أوباما يخاطب أمريكا

لم يكن في نيتي الكتابة عن خطاب أوباما، فقد تعددت التعليقات من كل صوب وحدب، ولم يعد هناك ما يمكن إضافته. فهناك من احتفى بالخطاب ورأى فيه بشرى خير لتعديل الموقف الأمريكي إزاء العرب والمسلمين وخاصة بالنسبة للصراع العربي/ الإسرائيلي ليس بتبني المواقف العربية بالكامل، وإنما بانتهاج سياسة أكثر توازناً وأقل انحيازاً للمواقف الإسرائيلية. وهناك على العكس من رأى في خطابه مجرد عمل من أعمال العلاقات العامة وإرضاء للمشاعر العربية والإسلامية بمعسول الكلام دون تغيير جوهري في المواقف الأمريكية الثابتة في الانحياز المطلق للمواقف الإسرائيلية، وأنه قد استخدم قدراته الخطابية وجاذبيتة الشخصية في كسب القلوب قبل العقول.

فهل هناك ما يمكن إضافته دون أن نخرج عن هاذين الطرفين من الآراء؟

وأليست كل كتابة في الموضوع بعد ذلك هي مجرد ترديد لما قيل من هذين الاتجاهين أو محاولة لإعادة صياغة ما قيل وإن كان بعبارات مختلفة؟

وفي حديثي مع اثنين من أصدقائي، أحدهما متفائل بالزيارة ويرى أنها تفتح أفقاً جديداً، والآخر على العكس أكثر تشاؤماً ولا يرى فيها أي جديد باستثناء استخدام معسول الكلام لبيع النبيذ القديم في أواني جديدة. وكان من رأي الصديقين أنه من المفيد إبداء الرأي رغم ازدحام الصحافة المصرية والعربية فضلاً عن الأجنبية بالتحليل والتأييد أو الانتقاد. ويبدو أنني تأثرت برأي الصديقين، فها أنا ذا أمسك القلم وأحاول أن أسطر بعض انطباعاتي عن الزيارة والخطاب.

ونقطة البدء هي، في نظري، ضرورة فهم وضع أوباما نفسه في السياق الأمريكي. فأوباما ليس موظفاً في إحدى الحكومات العربية ولا هو مرشح لمركز سياسي يحتاج فيه إلى تأييد الشعوب العربية أو الإسلامية، كما أنه سيكون من التبسيط المخل الاعتقاد بأنه مجرد لعبة في أيدي الأوساط الإسرائيلية تحركه لكي تحصل إسرائيل بحلو الكلام ما لم تحصل عليه بالقبضة الحديدية. أوباما هو رئيس للولايات المتحدة انتخب في واحدة من أخطر الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والتي قد تؤهله ـ إذا نجح في مهمته ـ لكي ينضم إلى قائمة الرؤساء العظام في أمريكا مثل جورج واشنطن أو أبرهام لنكون أو روزفيلت أو على الأقل إيزنهاور. إن وصول أوباما إلى سدة الرئاسة الأمريكية ليس مجرد دفع رئيس جديد إلى البيت الأبيض، وإنما هو تعبير عن انقلاب اجتماعي كامل في المجتمع الأمريكي بتجاوز العقبات العنصرية غير المرئية والتي جعلت من الولايات المتحدة مجتمعاً سياسياً للأغلبية البيضاء من البروتستانت. وكانت انتخابات كيندي كسراً جزئياً لهذه القيود الحديدية عندما وضعت لأول مرة كاثوليكياً رئيساً للولايات المتحدة، وهي آخر مرة حتى الآن. وها هو أوباما يكسر هذه الحواجز ويفتح البيت الأبيض لأمريكي إفريقي بأصول إسلامية يضم اسمه الثلاثي “حسين”، مع نائب له كاثوليكي. وبذلك يسطر الفصل الأخير في ملحمة الدفاع عن الحقوق المدنية والتي أشعلت الحرب الأهلية في أمريكا منذ حوالي مائة وخمسين عاماً. فمع دخول أوباما البيت الأبيض فقط أسدل الستار على الفصل الأخير من معركة تحرير العبيد في أمريكا. وجاءت الأزمة المالية، فأضافت إلى أوضاع أمريكا الداخلية تساؤلات كثيرة. فأمريكا مع أوباما تعيش أجواء ثورة اجتماعية ونفسية وإعادة نظر.

وفي خلال المائة يوم الأولى لولايته، حقق أوباما واحداً من أعلى درجات القبول الشعبي لرئيس أمريكي في التاريخ المعاصر، فضلاً عما حققه لنفسه ولبلده من تحسين في صورة الولايات المتحدة عالمياً. ولا أعتقد أن أوباما من السذاجة بحيث يتجاهل هذه الحقائق، ولابد أنه يدرك تماماً أن من وفر له هذه المكانة إنما هو الشعب الأمريكي الذي أوصله إلى مركزه الحالي. ولذلك فإنه يبدو لي أنه ليس صحيحاً أن خطاب أوباما في القاهرة هو مجرد خطاب موجه إلى الشعوب الإسلامية أو العربية، فهو حديث موجه، بالدرجة الأولى، إلى الشعب الأمريكي وإلى قاعدته الانتخابية بما في ذلك المؤسسات الفاعلة والمؤثرة في التوجهات السياسية، سواء من أعضاء الكونجرس أو جماعات الضغط أو الصحافة والميديا بأشكالها المختلفة. فأوباما ليس فقط أول أمريكي أسود يصل إلى الرئاسة، ولكنه أثبت خلال معركته الانتخابية أنه أحد أمهر السياسيين سواء في تعبئة الجماهير ورائه أو تجميع الأموال لدعم حملته الانتخابية. أوباما ليس شاعراً ولا حالماً إنما هو سياسي إلى العظم تحركه غرائز السياسيين.

وهكذا فأوباما رجل سياسة أمريكي فهم المجتمع الأمريكي وتعامل معه بذكاء وقدرة، ولست أعتقد أنه جاء إلى القاهرة ليتحدث إلى المسلمين والعرب في الخفاء وبعيداً عن قاعدته الانتخابية في أمريكا. خطاب أوباما إلى المسلمين في القاهرة هو خطاب لأمريكا في الدرجة الأولى. فآخر شيء يهم أوباما هو أن يكسب العرب والمسلمين ويخسر أمريكا. رحلة أوباما إلى القاهرة وخطابه بها هي جزء من رسالته إلى الشعب الأمريكي للتأثير عليه وعلى مفاهيمه. ومن هنا فعلينا أن نحاول أن نفهم عقلية هذا الشعب من خلال تاريخه السياسي. وفي هذا الصدد علينا أن نتذكر أمرين أو ثلاثة من الصفات السياسية لهذا الشعب والتي يمكن أن تساعدنا على فهم حقيقة خطاب أوباما في القاهرة.

النقطة الأولى الجديرة بالاهتمام هي ما أشار إليه كيسنجر في كتابه عن “الدبلوماسية” عن تردد التاريخ السياسي الأمريكي بين محورين “المثالية” و”البراجماتية”. فالحياة السياسية الأمريكية تزاوح بين هذين المحورين المتناقضين بدرجات متفاوتة. فالتاريخ الأمريكي بل حتى قبل الاستقلال ومنذ وصول السفينة “ماي فير” على رأس مجموعة من البيوريتان كانت ترى أن لأمريكا رسالة تحرير حضارية لدفع مبادئ الحرية والديمقراطية وخاصةً حرية الاعتقاد. فالشعب الأمريكي يعتقد، في وجدانه، أنه شعب ذو رسالة إنسانية. ولكن المجتمع الأمريكي يتميز بصفة أخرى تكاد تكون مناقضة وهي البراجماتية أو النفعية إلى ما يقرب من الانتهازية أحياناً.

وقد تجلت هاتان النزعتان خلال التاريخ الأمريكي ـ على ما بينهما من تناقض – في مختلف المواقف، وكان الرئيس تيودور روزفيلت هو الأقرب إلى الاتجاه النفعي أو المصلحي بما يكاد يمثل نوعاً من الميكيافلية، في حين كان الرئيس ولسن أقرب إلى المثالية في دعوته إلى العالمية وهو المعروف بالمبادئ الأربعة عشر لتقرير المصير. ولذلك فإن “المصالح” و”المبادئ” تنصهر في وجدان الشعب الأمريكي في امتزاج غريب وفريد. وقد أطلق أوباما في القاهرة صيحة جديدة حيث شبه كفاح الشعب الفلسطيني لاسترداد حقوقه، بالكفاح الأمريكي من أجل الحقوق المدنية والذي حقق للأقليات بها حقوق المساواة. وهو بهذا التشبيه يقيم جسراً بين التاريخ الأمريكي في تطلعه إلى الحرية والمساواة وبين كفاح الفلسطينيين للحرية. وإذا كان اليهود قد نجحوا في الفترة الماضية في إثارة الضمير الأمريكي، بأنهم ـ اليهود – مثل الأمريكيين الأوائل يريدون إنشاء مجتمع مثالي جديد a city on a hill، فقد جاء أوباما ليذكرهم بأن كفاح الشعب الفلسطيني أقرب إلى كفاح الشعب الأمريكي لتحقيق مجتمع المساواة في الحقوق المدنية. وملاحظة أوباما الأخيرة لم تفت معظم المعلقين من الإسرائيليين الذين وجدوا في هذا التشبيه بين كفاح الفلسطينيين ومطالبة الأمريكيين بالمساواة في الحقوق المدنية خطورة كبيرة على رؤية الأمريكيين لطبيعة الصراع على أرض فلسطين. وهكذا فإن أوباما عندما يستعرض هذه المقاربة بين كفاح الشعب الفلسطيني وكفاح المجتمع الأمريكي، فإنه يخاطب بالدرجة الأولى الضمير الأمريكي ، وإن من القاهرة. فإشارات أوباما إلى معاناة الفلسطينيين وربطها بكفاح الأمريكيين في نضالهم من أجل الحقوق المدينة إنما هو استثارة لقيمة المبادئ والمثاليات في الضمير الأمريكي. ولكنه لن يتجاهل الجانب الآخر وهو المصلحة على ما سنشير إليه.

أما النقطة الثانية فهي المتعلقة بدولة المؤسسات في أمريكا، وأن سياستها وتوجهاتها الإستراتيجية تحددها المؤسسات وليس الرئيس مهما بلغ به من نفوذ، وأن أوباما لايستطيع وحده أن يغير من السياسات الأمريكية. فهذا صحيح، ولكن هناك حدود على ذلك. فليس صحيحاً أن التاريخ يخضع دائماً لحتمية اجتماعية تفرضها القوى الاجتماعية والسياسية دون تأثير واضح للفرد في توجيه المسار. فالفرد – في ظل هذه النظرة ـ ليس له في التاريخ أكثر من مجرد التعبير عن القوى الاجتماعية السائدة. هذا صحيح، ولكن إلى حد ما. فالتاريخ مليء بالأمثلة التي لعب فيها الأفراد أدواراً مهمة في تغليب الاتجاهات وترجيح بعضها على البعض الآخر. وتاريخ إسرائيل نفسه شاهد على ذلك وقد استغل العديد من اليهود علاقاتهم الشخصية مع الرؤساء لخلق دولة إسرائيل. فالدور الذي لعبه روتشيلد أوحايم  وايزمان في التأثير على الساسة البريطانيين، وعلى رأسهم تشرشل، لا يمكن التهوين من شأنه. بل أن اعتراف ترومان بإسرائيل جاء إلى حد بعيد نتيجة لقراره الشخصي وعلى خلاف ما أوصت به وزارات الخارجية والدفاع، ومعظم المسؤولين في الحكومة الأمريكية، وقد كان جورج مارشال وزير الخارجية وفورستال وزير الدفاع معارضين لذلك. كما كان دين أتشيسونوكيل الخارجية الذي أصبح بعد ذلك وزيراً للخارجية من أشد المعارضين ، وكذا جورج كينان الذي وضع إستراتيجية أمريكا للحرب البادرة ونظرية “الاحتواء” للاتحاد السوفيتي. ولكن ترومان تجاوز هذه المعارضة الجماعية من أركان حكومته لأغراض انتخابية وربما أيضاً نتيجة لنشأته الدينية ولتأثره بشريكه السابق في التجارة إدوارد جاكوبسون، الذي أهاب به أن ينقذ الشعب اليهودي كما أقنعه بمقابلة وايزمان. وهكذا تم اعتراف أمريكا بدولة إسرائيل نتيجة قرار فردي للرئيس، وإن كان ترومان قد ندم ـ فيما يبدو ـ بعد ذلك على قراره. وإذا كان ترومان قد اتخذ قراره رغم معارضة أركان حكومته، فذلك لأنه كرئيس يتمتع بقدر من المناورة وحرية الحركة وليس مقيداً بالكامل بالمؤسسات. فللرئيس سلطة لا يستهان بها. وإذا كان ترومان قد جاوز مؤسساته عند الاعتراف بإسرائيل، فإن ذلك لم يمنع رؤساء أمريكيين آخرين من الوقوف في وجه إسرائيل
– ومن ورائها- عندما رأوا مصلحة أمريكا في ذلك. وهو ما فعله إيزنهاور عندما ألزم حلفائه من البريطانيين والفرنسيين والإسرائيليين بالانسحاب والرحيل من سيناء وقناة السويس 1956، ولم يخضع للضغوط الانتخابية، بل وأعيد انتخابه في نفس الوقت. وهو أيضاً ما فعله الرئيس بوش الأب عندما فرض على حكومة شامير اليمينية المشاركة في مؤتمر مدريد وقبول “مبدأ السلام مقابل الأرض”، وبعدها قامت السلطة الفلسطينية وعاد ياسر عرفات إلى أرض فلسطين لأول مرة منذ النكبة في 1948. فالرئيس الأمريكي له قوة وسلطان. ويستطيع أن يطوع المؤسسات دون أن يتجاهلها.

وأخيراً، فإن ما أعلنه أوباما في القاهرة ليس مجرد استجابة لتطلعات الشعوب العربية والإسلامية، بل أن هناك مصالح إستراتيجية من ورائها. فهناك رأي عام قوي يرى أن مساندة أمريكا لإسرائيل بشكل غير مشروط قد جاوزت الحدود بما يضر بالمصالح الأمريكية نفسها إن لم يكن بمصالح إسرائيل نفسها. فما أعلنه أوباما ليس مجرد استجابة لطلبات الشعوب العربية ولكنه من زاوية معينة اعتراف بمصالح الولايات المتحدة في حماية “وجود إسرائيل” دون قبول مبالغات إسرائيل وتهورها الأمر الذي لا يضر فقط بمصالح الولايات المتحدة بل أنها قد يكون قاتلاً للوجود الإسرائيلي نفسه في الأمد الطويل. فمن وجهة نظر معنية ـ وهي وجهة نظر يشارك فيها العديد من عقلاء إسرائيل ـ هذا التوسع المجنون لدولة إسرائيل واستخدام وسائل القمع والقهر غير الإنساني قد تكون وبالاً على مستقبل إسرائيل نفسها، فضلاً عن تهديد الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. فحديث أوباما عن مشكلة الشرق الأوسط ليست مجرد تعبير عن المبادئ والقيم الإنسانية، بل أن فيها أيضاً من المصالح والمنافع للولايات المتحدة ذاتها.

والخلاصة أن أوباما قد تحدث من جامعة القاهرة إلى المسلمين ولكن خطابه كان موجهاً لأبناء وطنه في أمريكا، فهم في النهاية من يحددون مستقبله ومدى جدية رؤيته. ولا أعتقد أن أوباما وبعد أن حقق نصراً تاريخياً داخل المجتمع الأمريكي، قد جاء إلى القاهرة ليبدد هذا النجاح من أجل عيون العرب والمسلمين. رؤية أوباما هي وجهة نظر أخرى لمصالح أمريكا بعيدة الأمد وتتفق إلى حد بعيد مع المبادئ والمصالح الأمريكية، وهو قد بدأ خطوة على الطريق. خطورة كلمات أوباما ليس في مجرد إعلانها من القاهرة وإنما فيما قد يترتب عليها من تأثير في القاعدة الشعبية في أمريكا.

هذا ما فعله أوباما، تحدّث من القاهرة لشعبه في أمريكا حتى يغير مفاهيمه ويحقق مصالح أمريكا طويلة الأمد وبما يتفق مع مبادئها ومثالياتها. ولكن أين نحن؟

هل أن نقف مكتوفي الأيدي انتظاراً لما يحققه أوباما لنا من نجاح؟ أوباما يعمل لمصلحة بلده، وعلينا أن نساعده على النجاح بأن نساعد أنفسنا وأن نغير من واقعنا بما يجعلنا جديرين بالموقف الجديد لأمريكا. أوباما لم يصل إلى البيت الأبيض لحماية المصالح العربية أو الإسلامية، ولكنه يمثل وجهة نظر جديدة أكثر إنصافاً وأنضج توازناً وأقرب لتحقيق مصالح أمريكا، ولكنها وحدها لا تكفي. يجب أن نتغير مع تغير العالم وأن نكون جديرين بالعالم الجديد الأكثر تفهماً لحقوق شعوبنا، وذلك لايتحقق إلا عن طريق الإصلاح والتقدم. والله أعلم.

الشروق: 13/06/2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *