أزمة اليونان والاندماج المالي العالمي

لم تكد تمر الأزمة المالية العالمية 2008، وحيث بدأت الاقتصادات العالمية في التعافي – بدرجات متفاوتة – حتى انفجرت أزمة اليونان لتعيد للأذهان جو الأزمة من جديد. وعندما ظهرت بوادر هذه الأزمة في اليونان أخذت معظم الدول الأوروبية وخاصة ألمانيا موقفاً حازماً منها، وذلك بمطالبة اليونانيين بتدبير أمورهم بوضع سياسة تقشفية صارمة مع الالتجاء إلى المؤسسات الدولية – صندوق النقد الدولي – لإيجاد الصيغة المناسبة لعلاج مشكلتهم. ولم تمض شهور- أو حتى أسابيع – حتى تغير الموقف تماماً. فإذا بالدول الأوروبية تجتمع وتقرر تخصيص تريليون دولار لتحقيق الاستقرار المالي في اليونان أو في غيرها، كما رصد صندوق النقد الدولي مئات البلايين هو الآخر لهذا الغرض. فماذا حدث؟ ولماذا هذا التغير؟

 

 

 

الذي حدث هو أن الأزمة اليونانية لم تعد أزمة اليونان وحدها بل أصبحت أزمة اليورو ومن ثم أزمة أُوروبا. وبذلك وجدنا أنفسنا إزاء وضع يعرض الاستقرار المالي للاختلال، وجاء كل ذلك بسبب الاندماج المالي العالمي. كيف؟

 

 

 

نبدأ بالإشارة إلى أن الاقتصاد اليوناني هو – في ذاته – اقتصاد صغير ومحدود بمقاييس الاقتصاد الأوروبي، وهو لا يكاد يمثل أكثر من 2 – 3% من حجم الاقتصاد الأوروبي، فلماذا إذن كل هذه الجلبة؟ السبب هو أن المشكلة لم تعد الاقتصاد اليوناني في ذاته، وإنما ما ترتب عليها من تداعيات بعيدة على العالم نتيجة للترابط والاندماج المالي العالمي. فقد أثارت الأزمة اليونانية زوبعة في الأسواق المالية، ففي الأسبوع الأول من شهر مايو انخفضت أسعار الأسهم في بورصة نيويورك بما يقرب من 5% في يوم واحد، وهي أعلى خسارة تصاب بها البورصة منذ ما عرف بيوم الاثنين الأسود في أُكتوبر 1987، واستمرت البورصة في اتجاهها النزولي إلى حين إعلان مساندة الدول الأوروبية وصندوق النقد الدولي لليونان وتخصيص مئات المليارات من الدولارات لهذا الغرض. وفي نفس الوقت فقد اليورو أكثر من 6% من قيمته، وهو يستمر بالهبوط. ولم  يقتصر الأمر على البورصة الأمريكية أو البورصات الأوروبية بل امتد إلى معظم بورصات الشرق الأقصى بل وحتى البورصات العربية. وهكذا بدت الأزمة اليونانية كمفجر لحركة أشبه بالدومينو في سلسلة متتابعة من ردود الفعل، بدءاً بانفجار أزمة مالية لليونان،وانتقالا إلى أزمة في منطقة اليورو، ثم إلى أزمة في سوق الأوراق المالية الأمريكية، ومنها إلى أزمة في الأسواق المالية الأخرى. وهكذا تحولت أزمة محدودة في بلد صغير إلى أزمة عالمية تهدد الاقتصاد العالمي. وهذا هو ما يعرف بإسم “أثر المضاعف” الذي يضخم من الآثار النهائية التي تترتب على تغيير أولي محدود، مما يهدد من الاستقرار المالي.وبذلك يتضح أن الاستقرار المالي وتعرضه للتهديد لم يعد أمراً مختصاً بدولة أو مكان محدد، بل بالنظام المالي في مجموعه، وهو ما يعرفبالمخاطر النظامية Systemic Risks، لأنها تصيب النظام المالي في مجموعه. وهذا هو ما حدث مع اليونان. فأزمة اليونان لم تعد مخاطر دولة زادت ديونها بقدر ما أصبحت “مخاطر نظامية” يتعرض لها النظام المالي العالمي نفسه. وكل هذا نتيجة للترابط والاندماج المالي العالمي.

 

 

 

وقد عرف الترابط أو الاندماج الاقتصادي العالمي مظاهر متعددة، ولكن أخطرها برز من خلال الاندماج المالي وربما لا يقل خطورة عنه ما يحدث في مجال الاتصالات. بل لعل هذا الاندماج المالي هو أحد نتائج “ثورة الاتصالات”. وكان العالم قد عرف أشكالاً متعددة للاندماج الاقتصادي ظهرت بشكل تدريجي على مدى القرون الأربعة الأخيرة حتى وصلت إلى المرحلة الحالية من الإندماج المالي والمعلوماتي. فمنذ القرنين السادس والسابع عشر بدأت، مع الاكتشافات الجغرافية، مظاهر الاندماج الاقتصادي الوثيق مع التوسع في أحجام التجارة العالمية سواء مع الأمريكيتين بعد اكتشافات كولومبوس، أو في الشرق الأقصى بعد نجاح رحلة دي جاما حول رأس الرجاء الصالح. وهكذا اتسع مجال التبادل التجاري حتى كاد يغطي الكرة الأرضية. وأدى قيام “الثورة الصناعية” واتساع الإمبراطورية البريطانية ـ وبعدها الفرنسية ـ في المستعمرات في آسيا ثم في إفريقيا، إلى إعطاء زخم جديد للتبادل التجاري بين الدول الصناعية في أوروبا من ناحية، والدول المصدرة للمواد الأولية في باقي القارات من ناحية أخرى. وفي النصف الثاني من القرن العشرين انتقل مركز الثقل من إنجلترا إلى الولايات المتحدة. وكان العالم قد ارتبط مالياً من خلال المراكز المالية للاسترليني في لندن خلال القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، ثم تحول الوضع لصالح الدولار ومركزه المالي في نيويورك.

 

 

 

وجاءت ثورة المعلومات والاتصالات خلال الربع الأخير من القرن العشرين وكان من أخطر نتائجها ما حدث في الجانب المالي. فالنقود، وكذا كافة مظاهر الثورة المالية من أسهم وسندات ومختلف الأصول المالية، لم يعد لها أي مظهر مادي – كذهب أو فضة أو حتى أوراق أو سندات – بل أصبحت هذه الأصول المالية مجرد قيود محاسبية تقيد على دفاتر البنوك أو البورصات أو مكاتب السماسرة، وهي تقيد بشكل إلكتروني، وتنتقل عبر الأثير في شكل ومضة كهربائية أو نبضة إلكترونية عبر شاشات الحسابات الآلية. وهكذا ارتبط العالم مالياً، وأصبحت الثروة المالية هائمة لا يكاد يعرف لها مكان، وهي تنتقل في لمح البصر من مكان إلى آخر في الدفاتر الإلكترونية دون أي انتقال مادي. وصاحب هذا الانتشار والتوسع في المعاملات المالية الدولية تركز عمليات تسوية المدفوعات في مراكز مالية محدودة، وحيث تتجمع عندها كل الخيوط للمعاملات الدولية.وكانت لندن هي مركز هذه التسويات المالية خلال القرن التاسع عشر، وانتقل الأمر حالياً إلى نيويورك مع دور أقل لفرانكفورت وطوكيو.

 

 

 

ويكفي أن نعرف أنه باستثناء المعاملات الصغيرة بالنقود الورقية أو المعدنية cash، فإن الغالبية العظمى من المعاملات المالية تتم من خلال التحويلات الإلكترونية المصرفية. الأمر الذي أدى إلى نوع من مركزية المدفوعات الدولية ـ على ما أشرنا ـ وحيث تتم تسوية هذه المدفوعات في مراكز العملات الرئيسية. فجميع المعاملات الدولية بالدولار تسوى في نيويورك بصرف النظر عن مكان المتعاملين. فإذا صدرت الصين سلعاً لأنجولا مثلاً وبحيث يتم الدفع بالدولار، فإن هذه العملية تسوى في نيويورك. وبالمثل فإن كافة المعاملات باليورو يتم تسويتها في فرانكفورت. فأي معاملة بين سوريا مثلاً والبرازيل إذا تمت باليورو، فإنها تسوى في فرانكفورت من خلال البنك المركزي الأوروبي. وهكذا أصبحت حركة الأموال مجرد قيود حسابية في المؤسسات المالية الكبرى تنتقل عن طريق الربط الإلكتروني وتتركز هذه المعاملات في المراكز المالية العالمية، وأي قلق أو اضطراب في الثقة في أحد هذه المراكز ينعكس على بقية الأسواق المالية. وعادة ما يصاحب ضعف الثقة في أحد الأسواق إحجام المستثمرين عن القيام بنشاطهم فضلاً عن اتخاذ البنوك لسياسات الحذر في منح الائتمان الأمر الذي يهدد بظهور بوادر انكماش اقتصادي في وقت حرج لم يتعافى فيه الاقتصاد العالمي تماماً من آثار أزمة 2008.

 

 

 

كذلك عرف العالم خلال السنوات الأخيرة ظاهرة تراكم الاحتياطيات الدولية لمعظم الدول مع تزايد الفوائض المالية في نفس الوقت لدول الفائض (الصين، اليابان، ألمانيا، دول الخليج). وهذه الاحتياطيات والفوائض تمثل كتلة هائلة من السيولة الموظفة في الأسواق المالية والتي يمكن أن تتأثر سلباً أو إيجابا بموجات التشاؤم أو التفاؤل. فهي كتلة هائلة من السيولة شديدة الحساسية لتوقعات الاسواق. وبهذا أصبحت الثروات المالية أشبه بالدماء التي تجري في عروق الجسم الاقتصادي العالمي، وأي خلل في أي مكان منها لا يلبث أن يؤدي تلويث بقية الدماء في باقي أجزاء الجسم.

 

 

 

وما دمنا نتحدث عن الثقة، فمن المفيد أن نتذكر أنها ظاهرة نفسية جماعية وكثيراً ما تفتقد إلى المنطق والعقلانية بل ويغلب عليها ما يعرف “بغريزة القطيع”، فهي أشبه بالعدوى ما أن تصيب فرداً أو مؤسسة حتى تتأثر بها كافة المؤسسات الأخرى. وإذا كان القلق والهلع مظاهر نفسية أقرب إلى الهستيريا، فإن الأمر يزداد صعوبة مع وجود المضاربين الذين يزيدون ـ بمضارباتهم ـ من حدة هذه التقلبات. وبذلك لم يكن غريباً أن تتأثر السوق الأمريكية سلباً بالأزمة اليونانية، وهي ما زالت بعد في مرحلة النقاهة من أزمة 2008، مما زاد من حدة المخاوف، وبذلك انتقلت موجه القلق من الأسواق المالية الأمريكية إلى بقية الأسواق العالمية الأخرى.

 

 

 

وهكذا تحولت الأزمة اليونانية إلى أزمة أوروبية ومن بعدها أزمة أمريكية. فاليونان انضمت إلى منطقة اليورو، وبالتالي فإن كافة معاملاتها تتم من خلال اليورو، وأي خلل بها ما يلبث أن يؤثر في سمعة اليورو، وبالتالي على منطقة اليورو. ونظراً لأهمية اليورو في الاقتصاد العالمي فإنه لا يمكن فصل الأسواق المالية الأخرى وخاصة في نيويورك عما يحدث لليورو. وساعد على تفاقم الشعور بالأزمة هو أنها وقعت في وقت لم يكن العالم قد تخلص بالكامل من تبعات الأزمة المالية العالمية، وما ترتب عليها من فقدان الثقة، بما ساعد على انتشار جو القلق من المستقبل. ومن هنا تحولت أزمة اليونان إلى أزمة ثقة عالمية هزت أسواق المال. وفي هذه الحدود لم يكن غريباً أن تعدل المستشارة الألمانية ميركل موقفها بالقول بأن هذه الأزمة تضع الاقتصاد الأوروبي كله في محك الاختبار، وتحولت ألمانيا بعد ذلك لتصبح المحرك الأول لبرامج التدخل لإنقاذ اليونان مع تخصيص مئات المليارات لمواجهة هذه الأزمة.

 

 

 

قد لا تمثل اليونان أكثر من اثنين أو ثلاثة في المائة من الاقتصاد الأوروبي، ولكن تلوث ماليتها لن يقتصر على حدودها، بل هو يلوث الدماء الجارية في عروق الاقتصاد العالمي. لقد أصبح الاستقرار المالي العالمي أشبه بالأواني المستطرقة. فما يحدث في مكان منها ما يلبث أن ينعكس على باقي الأواني. فالتقدم الاقتصادي وهو يعني مزيداً من الترابط والتداخل والتعقيد بين مختلف الاقتصادات، فإنه يعني أيضاً مزيداً من المخاطر. نعم هناك تقدم، ولكن هناك مخاطر أيضاً. وهذا أحد تكاليشف التقدم الاقتصادي، فلا شيء بالمجان في الاقتصاد.  والله أعلم.

 

 الأهرام 23 مايو 2010

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *