أخبار من أفريقيا

رغم أننا في مصر جزء من إفريقيا، فإن معظم اهتماماتنا السياسية تتعلق – عادة – بمحيطنا العربي أو علاقتنا مع الغرب، وقل أن نهتم بالجنوب – باستثناء السودان طبعاً. ولذلك قيل أن مصر وإن كانت في إفريقيا جغرافياً، فهي تاريخياً جزء من الشرق العربي في آسيا. فمن الشرق الآسيوي جاءت معظم الغزوات وإليها تمت معظم التوسعات ومعها تعمقت العلاقات. ومع ذلك، فإن الاهتمام – بين الحين والآخر – بما يدور في إفريقيا أمر هام، ليس فقط بسبب الجوار الجغرافي، وإنما لأن هذه القارة تفتعل فيها تجارب جسام يمكن أن تفيد البشرية. فهذه القارة – وهي من أغنى قارات العالم بثرواتها الطبيعية – ظلت إلى وقت قريب متخلفة وخاضعة للاستعمار والتجزئة. وقد بدأ تاريخها السياسي المستقل منذ أقل من نصف قرن، ومع ذلك فإنها تقدم اليوم نماذج هامة من الخبرة البشرية في النجاح المذهل كما في جنوب أفريقيا، أو الفشل الذريع كما في رواندا وبوروندي. وأخيراً تناقلت الأخبار أحداث توجو وتصدرت عناوين الصحف. فما هي القصة؟

توجو دولة صغيرة في غرب إفريقيا وتقع بين غانا وبوركينافاسو وبنين، وهي لا تبعد كثيراً عن جنوب نيجيريا. وقد ظلت توجو دولة هادئة ومنسية لا يسمع أحداً أخبارها، وكان يحكمها جنرال قام بانقلاب عسكري منذ الستينات، وظل رئيساً لها لحوالي ثمانية وثلاثين عاماً. وعندما نقول أنها دولة هادئة فينبغي أن يفهم ذلك في سياق الحديث عن حكم عسكري قبلي، وحزب واحد، وقمع بوليسي، وغياب كامل للحريات السياسية. ففي المجال السياسي والأمني كان هناك، مع قبضة حديدية للنظام، هدوء واستقرار، فلا اضطرابات ولا نزاعات. وفي الاقتصاد كان هناك بطبيعة الأحوال هدوء آخر بمعنى الركود والكساد. وفجأة تغيرت الأحوال، وأصبحت أخبار توجو على صفحات العالم وتعددت ردود الأفعال. فماذا حدث؟

لقد مات الرئيس فجأة. ومباشرة قام الجيش بشبه انقلاب عندما أدى القائد العام للجيش يمين الولاء لنجل الرئيس كرئيس جديد للبلاد. وهنا احتجت المنظمات الدولية الخارجية؛ الاتحاد الإفريقي، ومنظمة دول الفرنكوفونية، والأمم المتحدة، ومنظومة دول غرب إفريقيا. وأعلنت هذه المنظمات على لسان كبار مسئوليها أن هذا انقلاب على الدستور، وهو أمر غير مقبول، وعلى توجو أن تعود إلى احترام الدستور. وكان الدستور في توجو ينص على أنه في حالة خلو منصب الرئيس، فإن رئيس البرلمان يتولى الرئاسة مؤقتاً لحين انتخاب رئيس جديد. وكان رئيس البرلمان في هذه اللحظة خارج البلاد – في باريس – حيث كان البرلمان في عطلة، وعندما حاول العودة إلى بلاده لمتابعة المتغيرات الجديدة، لم تستطع طائرته الدخول إلى توجو حيث أن الجيش كان قد أغلق الحدود والمسارات الجوية كجزء من الإجراءات الأمنية.

وفي هذه الظروف، وجد الفريق الذي تولى أمور الحكم نفسه في مأزق. هناك رفض دولي لما تم ولابد من البحث عن مخرج دستوري. لا بأس، ليست هناك مشكلة. مع ترزية القوانين، الحلول الدستورية دائماً جاهزة.

اجتمع البرلمان بحضور 67 عضو – جميعهم بالطبع من الحزب الواحد للحكومة – وقرروا بالإجماع خلو منصب رئيس البرلمان لوجوده في الخارج. ومع خلو المنصب فلابد من انتخاب رئيس جديد للبرلمان بدلاً من الرئيس السابق الواقف على الحدود. وبالطبع فإن أصلح المرشحين لهذه الوظيفة لا يمكن أن يكون أحداً غير ابن الرئيس ذاته. والآن وقد اختير ابن الرئيس الراحل رئيساً للبرلمان، فإنه يصبح – وفقاً للدستور – رئيساً مؤقتاً للدولة لحين إجراء الانتخابات. والرئيس المؤقت الجديد يبلغ من العمر 39 عاما وقد حصل على ليسانس في إدارة الأعمال من جامعة باريس – دوفينيه، ثم ماجستير من جامعة “جورج تاون” في أمريكا. وقد عينه أبوه وزيراً للمعادن والاتصالات، ويقال أنه يدير ثروة العائلة. وهو – وإن لم يكن الابن الوحيد أو الأكبر – إلا أنه نجح في توثيق علاقاته بمعظم المسئولين في الدولة.

فهل تنتهي الأزمة بهذا الحل الشكلي لقضية دستورية الخلافة؟ لا يبدو ذلك. فالأزمة – على الغالب – قد بدأت. فقد قامت مظاهرات وتدخل رجال الأمن، وأعلنت الحكومة أنها ستقوم بإجراء انتخابات خلال شهرين لاختيار رئيس جديد، ورغم ذلك فرضت دول الجوار من المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا عقوبات اقتصادية على توجو.

على أي الأحوال، ليس المهم في هذه الأحداث ما يجري في توجو، وإنما الأكثر أهمية هو دلالة هذه الأحداث. فالانقلابات العسكرية والقمع السياسي ليست أموراً غريبة عن تاريخ إفريقيا القريب. ولكن الجديد هو ردود الفعل الخارجية وخاصة من جانب الاتحاد الإفريقي ودول الجوار. فإفريقيا والتي بدأت تعرف طريقها – منذ فترة قصيرة – إلى الديمقراطية والتعددية السياسية، يبدو أنها مصممة على الدفاع عن نظم الحرية والديمقراطية الواردة حديثاً إليها. فالتجارب المريرة التي مرت بها معظم الدول الإفريقية في ظل الحكم العسكري والقمع السياسي الأمر الذي بدأ ينقشع ويزول خلال السنوات الأخيرة – هذه التجارب تركت آثاراً بائسة وعميقة في الوجدان الإفريقي، وبالتالي فإن إفريقيا في ثوبها الجديد تجاهد للحفاظ على المكتسبات السياسية الجديدة، وبوجه خاص الحرص على نظم الحكم الديمقراطية.

ومشكلة المجتمع الدولي في صدد التدخل حول قضية الديمقراطية والحريات السياسية ترجع إلى التقابل في الحياة الدولية بين مبدأين أساسيين ومتعارضين. المبدأ الأول هو مبدأ السيادة الوطنية للدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. والمبدأ الثاني  هو ضرورة احترام الحقوق الأساسية للإنسان والذي بدأ يستقر في الوجدان الإنساني وخاصة منذ الإعلان العالمي عن حقوق الإنسان. وهكذا، كثيراً ما يجد المجتمع الدولي نفسه إزاء أوضاع يتعارض فيها الأمران. هناك من ناحية اختلال وإهدار للحقوق الأساسية للأفراد في دولة ما، ولكن هناك بالمقابل ضرورة احترام سيادات الدول وعدم التدخل في شئونها الداخلية. وكان الأمين العام للأمم المتحدة قد أعلن بمناسبة الألفية الجديدة في نهاية عام 2000، أن للمجتمع الدولي الحق في التدخل – وحتى عسكرياً – في حالة تهديد الحقوق الأساسية للإنسان – كما حدث في رواندا وبوروندي أو في كوسوفو – وأنه لا يجوز الاحتجاج في هذا الصدد بدعاوي سيادة الدولة، لأن هذه السيادة إنما تقررت – أساساً – احتراماً لسيادة الفرد وحقوق الإنسان. فالأصل في السيادة – وفقاً لهذه الرؤية الجديدة للأمين العام للأمم المتحدة – هي أنها “سيادة للفرد” ولحقوق الإنسان، وأن “سيادة الدولة” مشتقة منها وتابعة لها. فإذا أهدرت الدولة حقوق الأفراد الأساسية وحرمتهم من الحرية، فإن أساس “سيادة الدولة” ينهار، ويعود للمجتمع الدولي الحق في التدخل. وأخيراً جاءت الولايات المتحدة الأمريكية بسياستها المعلنة في التدخل المسبق ليس فقط بدعوى حماية الأمن الأمريكي، ولكن أيضاً للدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. وهكذا نجد أن مبدأ سيادة الدول والذي تقرر بشكل واضح منذ معاهدة وستفاليا 1648، قد بدأ يتعرض للتآكل إن لم يكن الاعتراض وأحياناً حتى الرفض. وبذلك، فيبدو أن مبدأ “احترام الحريات الأساسية” قد بدأ يتغلب على مفهوم “سيادة الدول”. ومع ذلك فما زال الأمر يثير جدلاً وتخوفاً. لماذا؟

رغم أن الدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان دعوة نبيلة، إلا أن الشك كان يثور دائماً في النوازع من ورائها عندما يأتي الاحتجاج بها من جانب الدول الكبرى. فالتجربة التاريخية قد أوضحت أن الدول الكبرى والقوية كثيراً ما استخدمت دعاوي المبادئ النبيلة لتحقيق أهدافها الخاصة في استغلال الضعفاء والفقراء. فلم يدخل الاستعمار أية دولة باسم المصالح وإنما كان دائماً أمامه – أو ورائه – دعوات إنسانية لحماية حقوق الأقليات، أو لنشر الحضارة – حضارة الرجل الأبيض طبعاً – أو للتحرير من عبء مستعمر آخر (جاء نابليون لمصر لتحريرها من الدولة العثمانية ومن المماليك). وهكذا كان هناك دائماً تخوف بل ورفض لمبدأ التدخل في سيادة الدول الداخلية ولو كان ذلك باسم أغراض نبيلة مثل حماية الحريات والحقوق الأساسية للإنسان. فكم من جرائم ارتكبت باسم هذه الأغراض النبيلة!!

ولكن وقوف الاتحاد الإفريقي ودول الجوار مع الشرعية الدستورية في دولة إفريقية أمر مختلف وجديد. فإفريقيا – وقد قاست ربما أكثر من غيرها من الاستعمار والاستغلال – لا يتصور أن تستخدم الشعارات النبيلة في الحرية والديمقراطية من أجل مصالح لها في الاستعمار أو الاستغلال. ومن هنا يمكن أن تجد هذه الدعوة الإفريقية قبولاً دون تحفظ أو اعتراض باسم سيادة الدول وعدم التدخل في شئونها الداخلية. فما يحدث في توجو أمر يهم القارة الإفريقية في مجموعها. والاستبداد وكذا الديمقراطية – كالأمراض – تنتشر بالعدوى والتقليد. ولذلك لم يكن غريباً، أنه عندما هبت رياح الحرية والديمقراطية على أمريكا اللاتينية في الثمانينات من القرن الماضي انتشر وجودها على اتساع القارة، وكذا الحال بالنسبة لأوروبا الشرقية في التسعينات، وهو أيضاً حال الدول الإفريقية. فدعوة الاتحاد الإفريقي إلى احترام الدستور  في توجو ليست تدخلاً في الشؤون الداخلية لدولة شقيقة، بل هي حماية للقارة الإفريقية من فيروس الاستبداد والحكم الفردي. و”سيادة الدول” لا ينبغي أن تكون مكافأة للاستبداد بل إنها تقررت لتكون حصانة للحرية.

إننا نعيش في عالم جديد، ودعوات الحرية تهب من كل جانب: من الداخل كما من الخارج، من الجار القريب، كما من المراقب البعيد، وكما تكون هذه الدعوات لوجه الله ومصلحة العباد، فإنها تكون – أحياناً – لمصالح ومطامح. والعاقل من اتعظ وتعلم.   والله أعلم.

الأهرام: 1 فبراير 2005

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *