إذا كان الإرهاب هو القضية.. فهل الطوارئ هي العلاج؟

في مقال هام كتب الدكتور عبد المنعم سعيد في الأهرام بتاريخ 15 مايو 2010، أن “الإرهاب هو أول الأخطار التي تتعرض لها البلاد”. وبعد استعراض طويل للموضوع انتهى إلى أنه في ضوء هذه الأخطار، فإن هناك ما يبرر تمديد أحكام الطوارئ،ـ ولذلك اختتم مقاله بالقول “لقد انتهت مؤقتاً ـ صفحة موضوع قانون الطوارى. وبرغم الخلاف الشديد الذي جرى حوله فإن الحصاد لا بأس به ديمقراطياً وأمنياً”. وهكذا، جاءت النهاية سعيدة على شاكلة الأفلام المصرية بزواج البطلين: الديمقراطية والأمن.

 

والدكتور سعيد ليس صحفياً عادياً، فهو رئيس مجلس إدارة أكبر صحيفة مصرية، وهو باحث مرموق وقد رأس مركز الدراسات الإستراتيجية بالأهرام، فضلاً عن أنه يعلن أنه أحد أنصار الفكر الليبرالي في مصر الحديثة. ولذلك فإنه من الواجب أخذه بقدر كبير من الجدية. ولن أُحاول أن أُعلق هنا على كل ما جاء في مقاله، بل سوف أختار بعض النقاط التي أعتقد أنها تستحق بعض المناقشة.

 

ولعل بداية المقال، كما عنوانه، (الإرهاب هو القضية) يدعونا إلى بعض التأمل. فهل صحيح أن الإرهاب “هو أول الأخطار التي تتعرض لها البلاد” وبذلك يصبح هو القضية؟ ألا يذكرنا هذا العنوان بمواقف الرئيس بوش الذي رأى أيضاً أن الإرهاب هو القضية، وبالتالي فإن “الحرب على الإرهاب” هي جوهر السياسة الأمريكية، ولم يتساءل ـ يومها ـ عن الأسباب التي دعت بعض الشباب إلى الانخراط في هذا الطريق العقيم، ولم ير فيهم سوى جانب التخريب والدمار، وبالتالي قرر شن الحرب على هؤلاء الإرهابيين أينما كانوا، دون محاولة لفهم العوامل الدفينة التي تدفع بشباب في مقتبل العمر إلى التضحية بأرواحهم في إطار من اليأس والقنوط. وهكذا، فبدلاً من البحث عن جذور المشكلة، اقتصر بوش على اتخاذ إجراءات أمنية وصلت إلى إعلان الحرب على أفغانستان ثم العراق بمقولة استئصال جذور الإرهاب. فماذا كانت النتيجة. وقع الجيش الأمريكي ـ أقوى جيوش العالم ـ في مستنقع حرب قيل أنها “حرب اختيار” في العراق، يسعى الرئيس الحالي ـ أوباما ـ للخروج منها، وفضلاً عن حرب سابقة في أفغانستان قيل أنها “حرب ضرورة”، يحاول الرئيس الجديد أن يجد لها مخرجاً ولو بالاتفاق مع طالبان.

 

وكثيراً ما يكون الحديث عن الإرهاب عاماً ومبهماً. فالإرهاب هو حالة عامة من عدم الاستقرار والإخلال المنظم بالأمن. فهناك فارق بين الجرائم الفردية المتعددة من ناحية، وبين انعدام الأمن وانتشار الجريمة من ناحية أُخرى، حين تصبح الجريمة ظاهرة مجتمعية لا يمكن تجاوزها وتتراجع دولة القانون ويصبح العنف هو سيد الموقف. والتفرقة بين الأمرين ضرورية. ففي جميع الدول ـ وبلا استثناء ـ هناك حالات للسرقة والنشل والنصب والاحتيال، ولكنها حالات فردية لا تعني أن المواطن معرض للسرقة والنصب في كل شارع أو عند كل معاملة. وهناك نسب مستقرة ومقبولة للجرائم الفردية في معظم الدول وبما لا يتعارض مع مفهوم الاستقرار الأمني وسيادة القانون. ولكن هناك أحوالاً تصبح فيها الجريمة منظمة ومتأصلة أو ظاهرة اجتماعية. فهناك مدن لا تستطيع أن تسير فيها بمفردك ليلاً، وهناك مدن تتعرض للسرقة والنهب المنظم. وهناك دول تتضمن ميليشيات أو عصابات تسيطر على مناطق وتفرض حكمها بدلاً من حكم القانون. وهنا نكون بصدد مشكلة اجتماعية تتطلب علاجاً. أما الحالات الفردية للجريمة فيتم التعامل معها أمنياً من خلال قوانين العقوبات.

 

ومع وجود القوانين الوضعية ورغم الأديان السماوية فما زالت البشرية منذ الخليقة تعرف هذه الجرائم المتنوعة. وقد ازداد الأمر تعقيداً مع ظهور المدن الكبرى، ومظاهر الجريمة المنظمة. فوجود الجرائم أمر ملازم للتجمعات البشرية، ولكنها تمثل الإستثناء وليس القاعدة. وليس الأمر كذلك عندما تصبح الجريمة شائعة وجزءاً من الحياة اليومية. فهنا يفقد المجتمع تماسكه ويواجه مشكلة اجتماعية. وهذا هو حال الإرهاب، وحيث تواجه بعض المجتمعات نوعاً من الانقسام المجتمعي والانفلات الأمني من بعض فئات أو عناصر ترى فرض آرائها بقوة السلاح. في هذه الحالة فقط يصبح الإرهاب عملية مجتمعية وخطراً على المجتمع يتطلب مواجهة حاسمة.

 

وإذا كنا قد عرفنا أخيراً في مصر بعض الحالات الفردية للإرهاب وغالباً من عناصر خارجية للتخريب فليس ذلك دليلاً على أن الإرهاب مستمر، وإنما هو دليل على أنه في العصر الحديث لا يمكن ضمان استتباب الأمن بشكل مطلق أو الادعاء بأنه لن تحدث مطلقاً أية حادثة فردية هنا أو هناك. المدن الكبرى والحياة الحديثة بل والجريمة المنظمة هي إحدى سمات الحياة المعاصرة. ومسؤلية أجهزة الأمن هي محاربة هذه الانحرافات وعقاب المسئولين عنها في إطار دولة القانون واحترام الحريات الأساسية للأفراد، ودون ذلك تفشل أجهزة الأمن في أداء وظائفها.

 

 

وفي مصر، فإننا لم نشاهد من الأحداث، ما يبرر القول بأن أول الأخطار التي تتعرض البلاد لها هي  من قبيل الإرهاب المستمر . حقاً، لقد عرفت مصر بعض حوادث متفرقة للإرهاب في التسعينات، ولكنها تراجعت بعد ذلك بشكل كبير مقارنة بمعظم الدول الأخرى، حتى أصبح أحد أهم منجزات النظام القول بأن “مصر هي واحة الأمان والاستقرار”.. فهل يتسق ذلك مع التأكيد في نفس الوقت أن الإرهاب هو أول المخاطر التي تتعرض لها البلاد! لا يمكن أن تكون البلاد “واحة للأمان”، وقضيتها الأُولى هي الإرهاب، فأحد الأمرين يتناقض مع الآخر، وعلى كتابنا أن يقرروا أيهما أقرب إلى الصواب.

 

 وبصرف النظر عن مدى الاتساق أو التناقض بين مقولة “واحة الأمان” وبين دعوى خطر الإرهاب، فهل صحيح أن الإرهاب هو قضيتنا الأُولى؟ وماذا عن المخاطر الأُخرى؟

 

هل يتفق الدكتور سعيد في تشخيصه لمشاكل مصر مع الغالبية من المفكرين؟ فالغالبية منهم يرون أن المخاطر التي تتعرض لها البلاد تنصب على أمور أُخرى. فهناك من يرى أن القضية الأُولى في مصر هي تدهور منظومة التعليم والبحث العلمي. أما الإرهاب فهو ـ في جزء كبير منه ـ نتيجة أو مظهر لمشاكل أُخرى أعمق سواء بانخفاض مستوى الثقافة والتعليم بحيث كادت تختفي فيه النظرة النقدية والتحليلية، وحيث غلبت عقلية مدرسة حفظ النصوص، وتقديس الكتابات السلفية دون إمعان النظر في اختلاف الظروف التاريخية أو فهم طبيعة الحياة المعاصرة أو لعل الإرهاب هو نتيجة لليأس من سوء الأحوال الاقتصادية التي لا تصل ثمارها إلى الغالبية، أو قد يرجع إلى شعور بالظلم أو رغبة في الاحتجاج إزاء تفشي الفساد.

 

 

وهل يختلف الدكتور سعيد في تشخيصه كذلك مع أولئك الآخرين الذين يرون أن أهم المخاطر التي تتعرض لها البلاد هي الزيادة السكانية المستمرة، وأن هناك حاجة إلى سياسة جادة في التنمية والتوعية للوصول إلى ما وصلت إليه دول أُخرى من ضبط لهذا النمو السكاني، وأنه دون ذلك فإن كل جهود التنمية سوف تذهب سدى. فالقضية عند هؤلاء هي المشكلة السكانية، وليس الإرهاب إلا عرضاً من أعراض مشاكلنا الأُخرى.

 

 

 

وإذا كان صحيحاً أن هاجس الإرهاب هو الخطر الأول الذي تتعرض له البلاد، فهل مشكلتنا مع مصادر الطاقة أقل خطورة. فمصر من أفقر دول العالم في موارد الطاقة. فهي لا تعرف مساقط للمياه كما الهند مثلاً التي توفر لها إمكانيات هائلة لتوليد الكهرباء، كذلك فإن مصر لا تتمتع بمناجم هائلة للفحم، كما الصين مثلاً، مما يعطيها شبكة أمان لمصدر الطاقة، وأخيراً نحن ما زلنا بعيدين عن الطاقة النووية. أما مصادرنا من البترول والغاز، فهي محدودة، وما نستورده من البترول يكاد يعادل ما نصدره، وما نتمتع به من قليل من الغاز نفرط فيه بالتوسع في التصدير. ومع ما يثار حالياً من خلافات حول اقتسام مياه النيل، الذي هو مصدر الحياة في مصر منذ بداية التاريخ، فإن كثيرين يرون أن قضيتنا الأُولى الآن هي حماية حقوقنا في مياه النيل وتطوير علاقاتنا مع جيراننا.

 

 وتتعدد الرؤى حول أهم التحديات والقضايا التي تشغل بال مصر والمصريين. فهل ما زال مقبولاً القول بأن الإرهاب هو قضية مصر، وأن مكافحته تأتي على رأس أولوياتنا؟ وهل تتراجع أهمية التعليم والبحث العلمي، أوضبط الزيادة السكانية أوتطوير مصادر جديدة للطاقة إلى مجرد قضايا ثانوية إلى جانب محاربة الإرهاب؟

 

 وإذا كان صحيحاً أن الخطر الأول هو الإرهاب، فهل نستخلص من ذلك أن الأمن هو الأولوية الأُولى لنا مما يستدعي فرض قوانين الطوارئ وتخصيص جزء هام من مواردنا للأغراض الأمنية، بزيادة الانفاق على أجهزة الأمن وزيادة أعداد العاملين فيها والمزايا التي يتمتعون بها والأسلحة والأدوات التي توضع تحت تصرفهم؟ وهل مقاومة الإرهاب هو مسألة أمنية تعالج بالطوارئ وقوى الأمن أم هي مسألة اجتماعية تعالج بالسياسات؟ ألا يتطلب علاج خطر الإرهاب ـ إذا كان صحيحاً أنه يمثل هذه الخطورة ـ زيادة الإهتمام بالتعليم والبحث العلمي، ووضع الحلول لمواجهة مشكلة التزايد السكاني وما يرتبط بها من إسكان عشوائي ونقص في الخدمات الاجتماعية؟ ألا يلزم اتخاذ سياسات جادة وفعالة لتطوير مصادر جديدة للطاقة في مصر وبحيث تهيئ مصر للعيش في اقتصاد الغد؟ وها قد طفت على السطح مشكلة مياه النيل التي ظهرت أخيراً لإهمال طال أمده، لتضيف خطراً جديداً!. ألا تعتبر هذه كلها من أهم القضايا التي تواجه مستقبل الأجيال القادمة؟ وأخيراً هل قانون الطوارئ ومد أجل العمل به هو أفضل طريقة للتعامل مع الإرهاب؟ كل هذه تساؤلات مشروعة.

 

لحسن الحظ أن الدكتور سعيد أكثر ذكاء وفطنة للوقوع في مثل هذه الأخطاء. فهو يقول ـ بوضوح ـ “أن قانون الطوارئ أو مد حالة الطوارئ إذا شئنا الدقة، واستناداً إلى ما سبق ليس هو الطريقة الوحيدة لمواجهة الإرهاب.” وهذا جميل ومعقول. فالطوارئ ليست هي الحل، ولكنه ما يلبث أن يقول بأن الحل هو المطالبة بإصدار قانون لمكافحة الإرهاب. فإصدار قانون جديد للإرهاب هو الحل السحري للقضاء على مشكلة الإرهاب. وإذا كان هذا صحيحاً، وأن الإرهاب هو فعلاً قضيتنا، فلماذا التباطؤ في إصدار هذا القانون، وقد كان أحد عناصر برنامج الرئيس الانتخابي، كما سبق أن وعدت به الحكومة أكثر من مرة؟

 

المشكلة أننا عندما نتحدث عن قوانين الطوارئ أو حتى عن قانون جديد للإرهاب، فأنا نتجاهل القضية الأساسية في هذا الموضوع. المشكلة ليست في تمديد قانون الطوارئ أو حتى إصدار قانون جديد للإرهاب. وإنما المشكلة هي أننا نتحدث هنا عن “حالة استثنائية” والمطلوب هو الخروج إلى ما أطلق عليه الدكتور سعيد في مقال سابق “بالحالة الطبيعية”. ولا يقتصر الأمر على مجرد قيام “حالة استثنائية”، ولكن الأخطر هو أنها استمرت لفترة طويلة لا مثيل لها في أي مكان في العالم. فمصر تعيش في ظل أوضاع استثنائية لفترة جاوزت سبعة عقود، وهو أمر فريد في نوعه ولا مثيل له في العالم على ما أعرف. فالغريب في مصر ليس في فرض قوانين الطوارئ، فكل الدول عرفت في لحظة أو أُخرى فرض قوانين الطوارئ، ولكن لا توجد دولة واحدة خضعت بشكل مستمر لقوانين الطوارئ والأحكام العرفية كما عرفتها مصر، المشكلة أكبر بكثير من أحكام الطوارئ، فهي مشكلة “مزمنة لحالة استثنائية” إمتدت على مدى ما يقرب من سبعة عقود. لقد ذكر الدكتور سعيد “أن مصر ليست حالة استثنائية على مستوى العالم في تطبيق قوانين الطوارئ.. فهناك 16 دولة على مستوى العالم استخدمت قوانين الطوارئ منها فرنسا وألمانيا وماليزيا وسويسرا وإسبانيا وبريطانيا والأرجنتين وأُستراليا وكندا”. حسناً، ولكن ما هي الفترة التي استخدمت فيها هذه القوانين في هذه الدول. هل يوجد مثال واحد لدولة خضعت لأحكام الطوارئ لأكثر من نصف قرن!.لقد فرضت الأحكام العرفية في مصر عند إعلان الحرب العالمية الثانية في عام 1939، واستمرت حتى رفعت فترة قصيرة في أول الخمسينيات، لتعود من جديد في عام 1952 مع حريق القاهرة، واستمرت دون انقطاع حتى رفعت لفترة قصيرة في نهاية عصر السادات، ثم عادت من جديد مع اغتيال الرئيس السابق، ومن يومها وهي مستمرة حتى الآن. ومعنى ذلك أنه خلال السبعين سنة الماضية خضعت مصر بشكل أو بآخر للأحكام العرفية أو الطوارئ ربما باستثناء أربعة سنوات. هذا هو الوضع خلال سبعين عاماً من الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ وهو أمر فريد بين الدول.

 

ومازال الدكتور سعيد يرى أن الإرهاب هو أول الأخطار،وأنه الخطر الأول على التقدم وإمكانيات التحول الديمقراطي. ليكن. وإذا كان صحيحاً، فإن السؤال، هل ما زال العلاج هو قوانين الطوارئ أو حتى قانون الإرهاب؟ لقد استخدم هذا العلاج لسبعين سنة مضت، ومع ذلك فالمرض مستمر وما زلنا نتحدث عن أن “الإرهاب هو القضية”، فماذا يعني ذلك؟ هذا يعني ببساطة أن قوانين الطوارئ وبعد مرور سبعين سنة ليست علاجاً ناجعاً للقضاء على المرض، وأن العلاج الصحيح ربما يكون بأساليب مختلفة. إذا كنا بعد سبعين سنة من الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ ما نزال نعاني من مشكلة الإرهاب، فهل سنقضي عليه بعد سنتين أُخريين بنفس الأساليب الماضية؟ إذا تبين أن العلاج لم يفلح خلال عقود مضت، فالمنطقي هو أن نبحث عن دواء جديد أو حتى نفكر في تغيير الطبيب.

 

الإرهاب ليس القضية، وهو في أحسن الأحوال، أحد مشاكلنا، ربما لا يزيد عن مشاكل أُخرى مثل أنفلونزا الخنازير أو انسداد المرور في القاهرة أو تراكم الزبالة في شوارعها. وإذا لم يكن الإرهاب هو قضية مصر، فإن استمرار قوانين الطوارئ ليس حلاً بل هو مشكلة.   والله أعلم.

 

المصري اليوم 23 مايو 2010

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *