أوديب وصراع الأجيال

يمر هذا العام مائة وخمسون سنة على مولد فرويد، حيث ولد عام 1856. ويعتبر فرويد هو مؤسس التحليل النفسي، وربما يشترك مع ماركس وداروين في اعتبارهم أهم ثلاثة مفكرين أثروا على الفكر البشري خلال القرن العشرين. وقد اشتهر فرويد – ضمن أمور أخرى – بأنه صاحب نظرية “عقدة أوديب”. فماذا عنها؟ وهل مازال لها تطبيقات معاصرة؟

أسطورة أوديب الإغريقية معروفة، وقد تناولها من جديد العديد من الأدباء – منهم في شرقنا العربي توفيق الحكيم. وتذهب الأسطورة – كما هو معروف – إلى أن أوديب كان ملكاً على طيبه وأن النبوءات ذهبت إلى أنه سوف يقتل أباه ويتزوج أمه. وعندما علم أبوه بهذه النبوءة حاول إلقائه مقيداً في الخلاء لكي يموت بعيداً عن العمران. ولكن خدم الملك الأب سلموا الطفل (أوديب) لأحد التجار الذي قدمه بدوره لملك كورينثيا. وتتابع فصول الأسطورة حتى يقتل أوديب أباه بالفعل دون أن يعرف ثمّ يقدّم خدمه لمدينته الأصلية فتكافئه بتقديم العرش له والزواج من أرملة الملك السابق التي هي في الحقيقة أمه. وهكذا تتحقق نبوءة الآلهة.

هذه الأسطورة أخذها سيجموند فرويد – العالم النفسي المشهور – وجعلها أحد أهم أدوات تحليله النفسي فيما عرف “بعقدة أوديب”، ومقتضاها أن الطفل – الذكر – في تعلقه بأمه ورغبته في الاستئثار بها، يرى في أبيه غريماً ومنافساً له، وبالتالي يكرهه ويتمنى – في عقله الباطن – اختفاءه. وهكذا ظهرت في الدراسات النفسية العلاقة المعقدة بين الابن والأب، وهي علاقة يختلط فيها في نفس الوقت الحب بالكراهية. أما الحب والإعجاب فلأن الأب هو مصدر السلطة وهو الحارس والمدافع عن الابن وعن مصالحه، فضلاً عن أنه الموفر للإمكانيات المادية والعاطفية اللازمة لنمو الابن. ولكن الأب من ناحية أخرى – وخاصة بعد فترة معينة من نمو الابن – يصبح عقبة في سبيل تطور الابن وتحقيق تطلعاته. فبقدر ما يكون الأب لازماً وضرورياً للابن في السنوات الأولى، بقدر ما يكون هو نفسه عقبة في السنوات الأخيرة.

وقد تعرضت أفكار فرويد لكثير من النقد من علماء النفس في النصف الثاني من القرن العشرين بحيث لم تعد لها نفس المكانة التي تمتعت بها في النصف الأول منه. ومع ذلك فلاشك أن العلاقة المتلبسة والمعقدة بين الابن والأب تجد لها أمثلة متعددة. فهذه الفكرة نفسها يمكن أن تفسر مشكلة صراع الأجيال. فالجيل الجديد يحتاج ويعتمد على الجيل القديم الذي يؤهله ويقدمه ويرعاه حتى يشتد عوده. ولكن بعد فترة وبعد أن ينضج هذا الجيل الصاعد، فإنه يجد أن الجيل القديم مازال متربعاً على مختلف المواقع ومسيطراً عليها بما لا يترك مجالاً لهذا الجيل المتطلع إلى تحمل المسئوليات. وبذلك يصبح الجيل القديم عقبة بعد أن كان عوناً. ويبدأ الصراع الخفي.

وإذا لم يكن هناك صراع فعلى بين الأجيال، فهناك على الأقل اختلاف في الرؤية وفي الأساليب وحتى في لغة الخطاب. فنحن نتحدث عن عالمين مختلفين، أحدهما مزود بالحكمة والتجربة، والآخر مليء بالآمال والطموحات. أحدهما يطرح خطاب العقل والحكمة والثاني يتحدث عن المبادرات والإقدام. وكلاهما صاحب قضية ويملكه حجة مقنعة. والمشكلة هي متى يتنحى الجيل القديم وبحيث لا يتشبت بمواقعه لأكثر مما ينبغي، ومتى يتقدم الجيل الجديد ليتحمل مسئوليته دون أن يتسرع وقبل أن تكتمل قدراته فلا يظلم نفسه والآخرين. فما هو الوقت المناسب لتنحي أحدهم وتقدم الآخر. وهي معادلة صعبة لا يسهل حلها في العمل، فنحن نبحث عن الوضع الأمثل بين تراجع جيل قديم دون إبطاء مبالغ فيه وتقدم جيل جديد آخر دون تسرع غير مطلوب. فما هو الوقت المناسب؟ فالأمر هنا كمثل رداء المرأة، وطوله المناسب، فهو لا يكون أنيقاً إلا بالقدر الذي يكون فيه طويلاً بدرجة كافية وبما لا يخفي كل شي، وأن يكون في نفس الوقت قصيراً بدرجة كافية وبما لا يكشف عن كل شيء.

كذلك ليس صحيحاً أن الجيل الجديد يمثّل دائماً شيئاً مختلفاً كلية عن الجيل السابق. فهو قد يختلف عن هذا الجيل في الأسلوب أو في معدل الأداء ولكنه قد لا يختلف كثيراً في الجوهر عن الجيل الذي سبقه. فلا ننسى أن الابن هو في نهاية المطاف ابن أبيه يحمل جيناته وآثار تربيته. فهذا الشبل من ذاك الأسد. فالابن قد يثور على الأب لكنه كثيراً ما يعود ويسير على نفس خطاه في ثوب جديد.

وقد طيرت لنا الأخبار أخيراً أنباء الإضرابات والمظاهرات السياسية في فرنسا حالياً، وهي لا تعدو أن تكون – في النهاية – مظهراً لاختلاف الرؤى بين الأجيال. فالحكومة – مع دوفليبان رئيس الوزراء – ترى أن إعطاء أرباب الأعمال مزيد من المرونة في التعيين والفصل للشباب سوف يشجع رجال الأعمال على التوسع في خلق الوظائف الجديدة في حين أن التشدد في ذلك قد يؤدي بهم إلى التردد. فالإجراء المقترح يعطي رب العمل حرية أكبر في التعيين والفصل، ولكن – هكذا يفكر رئيس الوزراء – هذه الحرية سوف توفر الحافز لرجال الأعمال على التوسع في التعيينات الجديدة دون خوف أو تردد من التورط في تعيينات لا يستطيع أن يتخلص منها بعد ذلك. أما الشباب فإنه يرى – على العكس – أن هذا القانون يضعف موقف الشباب في المساومة ويضع رب العمل في موقف قوة وبالتالي يضار الشباب ويكسب رجال الأعمال كما هي العادة.

وليست هذه المرة الأولى التي يخرج فيها الشباب معترضاً على سيطرة الأجيال السابقة. وقد كانت فرنسا سباقة في هذا الشأن، وكانت أحداث مايو 1968 في باريس وغيرها من الأقاليم الفرنسية من أهم مظاهر ثورة الشباب في ذلك الوقت، والتي عمت بعد ذلك مختلف الدول في الستينات من القرن الماضي.

وإذا كان الشباب هو الابن الثائر على أبيه وبالتالي المعبر عن صراع الأجيال، فإننا يمكن أن نلاحظ مظاهر هذه التناقضات في مختلف مناحي الحياة؛ تسيطر على الاقتصاد كما في السياسة أو في الآداب. ففي الحياة الاقتصادية نجد أن هناك أجيالاً متعاقبة في مراكز الصناعة. وكل جيل يمثّل نظرة مختلفة للأمور عن الأجيال السابقة. وكثيراً ما يكون دخول جيل جديد إلى ميدان الإدارة مقدمة لتغير جوهري في طبيعة النشاط الاقتصادي. فما يعرف بالاقتصاد الجديد new economy مع التوسع في الصناعات في مجالات المعلومات والاتصالات وعلوم البيولوجيا لم يكن ممكناً بهذا الشكل، لولا دخول جيل جديد من الشباب المتعلم إلى عالم الأعمال في وادي السيليكون في كاليفورنيا وغيرها. “فالاقتصاد الجديد” لم يكن جديداً فقط بالميادين الرائدة التي فتحها الاقتصاد لأول مرة، بل هو جديد أيضاً بغلبة عنصر الشباب على هذه الصناعات الجديدة. فهو اقتصاد جديدة بقدر ما هو “اقتصاد شاب” أيضاً.

وفي الأدب لم يقتصر الأمر على ظهور أجيال كثيرة من الكتّاب الشباب، بل أصبح موضوع الشباب نفسه هو أحد أهم موضوعات الأدب الحديث.

ولم يكن عالم السياسة بعيداً عن هذا الصراع بين الأجيال. ففي إنجلترا، كان صعود مارجريت تاتشر – ممثلة للجيل الجديد – إلى زعامة حزب المحافظين لحظة فارقة في تاريخ هذا الحزب بل ربما في الفكر الاقتصادي المعاصر مع غلبة أفكارها عن التخصيصية. وبالمثل فقد جاء بلير إلى حزب العمال ليعيد هذا الحزب إلى سدة الحكم بعد طول غياب، وإن أفقده في نفس الوقت معظم خصائصه القديمة فلم يعد يميزه عن حزب المحافظين الشيء الكثير.

وفي مصر التي تتنازعها اتجاهات سياسية متعددة بين الرغبة في الإبقاء على القديم وبين الدعوة إلى التغير السياسي الكامل، فهناك عنصر لا يمكن إغفاله، وهو تطلع الأجيال الجديدة إلى تبوء مواقعها في السلطة. وهو أمر نلاحظه في الحزب الحاكم كما في أحزاب المعارضة. فالأحداث الأخيرة في حزب الوفد مثلاً ترجع إلى حد بعيد إلى إصرار قيادة قديمة على التمسك بمراكزها في مواجهة تطلعات جديدة لأجيال حديثة. ولا يخرج الحزب الحاكم عن مثل هذا التنافس المكبوت بين “حرس قديم” و”حرس جديد”. فأسطورة أوديب وصراع الابن والأب بهذا المفهوم الرمزي ليست بعيدة عما يدور وراء الستار.   والله أعلم

 الاهرام 10.5.2006                                                                         

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *