أزمة الطاقة وتصدير الغاز المصري

أعلنت الصحف المصرية منذ فترة وجيزة عن افتتاح أكبر مصنع لتسييل الغاز الطبيعي وتصديره، وأن مصر قد أصبحت بذلك سادس أكبر مصدر للغاز في العالم. وقد تكلف إنشاء هذا المصنع بضعة مليارات من الدولارات، أغلبها استثمارات أجنبية. وهكذا يبدو أن الأمر كما لو كان ينطوي على خطوة هامة على طريق دعم الاقتصاد المصري باجتذاب رؤوس أموال ضخمة من الخارج وتطبيق تكنولوجيات متقدمة وزيادة حجم الصادرات وبالتالي تحسين أوضاع ميزان المدفوعات.

ولكن هل صحيح أن التوسع في تصدير الغاز الطبيعي بهذه المعدلات العالية يمثل مصلحة أكيدة لمصر أم أن هناك تكلفة استراتيجية مرتفعة قد تتحملها الأجيال القادمة وبما يجعل العائد الحقيقي من هذه العملية – وبعد أخذ هذه التكلفة في الاعتبار – محل نظر؟

هذا سؤال هام. لا أدعي أنني أملك إجابة شافية عليه. ولكني أعتقد أنه من الضروري أن تطرح على الرأي العام مختلف جوانب الموضوع. وأود في هذا المقال أن أشير إلى بعض المحاذير التي قد تتطلب مناقشة عامة. فالأمر ليس مجرد مسألة فنية بزيادة الاستثمار أو الإنتاج في قطاع معين بقدر ما ينطوي على التصرف في مورد ناضب في ظل أزمة عالمية للطاقة من ناحية، ومن دولة لا تتمتع إلا بموارد محدودة من مصادر الطاقة البديلة من ناحية أخرى. وللإنصاف فقد نشرت الجرائد أيضاً دفاعاً عن العملية بالقول بأن حقوق الأجيال القادمة قد أخذت بالفعل بالحسبان، وأن لدينا من احتياطيات الغاز ما يكفي لأكثر من 34 (أربعة وثلاثين) عاماً، وهي فترة – على عكس ما قصد – تدعو إلى القلق بأكثر مما تشيع من الاطمئنان. فأربعة وثلاثون عاماً – في تاريخ الشعوب – هي فترة قصيرة جداً. ومما زاد من قلقي أنني سمعت من أحد كبار المسئولين أن أرقام وزارة البترول تكون مضطربة أحياناً.

ولنبدأ بالبداية. هناك على الأقل حقيقتان لا أعتقد أنه يسود حولهما أي خلاف كبير. أما الحقيقة الأولى فهي أن العالم يواجه – في مجموعه – أزمة خانقة للطاقة، وفي خلال فترة تتراوح بين عقدين أو ثلاثة سيبدأ العد التنازلي لإنتاج النفط والغاز في العالم. أم الحقيقة الثانية، فهي أن مصر – من بين مختلف دول العالم – لا تتمتع بأية موارد من الطاقة التقليدية مثل الفحم أو الكهرباء (مساقط المياه) ويكاد يكون مصدرها الوحيد للطاقة هو النفط والغاز، وكلاهما محدود الكمية. ولنتناول هذين الأمرين ببعض التفصيل.

ليس هناك من شك في أن تاريخ تقدم البشرية هو إلى حد بعيد تاريخ نجاح الإنسان في اكتشاف والسيطرة على مصادر الطاقة الطبيعية. فرغم أن الإنسان في شكله المعاصر Homo Sapiens قد عاش على الأرض لما يتراوح بين نصف المليون والمليون سنة، إلا أن تاريخ الحضارة لا يتجاوز عشرة آلاف سنة – ربما أقل – وذلك عند اكتشاف الزراعة. وكانت هذه الثروة التكنولوجية الأولى، راجعة إلى نجاح الإنسان في ترويض والسيطرة على قوى الحيوان وتسخيره لأغراضه في الزراعة في مجال الجر والنقل والحرث وغيرها من الأعمال الزراعية. وبعد ترويض الحيوان، أمكن للإنسان السيطرة على قوى الرياح والمياه فظهرت طواحين الهواء والماء وتم ركوب الأنهار والبحار.

ومنذ ما يقرب من ثلاثمائة عام، انتقلت البشرية إلى مرحلة جديدة من التقدم مع اكتشاف البخار واختراع الآلة البخارية، فكانت الثورة الصناعية. ولم يكن ذلك ممكناً دون تسخير مصادر جديدة للطاقة وخاصة من الفحم. ولم يكن غريباً أن تكون إنجلترا هي مهد الثورة الصناعية، فالجزر البريطانية، هي في نهاية الأمر، صخرة من الفحم. وبعدها جاء التوسع الصناعي في فرنسا ثمّ ألمانيا والولايات المتحدة وكلها دول غنية بمناجم الفحم. ومع اكتشاف الكهرباء وتعدد مساقط المياه في أوروبا وأمريكا، أضيفت طاقة جديدة إلى المصادر التقليدية (الفحم).

ومنذ بداية القرن العشرين، ظهر مصدر جديد للطاقة (النفط) وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. ومع الحرب العالمية الأولى وخاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبحت منطقة الشرق الأوسط أهم منطقة للمخزون من هذه الطاقة الجديدة للنفط. ومن عجب أن مصر كانت من أوائل الدول في الشرق الأوسط التي اكتشف فيها النفط (1908) قبل أن تتجه الأنظار إلى المناطق الأخرى الأكثر وفرة في حقول النفط في إيران والعراق ثمّ السعودية ودول الخليج.

ومع اكتشاف النفط وخاصة من دول الشرق الأوسط توافر للعالم مصدر جديد نظيف ورخيص للطاقة مما ساعد على الطفرة الاقتصادية التي عرفها العالم الصناعي الغربي وخاصة خلال ما عرف بربع القرن المجيد (1945-1970). فقد عرف النفط ثباتاً في الأسعار خلال ما يزيد على ستين عاماً مما مكّن أوروبا وأمريكا من تحقيق نمو اقتصادي مذهل خلال هذه الفترة نتيجة لهذه الطاقة الرخيصة. فقد كان ثمن برميل النفط في الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين (1910) حوالي 1,2 دولار، ولم يتجاوز سعره في عام 1970 أكثر من 1,7 دولار (الأحمدي – الكويت).

ولكن مشكلة النفط – ومعها الغاز الطبيعي – هي أنها مصادر نافدة وغير متجددة، وبالتالي فإن لها آجال – ومهما طالت – فهي محدودة. وقد بدأت بوادر هذه الحدود تظهر بالفعل، وأصبح العالم يتحدث عن أزمة الطاقة، وأن “نهاية النفط” وإن لم تكن غداً فهي ليست بعيدة، ومن ثمّ بدأت الدول الاستعداد لحقبة ما بعد النفط.

وتتعدد تقديرات الخبراء ومراكز البحوث، ولكن النتيجة النهائية واحدة، والخلاف هو حول المدى الزمني لانتهاء حقبة النفط. وهناك على الأقل اتفاق بين الجميع حول أمرين. الأمر الأول هو التزايد الكبير المتوقع في حجم الاستهلاك من الطاقة وخاصة من النفط، والأمر الثاني هو أن الزيادة في حجم إنتاج النفط سوف تصل إلى مداها الأقصى خلال فترة قصيرة يبدأ بعدها الإنتاج في الانخفاض وتزداد حدة أزمة الطاقة.

فمن المتوقع أن يزيد استهلاك العالم من الطاقة في عام 2035 إلى ما يقرب من ضعفي المستوى الحالي ويرتفع بذلك استهلاك النفط من حوالي 84 برميل يومياً حالياً إلى أكثر من 140 مليون برميل في نفس الوقت الذي يزيد فيه استهلاك الغاز الطبيعي بأكثر من 120% والفحم بأكثر من 60%. ومن المتوقع أن تأتي الزيادة الكبرى في الاستهلاك من الدول النامية وخاصة من الصين والهند. ومن المتوقع أن يصل استهلاك العالم الثالث إلى حوالي نصف الإنتاج العالمي خلال عقدين من الزمان.

وبالنسبة للوصول إلى الحد الأقصى لإنتاج النفط فتختلف التقديرات. فتذهب أكثر التقديرات تفاؤلاً (الحكومة الأمريكية) إلى أن هذا الحد لن يتحقق قبل 2035 وبعدها يبدأ الإنتاج العالمي في التناقص. وتذهب تقديرات أخرى إلى أن هذا الحد يمكن أن يحدث في 2015 وربما 2025 في أحسن الأحوال.

وقد لجأت معظم دول العالم إلى وضع استراتيجيات لمستقبل الطاقة واستخداماتها. ونجحت معظم الدول الصناعية في تحقيق إنجازات ملموسة في ترشيد استخدام الطاقة بعد أزمة الطاقة في منتصف السبعينات من القرن الماضي. وقد حققت بعض هذه الدول وفراً في كفاءة استخدام النفط والغاز يعادل ما يقرب 30%. ويتزايد الحديث في الولايات المتحدة الأمريكية حول تطوير مصادر جديدة للطاقة وخاصة الطاقة الهيدروجينية فضلاً عما تملكه من قدرات نووية ومع استمرار البحث في تطوير الطاقات المتجددة من الرياح أو الطاقة الشمسية. وفي نفس الوقت فإن الدبلوماسية الأمريكية – مدعومة بقدرات عسكرية عالية – تعمل على تأمين مصادرها من النفط والغاز خارج الحدود وترشيد استخدامها لمصادرها المحلية. فالسياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط تكاد تنحصر في تأمين مصادر النفط والغاز خارج حدودها. وبالمثل فاهتمام الولايات المتحدة بدول آسيا الوسطى (جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقاً) يدخل في هذا المضمار. فاستراتيجيات تأمين الطاقة في المستقبل هي الشغل الشاغل للجميع.

فماذا عن وضعنا في مصر؟

مصر – بصفة عامة – دولة فقيرة في مصادر الطاقة. فهي لا تتمتع بمناجم هائلة للفحم كما هو الحال في الصين مثلاً، كما لا تعرف مساقط متعددة للمياه – بالتالي الكهرباء – كما في حالة الهند. وإذا أضفنا أن هذين البلدين قد طورا قدرات نووية إلى جانب مواردها من مصادر الطاقة التقليدية، فإننا نجد أن مصر أقل منهما استعداداً للمستقبل. حقاً، تتمتع مصر ببعض الموارد من النفط وبنصيب أفضل من الغاز الطبيعي. ولكن هذه الموارد ما تزال محدودة ولا تقارن بما تتمتع به معظم دول الخليج أو ليبيا أو الجزائر أو نيجيريا مثلاً. أما النفط فهو يكفي بالكاد – ربما بزيادة طفيفة – للوفاء بالاحتياطيات المحلية. فما تصدره مصر من نفط – وبعد دفع حصة الشريك الأجنبي – فإنه يستخدم تقريباً للوفاء بدفع فاتورة الواردات من المنتجات النفطية. وإذا كان حظنا من موارد الغاز الطبيعي أفضل من أوضاع النفط، فإن ما نملكه ما زال محدوداً في دولة يزيد تعددها على 73 مليون نسمة وتتكاثر بسرعة. وإذا أضفنا إلى ذلك إلى أننا لا نملك قدرات نووية محلية وأن ما تحقق في مجال مصادر الطاقة المتجددة – من رياح أو طاقة شمسية – بالغ الضآلة. ولذلك فإن مستقبل مصر في الطاقة يستند إلى ما نملكه من غاز طبيعي وهو حق الأجيال القادمة. ولعله من المفيد الإشارة هنا إلى أن الطاقة الهيدروجينية التي يكثر الحديث عنها باعتبارها مصدر الطاقة في المستقبل، فإنها تعتمد لاستخراجها على الغاز الطبيعي باعتباره أنظف وأرخص وسيلة لذلك. فالغاز الطبيعي في مصر ليس فقط بديلاً فقط عن النفط بل أنه يمكن أن يمكن أساساً للطاقة الجديدة من الهيدروجين. وبطبيعة الأحوال فإن المستقبل يمكن أن يكون أكثر تفاؤلاً لمنطقتنا فيما لو أمكن توفير الطاقة الشمسية بأسعار اقتصادية. وهو أمر ربما يحتاج إلى جهد عربي مشترك باعتباره تحدياً لمستقبل المنطقة العربية في مجموعها.

ولذلك فإنه يبدو لنا أنه في المرحلة الحالية فإن مواردنا من الغاز الطبيعي يمكن أن تمثّل الاحتياطي الاستراتيجي الوحيد المتاح لنا لحقبة ما بعد النفط، وهي بالنسبة لمصر ليست بالأمر البعيد. وربما يكون مفيداً أن نتذكر أن تجربة محمد علي الصناعية قد فشلت جزئياً في القرن التاسع عشر بسبب نقص موارد الطاقة في مصر في ذلك الحين. فقد كثر الحديث على رد هذا الفشل إلى المنافسة من السلع الأجنبية بعد أن فرضت عليها معاهدة 1840. ولكن لا ينبغي أن ننسى أن الصناعة المصرية قد واجهت في ذلك الوقت مشاكل فنية أهمها نقص مصادر الطاقة المحلية. وقد حاول محمد علي علاج المشكلة آنذاك بالاعتماد على الطاقة الحيوانية من بغال وحمير ولكن دون جدوى. وهكذا أجهض – جزئياً – مشروع النهضة الصناعية الأول مع محمد علي بسبب قصور مصادر الطاقة في مصر آنذاك.

بقي أن نشير أخيراً إلى أن مزيداً من الاعتماد على النفط والغاز ليس فقط مخاطره بمستقبل الأجيال القادمة، ولكنه أيضاً مزيد من الوقوع في براثن الاقتصاد الريعي الذي يعطي انطباعاً كاذباً بالنجاح الاقتصادي في حين أننا لا نفعل أكثر من التصرف في الموارد الطبيعية الموروثة، كما يفعل الوارث النزق عندما يبيع ميراثه للإنفاق على ملذاته الآنية.

ليس لدينا في مصر وزارة للطاقة، وإنما فقط وزارة للبترول. ومن الطبيعي أن تنشغل وزارة البترول يبيع أكبر كمية من النفط والغاز الطبيعي لتحقيق زيادة في حصيلة الصادرات. أما وضع سياسية واستراتيجية لمستقبل الطاقة فهو مسئولية وزارة الطاقة. وكنا نفضل أن تكون لدينا مثل هذه الوزارة.   والله أعلم

الأهرام: 14.5.2006

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *