أين الخطأ

في بداية عام 2002 أصدر المستشرق الأمريكي برنارد لويس كتابا بعنوان “أين الخطأ؟ What Went Wrong“. وهو يتساءل في هذا الكتاب عن أوضاع العالم الإسلامي – والوطن العربي في القلب منه – وكيف تراجعت أحواله بعد أن ساد العالم لقرون عديدة؛ في الحرب، وفي السلم، في العلوم كما في الفنون. وإذ بهذا العالم الإسلامي يتراجع تدريجياً منذ بدايات النهضة الأوروبية، وان قامت فورة جديدة – لعدة قرون أخرى – مع ظهور الدولة العثمانية التي لم تلبث بدورها أن بدأت رحلة العودة منذ نهاية القرن السابع عشر وخاصة بعد آخر حصار للعثمانيين لفينا في 1683 حيث لم ترى القوات العثمانية بعد ذلك أي انتصار ذي شأن. وما أن انقضت الألفية الأولى على ظهور الإسلام حتى كان العالم الإسلامي في معظمه خاضعاً أو تابعاً لدول الغرب أو في طريقه للخضوع والتبعية لها، في حين أنه تربع على رأس الحضارة الإنسانية عندما انقضت الألفية الأولى على ظهور المسيحية، ثم لم تلبث أن انقلبت الأوضاع وتغيرت الموازين بعد ذلك.  فها هي الألفية الثانية – بعد ميلاد السيد المسيح – تمضي والعالم الإسلامي على ما هو عليه من خضوع وتبعية. والأمر لا يتعلق فقط باللحظة الحالية، ولكنه تاريخ إستمر منذ فترة غير قصيرة، ولم نستطع – فيما يبدو – أن نتخلص من تبعاته. ومن هنا الحق في التساؤل. لماذا حدث ما حدث، وأين هو الخطأ؟

ويتناول برنارد لويس هذا الموضوع، وينهي كتابه رداً على هذا التساؤل بالقول، بأنه “بالنسبة للمشاهد الغربي الذي تعلم ومارس الحرية الغربية، فإن الخطأ يكمن في نقص الحرية؛ حرية الفكر من أي قيد أو مذهبية؛ حرية الفرد في أن يتساءل وأن يستقصي وأن يتكلم؛ حرية الاقتصاد من الفساد وانحرافات سوء الإدارة؛ حرية النساء من قهر الرجال؛ حرية الأفراد من الاستبداد، هذه هي أسباب اضطراب العالم الإسلامي” هكذا تكلم برنارد لويس في كتابه الأخير، والذي صدر بعد أحداث سبتمبر 2001 وان كان المؤلف يؤكد في المقدمة أنه كان قد أكمل الكتاب وأرسله إلى المطبعة قبل ذلك التاريخ.  فهل نصدق أفكار برنارد لويس؟

إن برنارد لويس متهم عند عدد كبير من المثقفين العرب. فهم يرون فيه نموذجاً للمستشرق الغربي الذي لم يتخلص من استعلاء الغرب وأنه يخفي تحت السطح نظرة استعمارية، فضلاً عن أنه أخيراً من أصل يهودي، وبالتالي فلا بد – في نظر البعض – أنه يضمر نوايا غير طيبة للعرب والمسلمين. ولذلك فإن عدداً لا بأس من هؤلاء المثقفين يطرحون جانباً ما يقوله أو ما يقوله أمثاله، لان العبرة – عندهم – ليس بمضمون القول، وانما بشخص القائل. لا بأس.

ولكن أنظر، هناك تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. فقد جرى هذا البرنامج منذ أكثر من عشر سنوات على إصدار تقرير سنوي للتنمية البشرية في العالم، والجديد هو إصدار تقرير عن التنمية الإنسانية في منطقة معينة وهي الوطن العربي لاول مرة هذا العام.  وقد فضل واضعو التقرير استخدام “التنمية الإنسانية” بدلاً من “التنمية البشرية”. ولعله من المفيد هنا التذكر بأن تقرير التنمية البشرية في العالم، ربما يعد أهم إسهام فكري من الأمم المتحدة في قضايا التنمية.  وقد بدأت الفكرة في بداية التسعينات تحت تأثير اقتصاديين، أحدهما باكستاني – محبوب الحق – والآخر هندي – امارتيا سن Amartya Sen – (حصل على جائزة نوبل في الاقتصاد بعد ذلك). وقد أعطت هذه البداية الفكرية للتقرير دفعه استقلالية للرأي المستنير لإصدارات التقارير اللاحقة. ويجند التقرير عادة صفوة من الباحثين من مختلف أجزاء العالم لإعداده. وقد تمتع واضعو هذه التقارير، عادة، بحرية كبيرة في عرض آرائهم، فلم تأت هذه الآراء – دائماً – متوافقة مع الآراء الرسمية للدول الأعضاء.  ومن هنا أهميتها وحيويتها.  وقد حافظ برنامج الأمم المتحدة للإنماء على هذا التقليد من توفير الحرية الفكرية لواضعي التقرير.  والجديد هنا هو أن المكتب العربي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد بدأ هذا العام بإصدار تقرير إقليمي عن التنمية الإنسانية في الوطن العربي، بالاشتراك مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.  ومعظم المشاركين في إعداد هذا التقرير هم علماء ومفكرون عرب من مختلف البلدان العربية، وبالتالي لا يمكن أن يرد عليهم ما ورد على برنارد لويس من تحفظات عندما أصدر كتابه سابق الإشارة إليه. فهل يتعرض التقرير – بشكل أو آخر – لتساؤل برنارد لويس عن مشكلة الوطن العربي في التنمية أو بالأصح في تعثرها، وهل يقدم إجابة مختلفة؟

حرص واضعو تقارير الأمم المتحدة للتنمية البشرية منذ البداية على توسيع مفهوم التنمية وعدم اختصاره على المفهوم الاقتصادي الضيق لزيادة معدل الدخل الفردي Per Capita Income.  فالتنمية هي في الأساس تنمية البشر People Centered، ومن هنا عنوان التقارير “التنمية البشرية”، وتتحقق هذه التنمية بتوسع آفاق الاختيار أمام البشر.  والحديث عن “الاختيار” هو حديث عن “الحرية”، ومن هنا ارتباط التنمية بالحرية، ولم يكن غريباً أن يكون عنوان أول كتاب لأحد مؤسسي هذه التقارير – الهندي سن بعد حصوله على جائزة نوبل في الاقتصاد – هو “التنمية كحرية” Development as Freedom.  وسوف نرى أن هذا المعنى سوف يصاحب تقرير التنمية البشرية في الوطن العربي حيث يتم التأكيد على هذا المعنى بشكل واضح ومضطرد.  كذلك فقد كان أحد أهم إسهامات تقارير التنمية البشرية في الماضي ليس فقط الدعوة إلى الأخذ بمفهوم أوسع للتنمية البشرية بإدخال عناصر أخرى – غير متوسط الدخل الفردي – لتحديد مفهوم هذه التنمية، بل محاولة قياس هذا المفهوم عن طريـق مـا عرف بـاسم مؤشر التنميـة الإنسانيـة – ويختصر عادة HDI – حيث يتضمن ثلاثة عناصر أخرى إلى جانب متوسط الدخل الفردي؛ وهي معدل توقع الحياة ومستوى الأمية، ومعدل الالتحاق بالمدارس. وهنا نجد أن واضعي تقرير التنمية الإنسانية في الوطن العربي يقترحون مؤشراً جديداً للتنمية يستند أساساً إلى مفهوم الحرية Human Freedom .  فالتنمية البشرية تندمـج – عند واضعي التقرير – مع الحرية.  وقد حاول واضعو التقرير قياس هذه الحرية البشرية وفقاً لخمسة عناصر هي؛ الحرية السياسية، والتسهيلات الاقتصادية، والفرص الاجتماعية، وضمانات الشفافية، وشبكات الأمان الاجتماعي.

ويستعرض التقرير أحوال العالم العربي مؤكداً أن أهم تحديات يواجهها العرب هما تحدي السلام وتحدي التنمية، أولهما يهدف إلى التحرر من الخوف وثانيها إلى التحرر من الحاجة، وبدونهما لا تتحقق الحرية وبالتالي التنمية البشرية.

ولا يخفي التقرير أن هناك عدداً من المنجزات التي تحققت خلال السنوات الماضية.  فزاد توقع الحياة للفرد بأكثر من 15 سنة خلال العقود الثالثة الأخيرة كما انخفض معدل وفيات الأطفال أكثر من الثلثين، فضلاً عن أن متوسط الدخل الفردي يزيد على متوسط الدخل الفردي في معظم مناطق الدول النامية الأخرى، وأن كانت تجدر الإشارة إلى أن متوسط الدخل الفردي لا تخلو من بعض التضليل حيث يجمع الوطن العربي الدول النفطية الغنية بالمال وقليلة السكان إلى جانب الدول الأخرى فقيرة الموارد كثيفة السكان.  وبشكل عام فالمنطقة ربما تكون أكثر ثراء مالياً وأقل تنمية، ومجموع الناتج المحلي لدول المنطقة لـ 22 دولة عربية، لا يتجاوز الناتج المحلي لدولة أوروبية متوسطة مثل اسبانيا (530 بليون دولار).  وبشكل عام فقد عرفت المنطقة العربية خلال الفترة الأخيرة أدنى معدل للنمو في العالم باستثناء الدول الأفريقية جنوب الصحراء.

وهذا كله هام ومفيد، ولكن الأكثر أهمية هو ما يقرره واضعو التقرير – وكلهم أو أغلبهم من الباحثين العرب – عن مواطن الضعف وأسباب الوهن في الجسم العربي.  فيرى واضعو التقرير أن الأداء المتواضع للأمة العربية لا يرجع إلى قصور أو نقص في الموارد بقدر ما يرجع إلى عجز أو نقص في ثلاثة ميادين هامة؛ الحرية، مشاركة المرأة، المعرفة.  وبالنسبة للعجز في الحرية، فقد جاء التقرير – على خلاف السائد عادة في تقارير الأمم المتحدة – بالغ الوضوح في التأكيد على العلاقة بين الحرية والتنمية.  وإذا كانت فكرة الحرية تجاوز قطعاً مفهوم الحرية السياسية، فإن التقرير قد حرص على التأكيد بأن الحريات العامة والحريات الفردية تعتبر من أهم محددات التنمية البشرية، فلا اقتصاد بلا سياسة، ولا حرية اقتصادية دون حرية سياسية.  وقد حاول التقرير أن يستخلص مؤشراً لهذه الحرية في الوطن العربي مقارنة بالمناطق الأخرى (سبع مناطق)، فجاءت المنطقة العربية في أدنى درجات السلم.  ومن مؤشر يضع أمريكا الشمالية في المقدمة، فإن مقياس المنطقة العربية يضعها في معدل يقل عن 20% مما هو قائم في شمال أمريكا في الوقت تزيد فيه قيمة هذا المعدل إلى أكثر من الضعف في أفريقيا جنوب الصحراء وأكثر من ذلك في جنوب وشرق آسيا وفي أمريكا اللاتينية، وبطبيعة الأحوال تزيد الفجوة بشكل كبير عند المقارنة مع أوروبا.  ويشير التقرير في هذا الموضع أيضاً إلى عدد من المؤشرات حول المشاركة والشفافية والتي تضع الوطن العربي في وضع بائس تماماً.  ويحيل التقرير إلى بعض التقديرات لمؤسسات تقيس مستوى حرية الصحافة في الوطن العربي والتي ترى أنه باستثناء ثلاثة دول عربية تتمتع بحرية جزئية للصحافة فإن باقي الوطن العربي لا يتمتع بهذه الحرية، ولا توجد دولة واحدة تتمتع بحرية كاملة للصحافة.

وبعد العجز والقصور عن الحرية ينتقل التقرير إلى الإشارة إلى العجز في مساهمة المرأة في الحياة العامة في الوطن العربي.  ويقع الوطن العربي في هذا الصدد في أدنى المراتب ولا يكاد يجاوزه في هذا التدني سوى أفريقيا جنوب الصحراء، ومع ذلك يعترف التقرير في هذا المجال بما تحقق من إنجاز في مجال تعليم البنات، وهي خطوة، لا شك في أهميتها، في طريق مساهمة المرأة في الحياة العامة.

وأخيراً يتناول التقرير العجز في الإمكانيات والقدرات البشرية وخاصة في مجال المعرفة والابتكار ومجاراة التطورات السريعة في هذا الميدان.  ومع ذلك فهنا يعترف التقرير أيضاً بما تحقق من إنجازات في مجال العديد من الخدمات سواء في التعليم أو الصحة، وإن كان التحسن في الكم لما يصاحبه تحسن في النوع أو الكيفية.

ولا يقتصر التقرير على تشخيص مواطن الضعف في الوطن العربي، بل أنه يستعرض حالة التنمية البشرية بمختلف مظاهرها، السكان، التعليم، البحث العلمي، الصحة، الخدمات العامة، دور الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والتعاون الاقتصادي العربي.  وليس الغرض من هذا المقال التعرض لكل ما جاء في هذا التقرير الهام بقدر ما هو التأكيد على ما يعكسه من هموم المفكرين العرب.  فعندما تصدى المكتب العربي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لإصدار تقرير عن التنمية الإنسانية في وطننا العربي مستعيناً بالخبرات العربية من مختلف البلدان، وجد هؤلاء الخبراء الفرصة مواتية لهم لاعلان صوتهم عما يجول في خاطر المجتمع، وإعلانه من خلال هذا المنبر الدولي.  فجاء هذا التقرير غير التقليدي، والذي يضع، بكل وضوح، قضية التنمية في إطارها الصحيح، وهو إطار الحرية بمعناها الشامل؛ الحرية السياسية، الحرية الاقتصادية، الحرية الثقافية، الحرية الاجتماعية.

وفي تعليق لها على تقرير التنمية الإنسانية العربية تذهب مجلة الاكونومست البريطانية في عددها الصادر في 6 يوليو 2002، إلى إنه “لا يخلو اجتماع للمثقفين على اتساع الوطن العربي من المغرب إلى الخليج مروراً بمصر دون أن يتساءلوا ماذا حدث لنا، وكيف وصلنا إلى هذه الحال؟”، وجاء هذا الفريق من الخبراء العرب ليقدم – من خلال هذا التقرير الدولي – إجابة عن هذا السؤال وليعلنوا بدرجة من الصراحة والوضوح أسباب القصور والفشل على نحو لم تتعودها الوثائق الرسمية.  فشكراً للمكتب العربي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وشكراً للصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وشكراً لكل من ساهم في إعداد هذا التقرير.

وعودة إلى تساؤل برنارد لويس المستشرق الغربي، وكتابه، “أين هو الخطأ؟”  فإن إجابة الخبراء العرب لا يبدو أنها تبتعد كثيراً عن النتيجة التي توصل إليها.  فهل نأخذ الأمور بيدنا ونبدأ الإصلاح بأيدينا قبل أن يأتي بيد عمرو، أم ننتظر حتى يتدخل الأجنبي ويلقي علينا مواعظ الإصلاح؟  وذلك كما فعل بالأمس الرئيس بوش عندما طالب بإصلاح السلطة الفلسطينية وأيدته في ذلك – فيما يبدو – الدول الأوروبية كما لم تمانع في ذلك دول أخرى عديدة شقيقة وصديقة بما فيها السلطة الفلسطينية نفسها التي رحبت بخطاب الرئيس بوش.  الإصلاح من الخارج يظل دائماً مشوباً بخطيئة أولية لا يمكن محوها وبالتالي لن يصل إلى الأعماق. وعلينا ونحن نحتفل هذه الأيام بالذكرى الخمسين لقيام ثورة يوليو 1952، أن نتذكر أن حرية الوطن لا تتحقق إلا مع حرية المواطن، وأن هذه الحرية هي الطريق إلى التنمية البشرية الحقيقية كما هي الهدف منها، وأن الطريق لإصلاح الخطأ يبدأ من هنا من الداخل، وبأيدينا نحن وليس من الغير.  والله أعلم.

 الأهرام: 28.7.2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *