أكبر من أن يفشل

في أثر الأزمة المالية العالمية، طرح ميرفي كنج محافظ بنك انجلترا مقولة أننا لانريد بعد الآن مؤسسة أو هيئة “أكبر من أن تفشل” Too big to fail. فقد تعرضت بعض المؤسسات المالية وخاصة البنوك الكبرى لمشاكل مالية مما هدد بإفلاسها، واضطرت الحكومات إلى التدخل لإنقاذها وضخ الأموال من الخزانة العامة ـ وهي في النهاية أموال دافعي الضرائب ـ وذلك حماية لهذه البنوك. وكان الباعث الأساسي وراء تدخل الحكومات هو أن هذه البنوك “أكبر من أن تفشل”، نظراً لكبر حجمها وتشعب نشاطها في الاقتصاد القومي، بحيث أن فشلها يؤدي إلى سلسلة واسعة من الإفلاسات فضلاً عن تهديد مستوى النشاط في الاقتصاد القومي. فهذه البنوك هي شريان الحياة الاقتصادية، وهي تجمع مدخرات الملايين من الأفراد في شكل ودائع، فضلاً عن أنها تمول الآلاف من المشروعات الصغيرة والكبيرة والتي يمكن أن تتعطل أعمالها إذا أصاب هذه البنوك ـ خاصة الكبرى منها ـ أية مشكلة. فهذه “البنوك أكبر من أن تفشل”. فاستمرار هذه المؤسسات الكبيرة أمر ضروري للاستقرار المالي وبالتالي الاستقرار الاقتصادي.

ولاتقتصر خطورة هذه المؤسسات العملاقة على المخاطر الناجمة عن إفلاسها وتأثيرها على مختلف المشروعات الأخرى وبالتالي حاجتها إلى الدعم الحكومي، بل أن وجود هذا الدعم قد يدفعها إلى المغامرة نظراً لأن معرفة “الإدارة” في هذه المؤسسات المالية أنها “أكبر من أن تفشل”، وأن الدولة ستضطر إلى التدخل لمساعدتها إذا واجهتها المشاكل حماية للاستقرار المالي، كل ذلك قد يدفعها إلى قبول مخاطر غير محسوبة لتحقيق أرباح هائلة دون خشية من الإفلاس. وهكذا تقدم الدولة، من حيث لاتدري، ما هو أشبه “ببوليصة تأمين” مجانية لمخاطر ـ وأحياناً لانحرافات ـ البنوك وغيرها من المؤسسات المالية العملاقة. ويصبح هذا التأمين الحكومي الضمني حافزاً لهذه البنوك والشركات إلى قبول مخاطر غير محسوبة بالنظر إلى اعتقادها بأنها محصنة ضد الفشل والإفلاس. و هذا هو ما يعرف “بالمخاطر المعنوية” Moral hazards. فمزيد من الحصانة والحماية لهذه المؤسسات هو إضعاف للحذر في إدارتها بل ودعوة لها إلى المغامرة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أنه شجع هذه البنوك والمؤسسات المالية الكبرى على الإسراف أيضاً في توزيع المرتبات والمكافآت على الإدارة العليا في سنوات الازدهار لتحقيق الأرباح الهائلة.

وقد كانت هذه المكافآت السخية للمديرين دافعاً إضافياً على ولوج هذه المجالات ذات الخطورة الكبيرة لما تتمتع به هذه المؤسسات من “بوليصة تأمين” ضمنية من الحكومات. وهكذا ندخل في حلقة جهنمية تبدأ بأن الشركة “أكبر من أن تفشل”، وبالتالي تتمتع بضمانة حكومية “فعلية”، مما يشجعها على قبول مخاطر غير محسوبة لزيادة الأرباح، وهذه تؤدي إلى توزيع مكافآت ومرتبات خيالية على المديرين، ثم تبدأ دورة جديدة؛ وهكذا.

وكانت النظرية الاقتصادية شديدة القلق والريبة دائماً تجاه “الاحتكارات” من حيث مدى ملاءمتها لتحقيق الكفاءة والعدالة. فالمحتكر يتمتع عادةً بسلطة في تحديد الأسعار وبما يزيد بكثير على تكلفة الإنتاج، وبالتالي الحصول على أرباح “غير طبيعية” ومبالغ فيها. والجديد هو أنه في ظل ما عرفه الاقتصاد المعاصر من ترابط وتداخل بين مختلف أجزاء الاقتصاد، فإن ما يصيب بعض القطاعات الاستراتيجية ما يلبث أن ينعكس على القطاعات الأخرى. وهكذا يتضح أن “الاحتكار” لايطرح فقط قضية الأرباح غير العادية للمشروعات بل أنه قد يمثل أيضاً تهديداً للاستقرار المالي. “فالاحتكار” لم يعد مجرد استثناء من مبادئ “الاقتصاد الجزئي”  micro economics بل هو تهديد لأسس “الاقتصاد الكلي” macro economics.

وقد سبق أن تناولت في مقالي السابق في هذه الجريدة عن “التقدم التكنولوجي واليد الخفية”، الإشارة إلى أن هناك تعارضاً بين مفهوم “المنافسة” وبين “التقدم التكنولوجي”، عندما تواجه الصناعة ما يعرف “بتزايد الغلة”، وحيث تنخفض التكلفة مع زيادة حجم المشروعات، وبذلك يتجه المشروع بطبيعته إلى نوع من الاحتكار للإفادة من مزايا الإنتاج الكبير. وكل هذا يفرض على الدولة أن تتولى مسئولية دفع عجلة التقدم العلمي والتكنولوجي من ناحية، والحيلولة دون ظهور الاحتكارات من ناحية أخرى.

وفي الأسابيع الأخيرة استفز الرئيس الأمريكي أوباما حينما وجد أن البنوك والمؤسسات المالية التي كانت على شفى الإفلاس منذ سنتين، وحيث اضطرت الدولة إلى ضخ مئات البلايين من الدولارات لإنقاذها، قد بدأت توزع مكافآت لهذا العام ببلايين الدولارات على كبار المديرين بها بمجرد أن بدأت هذه البنوك والمؤسسات المالية في استعادة نشاطها بفضل مساعدة الحكومة لها. ويبلغ مجموع مكافآت المديرين لهذه المؤسسات في بعض الأحيان ما يتراوح بين 32-38 من المائة من أرباح البنوك. ومعنى ذلك أن حفنة من المديرون يحصلون على حوالي ثلث الأرباح المحققة لهذه المؤسسات، والتي هي ـ في الأصل ـ حق لملايين المساهمين في أسهم هذه البنوك والمؤسسات المالية. ومن هنا بدأ الرئيس الأمريكي فتح الباب لمعركة جديدة مع رجال البنوك لوضع حد على المكافآت المبالغ فيها لكبار العاملين في البنوك والمؤسسات المالية على حساب المساهمين من ناحية، وبعد إنقاذها من الفشل بأموال دافعي الضرائب من ناحية أخرى. وهي دعوة لم تلبث أن وجدت صدى كبيراً في عدد من الدول الأوربية مثل فرنسا وانجلترا، وإن كان يبدو أن هذه الدعوة لم تصل بعد إلى معظم الدول النامية مثل مصر.

ولكن الاحتكارات الكبرى لم تقف مكتوفة الأيدي أمام الصحوة الإصلاحية في العديد من الدول الصناعية للحد من استغلال المشروعات الكبرى الاحتكارية سواء بإضعاف مناخ المنافسة وتحقيق أرباح غير طبيعية، أو بالتمتع بحماية الدولة وقت الأزمات، أو الافتئات على حقوق جمهور المساهمين باقتلاع جزء هام من أرباحها لتوزيعها كمكافآت لكبار المديرين في “السنوات السمان”، بعد ابتلاع مئات البلايين من الدعم الحكومي ـ من أموال دافعي الضرائب ـ في “السنوات العجاف”. لقد بدأت هذه المصالح الاحتكارية في تشكيل جبهة لمقاومة دعوات الإصلاح بما يشكل ضغطاً سياسياً لمنع سياسات الإصلاح عن طريق اللوبي المالي في الكونجرس الأمريكي، مع تحريك الإعلام والصحافة الموالية له ضد هذه السياسات الإصلاحية. وهكذا لاتصبح “الاحتكارات” عبئاً على الاقتصاد القومي فقط ولكنها تمثل أيضاً تهديداً للديمقراطية. وقد نجحت الاحتكارات المالية الأمريكية في استصدار حكم من المحكمة العليا في أمريكا بإلغاء القيود على إنفاق الشركات على الحملات الانتخابية، وبالتالي إعطائها القوة على التأثير أو حتى شراء ذمم ممثلي الأمة في المجالس النيابية. وبذلك يظهر الوجه الحقيقي “للاحتكارات” باعتبارها خطراً على كل من الاقتصاد والسياسة معاً.

لقد جاءت الأزمة المالية الأخيرة لتنبه العالم إلى أن “اقتصاد السوق” وإن كان هو النظام الاقتصادي الأكثر كفاءة ـ بشكل عام ـ فإن هذا لايعني ترك الحرية الكاملة له بعيداً عن الرقابة والإشراف للدولة. فالحرية المطلقة للسوق لاتهدد فقط اعتبارات العدالة بل قد تكون مدعاة للأزمات والتقلبات الاقتصادية.  وبقدر ما ينمو “اقتصاد السوق” ويزدهر، بقدر ما تقوم الحاجة إلى دولة قوية تضع الضوابط على سلوك هذا الاقتصاد. “فاقتصاد السوق” يتمتع بحيوية وقدرة هائلة على النمو الازدهار، ولكنه وبنفس الدرجة قادر على الجموح وتركيز الثروات في أيدي الأقلية مع تعريض الاقتصاد لمخاطر غير محسوبة وأزمات طاحنة. “فاقتصاد السوق” لايسير على قدم واحدة، بل هو يحتاج إلى دولة قوية تراقب وتضع الضوابط وتمنع التجاوزات. “السوق” وحدها تصبح قوة غاشمة تحتاج إلى “كوابح”، وذلك بلا مغالاة حتى لاتقتل حيوية السوق، وبلا تهاون حتى لاتتوحش.

الاقتصاد المعاصر لايعني ترك الحبل على الغارب للمشروعات خاصة للكبرى منها. المشروعات الكبرى هي حقاً “أكبر من أن تفشل” ، ولكنها أخطر أيضاً من أن تترك بلا رقابة أو بلا قيود. السوق ضرورية، والدولة أكثر ضرورة لنجاح السوق نفسها. والله أعلم.

الأهرام : 7 فبراير 2010

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *