إنعدام الثقة

عرفت مصر خلال السنة ونصف الأخيرة ـ منذ قيام ثورة 25 يناير ـ حالات نفسية متعددة تتراوح بين التفاؤل والثقة فى المستقبل، خاصة فى الفترة الأولى، وبين حالات من التشاؤم والريبة فى كل شىء فى الفترة الأخيرة. فإنعدام الثقة هو السمة الغالبة للثقافة السياسية السائدة حالياً بين معظم الأطراف. فالإنطباع السائد هو أن كل ما نراه على مسرح الأحداث إنما هو مظاهر خادعة تخفى الحقيقة الخفية من ورائها. كذلك فإن ما يجرى أمام أعيننا ليس تسلسلاً للأحداث التلقائية بقدر ما هو تحقيق لمؤامرة كبرى يجرى تنفيذها بدقة مذهلة. وتختلف طبيعة هذه المؤامرة الكبرى بحسب المتحدث. فهى أحياناً مؤامرة يدبرها، بظلام، المجلس العسكرى، ولكنها فى نظر آخرين مؤامرة أعدها الأخوان المسلمون، وأحياناً بالإتفاق مع المجلس العسكرى. وهناك أيضاً من يرى أنها مؤامرة من فلول النظام السابق من الحزب الوطنى ورجال الأعمال. وبطبيعة الأحوال، فإن الامر لا يخلو من الإشارة إلى المؤامرة الكبرى للدول الإستعمارية وفى مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع هذه المؤامرات المتعددة فلا ثقة بالمجلس العسكرى أو بالأخوان المسلمين أو بالقضاء أو بالصحافة ولا حتى بشباب الثورة أحياناً. فإنعدام الثقة بالآخرين هو العملة السائدة، والتخوين هو الصفة الملازمة لكل ما يظهر على الساحة سواء من رجال الحكم أو من السياسيين أو من مؤسسات الدولة. فهل يمكن أن يتحقق التقدم فى هذا الجو العام من عدم الثقة من الجميع وفى الجميع؟

لقد إنتهت إنتخابات الجولة الأولى للرئاسة، بعد أن شارك فيها أكثر من عشرين مليون ناخب وأشرف عليها عشرات الألوف من القضاه وذلك تحت مراقبة منظمات المجتمع المدنى من الداخل والخارج. ورغم وجود مخالفات هنا أو هناك، فالإنطباع العام، هو أن العملية الإنتخابية قد تمت فى أجواء معقولة من المصداقية والنزاهة. لقد كانت هناك، بالقطع، مخالفات وأنواع من الرشاوى من هنا أو هناك. وظهرت النتائج متضمنة مفاجآت غير مريحة لمعظم الناخبين. وهى ترجع، فى أغلبها، لعدم التنسيق الكافى بين المرشحين المحسوبين على توجهات سياسية متقاربة، وبحيث جاءت النتيجة النهائية صادمة لقطاع كبير من الناخبين. وإرتفعت أصوات لرفض الإنتخابات ونتائجها والتشكيك فى صحتها، وأن وراءها مؤامرة أو مؤامرات.

وبعد ذلك بأيام صدر حكم المحكمة الجنائية بإدانة الرئيس السابق وإنزال عقوبة السجن المؤبد عليه وعلى وزير داخليته، مع براءة نجلى الرئيس السابق ومعاونى وزير الداخلية. وبدلاً من المطالبة بالطعن فى هذه الأحكام وفقاً للقواعد الإجرائية المتبعة، قامت المظاهرات مطالبة “بتطهير القضاء” وإقامة “محاكم الثورة” لتقديم رموز النظام السابق لمحاكمات ثورية. فالقضاء أيضاً مطعون فى نزاهته وحيدته.

وفى الحالتين لا نجد أن الخلاف حول وقائع محددة مخالفة للقانون، ولكنه ينطوى على إعلان فقدان الثقة الكاملة ليس فقط فى الأشخاص وإنما فى المؤسسات الأساسية للدولة. فهناك عدم ثقة ـ على الأقل عند البعض ـ فى المجلس العسكرى وربما فى المؤسسة العسكرية بكاملها، وهناك كذلك عدم ثقة فى القضاء أو فى عناصر كثيرة منه، وبالمثل عدم ثقة فى الإعلام أو السياسيين بصفة عامة…. والقائمة طويلة. وفى كل هذه الإتهامات أو معظمها لا يقوم دليل أو حتى دلائل من وقائع محددة أو يمكن تحديدها. فالمشكلة الأساسية أنه لا توجد “ثقة”، إن لم يكن فى كل الأوضاع، فعلى الأقل فى عدد غير قليل منها. فرد الفعل لأى حدث، ليس التساؤل عن التفاصيل والوقائع، بل كثيراً ما يكون هو إتهام للآخرين بالكذب أو الخداع.

ومع غلبة نفسية عدم الثقة، فمن الطبيعى أن تنتشر ـ بين المثقفين وخاصة بين أنصاف المتعلمين ـ ظاهرة رد كافة الأحداث إلى أيد أو أيادى خفية تنسب إليها كافة هذه الأحداث. فهناك دائماً “مؤامرة” وراء ما نراه من أحداث. وتفكير المؤامرة ليس حكراً على إتجاه دون آخر بل هو سلوك فكرى شائع. والحقيقة أن التفسير التآمرى للأحداث، له الكثير مما يبرره. فقد أظهرت الأحداث فى مصر كما فى غيرها من البلاد أن هناك قوى غير ظاهرة تلعب أدواراً بالغة الخطورة سواء من جانب أجهزة المخابرات أو المصالح المالية والصناعية أو حتى بعض المؤسسات الدينية والمذهبية. وعادة تبدأ فكرة المؤامرة من مقدمة صحيحة، وهى فكرة السببية فى العلاقة بين الأحداث، وأنه من الطبيعى ـ فى معظم الأحوال ـ أن نبحث عن المستفيد من النتائج المتحققة. ولكننا نقع، فى نفس الوقت، فى خطأ جسيم آخر، وهو المبالغة فى أهمية أحد أدوار اللاعبين مع إلغاء تام للأدوار الأخرى أو حتى لمجرد الصدفة. فليس صحيحاً أن كل ما نراه هو نتيجة فعل شخص أو مؤسسة تسيطر على كافة الأحداث. فتكاد لا توجد مؤسسة أو فرد واحد يستطيع أن يسيطر على تسلسل الأحداث. وربما الأقرب إلى الصحة هو أنه لا توجد مؤامرة واحدة بل عشرات المؤامرات التى تتعارض وتتقاطع، وتكون النتيجة النهائية هى محصلة لكل هذه المؤامرات المتعارضة والمتقاطعة. وغالباً مالا تكون هذه النتيجة النهائية متطابقة مع أى من تلك المؤامرات. فأهم ما نشاهده من أحداث إنما هى “نتائج غير مقصودة” Consequences Unintended لعشرات المؤامرات المتعارضة والمتقاطعة، فضلاً عن أعمال الصدف غير المتوقعة.

والسؤال هو هل يمكن أن ينضبط المجتمع بله هل يمكن تحقيق التقدم فى مثل هذا الجو الغامر من إنعدام الثقة ومع الريبة فى كل شىء ومن كل شىء، أم أن مزيداً من الثقة أمر لازم ومطلوب لصحة المجتمع وسلامته؟ وبطبيعة الأحوال فإن الثقة المطلوبة لا تعنى هنا السذاجة أو الإعتقاد بأن الآخرين كلهم ملائكة، علماً بأنهم ليسو كلهم بالضرورة شياطين أيضاً.

منذ حوالى خمسة عشر سنة نشرت مقالين فى الأهرام بعنوان “الثقة” فى9، 16 سبتمبر 1996،  وقبلها بسنوات نشرت مقالاً آخراً بعنوان “المؤامرة” بتاريخ 30 سبتمبر 1991 فى نفس الجريدة. ولا أجد غضاضة فى إعادة ترديد بعض ما سبق أن أوردته فى هذه المقالات. وجاء مقالى “الثقة” بمناسبة ظهور كتابين،آنذاك، أحدهما لمؤلف أمريكى (فوكوياما) والآخر لمفكر فرنسى (آلان بييرفت) الأول بعنوان “الثقة” Trust ، والثانى بعنوان “مجتمع الثقة” La Societe de Confiance . وتدور الفكرة المحورية لهذين الكتابين حول تصور بسيط فى جوهره ولكنه قد يكون بالغ الخطورة فى آثاره، وهو أهمية الجوانب الإجتماعية والثقافية فى تطور الأمم وتقدمها. فيقوم هذا التصور على أنه بنبغى البحث فى أسباب تقدم الأمم عن مجالات أخرى إضافة إلى ما إستقر عليه الإتجاه العام بين الباحثين. فتقدم الأمم لا يرجع فقط إلى إعتبارات إقتصادية من تراكم رؤوس الأموال أو توافر الموارد الطبيعية أو تحقيق الثورة العلمية والتكنولوجية أو إختيار النظم والسياسات الإقتصادية المناسبة، وإنما يرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى توافر أو عدم توافر مقومات “ثقافية” فى علاقات المجتمع ببعضه، ومن أهم هذه المقومات الثقة والإطمئنان للآخرين. وهكذا فإن ثقافة الثقة ـ مقابل ثقافة الريبة والتربص ـ هى أحد أهم أسس تقدم الأمم. فالتقدم الإقتصادى والإجتماعى يتطلب مقومات ثقافية تقوم على مفهوم الثقة، الثقة بالنفس، والثقة بالغير، والثقة بالمستقبل. وهذه الثقة هى ما يمثل “رأس المال الإجتماعى” اللازم لتحقيق التقدم. أما مجتمعات الريبة والشك والإتهام الصريح أو المبطن لكل ما يقال أو ينفذ، فإنها وصفة للتنازع والتخوين والتخويف من الغير ومن المستقبل. ومجتمع الثقة، هو أخيراً، مجتمع “التسامح”، والقبول بالرأى والرأى المخالف، بل وقبول الرأى الصائب والرأى الخطأ ومناقشته بالتى هى أحسن. فالوسيلة الوحيدة للتقدم هى عن طريق التجربة والخطأ. وليس كل خطأ جريمة، وإنما هو أحياناً وسيلة لمعرفة الصواب. ومع إنعدام الثقة تتفكك المجتمعات، ويتربص كل فرد بالآخرين، ونعود إلى حالة الوحشية حيث يرى الفرد أن الآخر هو العدو. وقد رأى بعض الدارسين للمجتمعات البشرية، أن المجتمعات الأكثر تقدماً إستندت فى تقدمها إلى ما تتمتع به من ثقة فى المعاملات ومصداقية فى التعامل. وذلك على عكس المجتمعات التى تندر فيها الثقة فى المعاملات وحيث يغلب عليها الريبة والكذب. فالمجتمعات الأكثر تقدماً هى أيضاً المجتمعات الأكثر صدقاً وصراحة، كما أن المجتمعات المتخلفة هى أكثر كذباً ولوعاً. الثقة من مظاهر وأسباب التقدم.

 لا بأس من الحذر، بل هناك ضرورة لكشف المفسدين وتعريتهم، ولكن ذلك يتم بالبينة والدليل أو على الأقل بالدلائل المناسبة، وليس بالكلام المرسل. الحذر مطلوب، والفطنة ـ مع سوء الظن ـ ضرورية أحياناً، ولكن التشكيك فى كل ما يجرى حولنا هو نوع من الهوس، ومن شأنه أن يحيل الحياة إلى جهنم. فالإنسان لا يستطيع العيش فى وسط من الكذب الكامل أو الشك المطلق. ولا حياة للإنسان ولا إستمرار للمجتمعات إلا بتوافر قدر معقول وكاف من الصدق والمصداقية بين الأفراد. فدون ثقة ـ وإن لم تكن كاملة ـ فلا مجال للحياة الإجتماعية السليمة. والأصل فى الأمور هو أن الظاهر صحيح حتى يتضح كذبه، وليس الأصل هو أن ما نراه كذباً حتى تتأكد صحته. الثقة أحد أهم عناصر وجود ونجاح المجتمعات. ومع الثقة يأتى التفاؤل بالمستقبل. وبالثقة والتفاؤل وحدهما يمكن أن نبنى أسس التقدم. أما مع الريبة المتأصلة والشك الدائم فى صدق النوايا، فيصعب الإقدام خطوة أو خطواط للأمام. “وإن بعض الظن إثم” صدق الله العظيم. والله أعلم.

الأهرام 18 يناير 2012

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *