إنذار

إنذار

أكتب منذ عدة سنوات مقالاً كل أسبوعين في هذه الجريدة. واليوم لا أكتب مقالاً جديداً وإنما أوجه إنذاراً لكي نتنبه قبل أن يفوت الأوان.

قرأت في الأخبار المنشورة منذ أيام عن حادث غرق عدد غير محدد من المصريين أمام الشواطئ التركية في محاولة لتتسلل إلى تركيا ومنها إلى أوربا. وقبل ذلك قرأنا عن أحداث مشابهة وغرق مجموعات أخرى على شواطئ ليبيا وأمام السواحل الإيطالية واليونانية، كما قرأنا عن تسلل أعداد أخرى من المصريين للعمل في إسرائيل.

وهذه أحداث مؤلمة ومؤسفة في نفس الوقت. ولكن عندما تتكرر هذه الأحداث غير المألوفة والخارجة عن السياق العام، فإننا نكون أمام “ظاهرة” خطيرة ومقلقة، ولا بد أن نتوقف أمامها. لماذا يخاطر الشباب المصري بحياته ويلقي بنفسه إلى المجهول هرباً من مصر؟

إنها ظاهرة عدم ثقة في الحاضر ويأس من المستقبل وخروج من الذات إلى المجهول. وأمام مثل هذه “الظاهرة” الخطيرة لا يمكن السكوت، فهي كأي “ظاهرة” قابلة للتوسع والانتشار، وقد تأخذ أبعاداً مخيفة في المستقبل. فما يبدو هروباً اليوم قد يتحول إلى انفجاراً غداً. ووراء هذه”الظاهرة” إما أخطاء تحتاج إلى تصحيح أو انطباعات خاطئة تحتاج إلى توضيح. ودون ذلك فإن الأمور يمكن أن تستفحل في المستقبل. فالشباب الذي يلقي اليوم بنفسه في مياه البحر المتوسط قد ينفجر غداً في شوارع القاهرة وغيرها من المدن المصرية.

وعندما تعلن الحكومة أنها حققت معدل نمو اقتصادي جاوز 7 % للسنة الثانية على التوالي، وبما يضعها في مطاف الدول الأكثر إنجازاً في المجال الاقتصادي في نفس الوقت الذي يخاطر فيه أبناؤها بحياتهم هروباً من البلد، فلا بد أن هناك سوء فهم، أو أن ما يتحقق من إنجاز اقتصادي إنما هو للقلة ولا تشعر به الأغلبية. وعندما يتزامن مع هذه الأنباء خبر بيع أحد رجال الأعمال المصريين لأحد مصانعه في مصر لشركة فرنسية مقابل ثمن يجاوز ثلاثة عشر مليار دولار، في الوقت الذي يعاني فيه الملايين من عدم القدرة على الوفاء بالحد الأدنى لمتطلبات الحياة، فلا بد أن هناك ثمة غلط. ولعل هذه البلايين من الدولارات تظل في البلد ولا تهرب هي الأخرى كما يفعل الشباب. هذا إنذار وقد أعذر من أنذر.

الله أعلم

الأهرام 23 ديسمبر 2007

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *