموضوع وفقاً لهذه الرواية ليس له رموز أو معاني وإنما هو مجرد صدفة. ولا أنكر أن ذكرياتي هذه مستوحاة من الذاكرة ولذلك فلست متأكداً من صحتها. ومن هنا أرجو ممن يعرف الحقيقة أن يخبرنا بها. وعلى المستوى الشخصي فإنه يؤسفني أن أعترف بأنه ليس لهذا العلم من ذكرى عميقة في نفسي سوى مشهد واحد مؤثر، وهو رفع هذا العلم على الضفة الشرقية لقناة السويس بعد عبور القوات المصرية للقناة في حرب 1973.

على أي الأحوال فقد أصبح هذا العلم بألوانه الثلاثة نموذجاً لأعلام عربية أخرى، فالعلم السوري والعلم العراقي والعلم اليمني هي تنويعات على هذه الألوان؛ بإضافة نجمتين هنا أو ثلاثة هناك وإضافة عبارة الله أكبر في حالة ثالثة. فأعلام هذه الدول كلها تقوم على هذه الألوان الثلاث، الأبيض والأسود والأحمر. وقد ورد في خاطري أنه ربما يكون هناك معنى أعمق لهذا الاختيار ولو في العقل الباطن أو حتى من سياق التاريخ العالمي.

وتذكرت أن ستندال Stendhal الروائي الفرنسي المعروف كان قد كتب رواية هامة ومشهورة اسمها “الأحمر والأسود” Le Rouge et le Noir. وكان يقصد بذلك رجل السيف أو الرجل العسكري من ناحية، ورجل الدين أو القسيس من ناحية أخرى. وفي فرنسا – بل ومعظم دول أوروبا خلال عصور الإقطاع وما بعدها – كان النبلاء يتوزعون على السواء على المناصب العسكرية والدينية، فهم الفرسان الذين يقودون الجيوش كما أنهم رجال الدين في الكنيسة. وكان اللون الأحمر يرمز للزي العسكري، في حين أن اللون الأسود كان يمثل رداء رجال الدين. فهنا الإشارة إلى الأحمر والأسود هي التعبير عن صراع وأحياناً تحالف حول من يكون له الحكم أو السيطرة.

والحقيقة أن تاريخ المجتمعات القديمة – وبلا استثناء – قد أفرد دائماً مكاناً خاصاً لكل من طبقة رجال الدين والقادة العسكريين. فمنهم جاء معظم الحكام، وربما كانت سيطرة رجال الدين أسبق ثم جاء بعدها القوة العسكرية، وغالباً ما تحالف الاثنان.

ففي المجتمعات البدائية، كان الفرد ضعيفاً جاهلاً يعيش عالة على الطبيعة وتحيطه المخاطر من كل جانب. فهو يعاني في هذه الحياة البدائية من سطوة الطبيعة من الأعاصير والأنواء والرياح والأمطار والجفاف، ولا يعرف من سبب ورائها سوى ما يدور في خياله بأنها لابد أن تكون عقاباً من الآلهة. وهو يتعرض كذلك للأوبئة والأمراض ولا يعرف لها دفعاً ويؤمن بأنها لابد أن تكون من فعل الأرواح الشريرة. فالفرد دائماً في خوف وهلع من الآلهة والأرواح، وهو أيضاً في حاجة إلى حمايتها، ومن هنا بحثه عمن يحميه من غضب الآلهة أو شرور الأرواح الخبيثة. ومن يعرف أسرار الآلهة أو خبايا الأرواح أكثر من رجل الدين، أو الساحر الأكبر، وهو أيضاً الطبيب والمداوي، فضلاً عن أنه القادر على اكتشاف أسرار المستقبل. وهكذا أصبح لرجل الدين الكلمة الفصل في هذه المجتمعات، فهو الأقرب إلى الآلهة العالم بنواياها وأسرارها. ورجل الدين أو الكاهن الأعظم ليس كالبشر، وكان لابد أن يحاط أو يحيط نفسه بالأسرار والطقوس، ولابد أن تقدم له الهدايا وتذبح له الذبائح، ليس لرجل الدين نفسه – حاشا الله – وإنما للآلهة التي تتطلب الذبائح من الغنم والأبقار، ولا بأس أيضاً من الطيور من حمام أو دجاج. وبطبيعة الأحوال، فالديانات البدائية تبين الممنوع والمباح، كما تميز بين الحلال والحرام، والطاهر والنجس. ورجل الدين هو الحكم، وهو الناطق باسم الآلهة والأرواح.

ولكن الكاهن أو الساحر وحده لا يكفي لدفع كل الشرور، فالأمر لا يتعلق فقط بالكوارث الطبيعية من براكين أو عواصف، أو قحط أو مجاعة أو أوبئة، فهناك إلى جانب هذا وذاك ضرورة توفير الأمن والاستقرار داخل الجماعة ودفع اعتداءات الجماعات المجاورة وغاراتها، وهكذا كان لابد من وجود من يدافع عن أهل الجماعة ومن يحفظ الأمن داخلها. ومن هنا ظهرت الحاجة إلى نوع من القوة العسكرية، فلكل جماعة فرسانها المدافعون عنها، والذين أصبحوا مع الزمن جيوشاً وأساطيل تملك القوة المادية. وهكذا ظهر في كل جماعة مراكز قوة ونفوذ من رجال الدين ومن القادة والمحاربين. وكل منهم يستند إلى قاعدة أو ركيزة أساسية من قوة روحية أو من قوة مادية. وكثيراً ما قام صراع بين رجال الدين والكهنة، وبين رجال الجيش. وفي مثل هذا الصراع كانت الغلبة في معظم الأحيان للقوة العسكرية. فإذا بالحاكم هو القائد المغوار وهو البطل في المعارك والحروب. ولكنه لم يلبث أن اكتشف أن القوة المادية وحدها لا تكفي ولابد أن يضاف إليها أيضاً القوة الروحية. وبذلك لم يكن غريباً أن يكون الملك هو القائد العسكري وهو أيضاً الكاهن الأكبر. وهكذا كان فرعون، وهكذا أصبح الإمبراطور الروماني، بل إن ملك إنجلترا – أو ملكته – هما أيضاً رأس الكنيسة بقدر ما هما رأس الدولة.

على أن العالم تغير، ولم يعد الإنسان في رعب دائم من الطبيعة بعد أن كشف العديد من أسرارها وعرف الكثير من قوانينها. كذلك فإن القوة المادية من عساكر أو أساطيل لم تعد هي كل شيء بعد اكتشاف النقود وظهور الثورة الاقتصادية. لقد أصبحت المعرفة والعلم هي أقوى الأسلحة. فالجيش وقوته لم يعد يعتمد على الشجاعة والكثرة بقدر ما يستند إلى التقدم العلمي والبحثي وقوة الصناعة. وهكذا جاء الاقتصاد كالقوة الجديدة الصاعدة لينافس رجال الدين وحملة السلاح في السيطرة على مقدرات العالم. فالنقود تشتري السلاح وتصنعه، بل وكثيراً ما تروض رجال الدين أيضاً. ولا تتميّز العصور الحديثة فقط ببزوغ النفوذ الاقتصادي، بل عرفت تطوراً آخراً حيث كاد أن يصبح الإعلام معه قوة مؤثرة على النفوس تشارك رجال الدين في تشكيل الوعي والفكر، بل أن رجال الدين في أمريكا أصبحوا أقرب إلى رجال الإعلام منهم إلى مفهوم رجل الدين التقليدي.

ويرى بعض المفكرين أن العالم في تطوره التاريخي قد مرّ بثلاث عصور متتالية؛ العصر الديني حيث كانت السلطة في أيدي الكهنة ورجال الدين والسحرة، ثم العصر العسكري حيث كانت السلطة في أيدي القوة العسكرية والتفوق المادي، وأخيراً عصر الاقتصاد حيث أصبحت السيطرة للثروة والمال ومن ورائهما المعرفة والتكنولوجيا. ولكن رجال المال والاقتصاد مع نفوذهم الهائل قد أدركوا ما سبق أن أدركه القائد العسكري بعد أن استولى على السلطة، فهو لم يكتف بقوته العسكرية وإنما استمال أيضاً السلطة الروحية لحسابه. وإذا كان المال والاقتصاد قد أصبحا القوة الرئيسية الموجهة للأحداث، فإن رجال المال والأعمال لم يلبثوا أن تحالفوا مع أصحاب القوى الروحية ومراكز الإعلام، كما استمالوا رجال السلاح، وأصبح الثلاثة مختلطين في سبيكة واحدة تجمع بين النفوذ الروحي والتأثير النفسي من ناحية، والقوة المادية أو العسكرية من ناحية ثانية، وسطوة رأس المال والثروة من ناحية ثالثة. وهكذا فإن “الأحمر والأسود” اللذان تحدث عنهما ستندال في روايته بهذا العنوان ما زالا موجودين، وإن أضيف إليهم عنصر ثالث وهو قوة الاقتصاد والمال، وهو ما يصعب أن يوصف بالأبيض.

ونعود إلى ألواننا الأبيض والأسود والأحمر في العلم المصري، فهل هي حقاً إشارة إلى العهد البائد الأسود وإلى المستقبل الأبيض، أم إلى العقائد والسلاح والمال، أم أن الأمر هو مجرد حديث عن تاريخنا الحديث بين ماضي وحاضر ومستقبل؟ ولكن أيّهم أبيض وأيّهم أسود وأيّهم أحمر؟ أفيدونا أفادكم الله. فلم نعد نعرف ما المقصود بهذه الألوان، وإن كان من الواضح أن هذه الأيام ليست ناصعة البياض.   والله أعلم،

الأهرام:4 مارس 2007


Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *