إنه الاستبداد وليس العروبة

تناولت في مقالي السابق قضية العروبة مؤكداً أنها لا تتعارض مع الوطنية المصرية، كما أن انتماء مصر للعروبة لم يكن تضحية اقتصادية أو سياسية خلال الخمسين سنة الماضية. وقد تلقيت عدداً من التعليقات على هذه المقالة، وبعضها يميل إلى الموافقة العامة على ما جاء بها، والبعض الآخر –  كما هي العادة –  له ملاحظات أو حتى تحفظات عليها. ولذلك يحتاج الأمر إلى بعض التوضيح.

 

ولعلي ابدأ بملاحظتين، الأولى أشرت أليها في المقال السابق ويهمني أن أعود إلى تأكيدها، وهي أن مفهوم الهوية أو الانتماء هو مفهوم معقد ومركب، ويمكن أن يكون عنصر إثراء وتقدم ولكنه قد يصبح مع التطرف طاقة عنف وكراهية. فالهوية أو الانتماء قد يكون أمراً حميداً يزيد من حماس الفرد ويدعم شعور التعاطف والاخوة مع الآخرين ويحد من الأنانية وحب الذات. ولكن هذه الهوية أو ذاك الانتماء قد يصبح عند المبالغة ً أمراً خبيثاً يؤدي إلى التعصب وضيق الأفق  وكراهية الآخرين. ومن هنا فأن الحديث عن الهوية أو الانتماء ينبغي أن يتسم بالاعتدال والنسبية الأمر الذي لا يتحقق إلا بالاعتراف بتعدد الهويات. فالفرد، وبالتالي الجماعة، ليسوا على بعد أو أفق واحد، بل انهم متعددو الأبعاد والآفاق. فليس للفرد أو الجماعة هوية واحدة أو انتماء واحد. ومن هنا فلا تعارض بين أن تكون فرنسياً و أوربياً في نفس الوقت، كما لا يوجد ما يمنع من أن تكون مصرياً و عربياً. وتعدد الانتماءات يعني أن الفرد كما ينتمي إلى بلد فهو أيضاً يرتبط  بدين و قد يتبع مذهباً سياسياً فضلاً عن أنه قد  يعرف انتماءات أخرى نتيجة لارتباطه بمهنة معينة أو اهتمامه بنشاط فني أو اجتماعي، وهكذا. فالهوية الوحيدة والفريدة هي هوس وجنون وعادة ما تكون منغلقة وضد الآخرين.

 

أما الملاحظة الثانية، فهي أن المقال لم يتناول قضية الانتماء العربي والوطنية المصرية في جميع مظاهرها، وإنما اقتصر على الرد على الدعوة التي تتدعى أن مصر لم تكسب من هذا الانتماء العربي سوى التضحيات والخسائر. وأراد المقال أن يبين أن مصر حققت – في الواقع – مكاسب اقتصادية وسياسية لا يمكن التهوين من شأنها خلال الخمسين سنة الماضية. ومع ذلك فقد حرص المقال أيضاً على التأكيد على أن الهوية أو الانتماء أكبر بكثير من حساب المكاسب والخسائر. وينبغي أن نذكر أن الهوية أو الانتماء ليس مسألة منطقية فهي في نهاية الأمر شعور عام لدى الأفراد في فترة من الفترات.

 

وأعود الآن إلى بعض التحفظات التي وردتني من القراء. فأشار البعض ما تحمتله مصرفي حرب اليمن من تضحيات للشهداء وأن تكاليف هذه الحرب كان لها أثرها ولا شك على أداء الجيش المصري في 1967. ولعل القارئ أراد التلميح بأن دخول مصر هذه الحرب كان بسبب انتمائها للعروبة.

 

 وليس هناك من شك في أن حرب اليمن قد كلفت مصر الكثير، وأن إدارة مصر لهذه العمليات العسكرية قد شابه الكثير من الانحرافات وتحولت العملية إلى سبيل للإثراء والانتفاع للمحاسيب،اكثر منه عملاً عسكرياً مهنياًً. ولكن السؤال هل كانت هذه الحرب بأعبائها وأخطائها نتيجة لانتماء مصر العربي أم كانت لأسباب أخرى؟ هذا هو السؤال.

 

كانت اليمن في عصر الإمامة دولة متخلفة عن العصر في حكم شديد الظلام حقاً، ولكنها كانت دولة عربية لم يشكك أحد في عروبتها. وعندما قام المشير السلال بانقلابه العسكري على الحكم القائم، فأنه لم يتحرك باسم القومية باعتبارها مهددة في اليمن، و إنما أراد تغيير النظام الاجتماعي والسياسي القائم. ووجد النظام المصري الناصري في هذه الثورة اليمنية دعما للنظام المصري  إزاء النفوذ السعودي. ولكن النظام السعودي هو أيضا نظام عربي لم يشكك أحد في عروبته وإن كان يأخذ منحنى سياسيا مختلفاً عن النظام المصري. وجاء هذا الصراع بين النظامين المصري والسعودي على الأرض اليمنية باعتباره  صراعاً على الزعامة العربية بين البلدين.

 

والسؤال هنا، هل القومية العربية هي شعور بالانتماء بالتعاطف وقدر من التضامن بين أبناء هذه الأمة أم هو تنافس على الزعامة؟ وهل التنافس على الزعامات هو جوهر القومية أو الوطنية أم أنه نتيجة لطبيعة النظم السياسية السائدة؟

 

الحقيقة أن عروبة أي من اليمن أو مصر أو السعودية لم تكن محل خطر أو تهديد، و ما حدث من تدخل مصري في اليمن إنما هو صراع على الزعامات. ولم يكن هذا الصراع بين الزعامات العربية بسبب القومية العربية وان كانت قد استخدمت فيه الشعارات القومية كستار للتطلعات الفردية للزعامة في نظم يغلب عليه الطابع الدكتاتوري والاستبدادي. ففي مثل هذه الأحوال تتجه القيادات السياسية إلى محاولة فرض نفوذها خارج حدودها أكثر مما تركز جهودها لرفاهية أبنائها. كذلك قد يعتقد البعض أن التنافس المصري السعودي آنذاك لم يكن فقط صراعاً على الزعامات بقدر ما كان أيضاً صراعاً حول مضمون القومية العربية نفسه. فهو مفهوم تقدمي راديكالي عند النظام المصري في حين انه  تقليدي رجعي عند النظام السعودي. ولكن إذا كان  هذا صحيحاً فكيف نفسر الصراع بين النظام المصري ونظام عبد الكريم قاسم في العراق . ألم يكن هذا النظام العراقي الجديد نظاماً تقدمياً؟ لم يكن عبد الكريم قاسم رجعيا ولا كان حليفاً للاستعمار. المسالة ليست صراعاً بسبب الانتماء القومي و إنما هي مجرد صراع على الزعامات، والزعامات فقط. وهو أمر مرتبط  بطبيعة النظم السياسية السائدة التي غلب عليها الدكتاتورية والاستبداد. فنجاح الحاكم الديمقراطي يتحدد بقدرته على الحصول على تأييد الغالبية من مواطنيه لسياساته عبر صناديق الانتخاب الحر،الأمر الذي لايتحقق إلا إذا تحسنت أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. أما الحاكم المستبد فأنه يعيش في أسطورة المجد الشخصي الذي يتحدد بحجم نفوذه خارج حدود بلده، بصرف النظر عن الأحوال المعيشية للمواطنين.

 

ولننظر حولنا ونرى كيف سارت الأمور في أماكن أخرى. في الثلاثينات والأربعينيات من القرن العشرين لم تكن ألمانيا أو إيطاليا أقل أوربية مما أصبحتا عليه في الخمسينات والستينات. ولكنهما كانا خاضعين في ذلك الوقت لحكم دكتاتوري استبدادي، يرى أن إسعاد مواطنيه لا يتحقق بالتعاون مع أشقائه من الدول الأوربية الأخرى و إنما بمحاولة السيطرة عليهم.فكان أن استولى النظام النازي في ألمانيا على كل من النمسا وتشيكو سلوفاكيا ثم حاول إلتهام  بولنده مما أدى إلى قيام الحرب العالمية الثانية. وانشغل النظام الفاشي في إيطاليا بأطماعه في البحر المتوسط ثم في الحبشة.

 

وبعد هزيمة دول المحور في الحرب العالمية الثانية تذكر عدد من الأوربيون – خاصة في فرنسا مثل جان مونيه وموريس شومان – أن ما ينقذ أوربا هو تماما ً ما كان سبب شقائها وهو العودة إلى الأصول الأوربية. فأمل فرنسا في التقدم هو في تعاونها مع ألمانيا في صناعة الحديد والصلب أولا ثم في بقية المجالات.وانتهى الأمر بتوقيع معاهدة روما في 1957 بين ستة دول أوربية لإنشاء ” السوق الأوربية المشتركة “. وقد حولت هذه المعاهدة  أعداء الأمس الذين شاركوا في  حرب ضروس قبل ما يقرب من عشر سنوات إلى حلفاء . فحتى سنه 1945 كانت ألمانيا وإيطاليا متحالفتان  في حرب قاتله لم تبق زرعاً أو حرثاً ضد شركائها الجدد في هذه السوق الأوربية المشتركة ( فرنسا، بلجيكا، هولندا، لوكسمبرج). وهكذا انتقلت ستة دول أوروبية خلال ما يزيد قليلا عن عقد من الزمان من أعداء في حرب إبادة إلى تعاون وشراكه اقتصادية (أصبحت سياسة بعد تحول السوق المشتركة إلى “الاتحاد الأوربي ” ). وكل هذا تم في الإطار الأوربي وباسم الانتماء الأوربي. فكيف تغير الحال وانقلب الأمر من النقيض إلى النقيض؟

 

الشعور القومي الأوربي لم يولد فجأة في النصف الثاني من القرن العشرين، فهو موجود منذ عصر النهضة. ولكنه كان في نظم الاستبداد دافعا للصراعات والنزاعات، و أصبح مع الديمقراطية دعوة للتعاون والاتحاد.فلم يتغير الانتماء الأوربي، في النصف الثامن من القرن العشرين، و إنما انتقلت الدول الأوربية – أو أكثرها – من الحكم الاستبدادي إلى الحكم الديمقراطي، فتحولت القومية الأوربية من قوة تدمير وكراهية إلى طاقة بناء وتقدم.

 

 لعل أهم ما جاء من اتفاقية روما لإنشاء السوق الأوربية المشتركة، ليس الجانب الاقتصادي كما يروج له عادة، ولكنه التركيز على الجانب السياسي في اشتراط الديمقراطية وحقوق الإنسان في العضوية لهذه السوق . فقد نصت هذه الاتفاقية على أن العضوية في هذه السوق ستكون مفتوحة أمام الدول الأوربية الأخرى التي تأخذ بالنظام الديمقراطي وتحترم حقوق الإنسان. ولذلك لم يفتح باب العضوية لأسبانيا والبرتغال حتى سقطت النظم الديكتاتورية بهما، كما لم  تتح الفرصة لليونان للدخول فيها إلا بعد زوال الحكم العسكري، وأخيراً فتح الباب لدول وسط وشرق أوربا بعد سقوط الحكم الشيوعي. وأصبحت أوربا الآن أهم قوة اقتصادية في العالم، بسبب هذا الانتماء الأوربي و الوحدة الأوربية. فهل أوربا الآن اكثر أوربية مما كانت عليه في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي؟ وماذا تغير فيها؟ ألم تكن أوربا خلال القرون الثلاثة الأخيرة مسرحاً لحروب مستمرة بين الألمان و الفرنسيين ، وبين الفرنسيين والإنجليز، وبين الروس والبولنديين، والنمساويين وأهل البلقان، والسويد والنرويج، والقائمة طويلة. فهل أصبحت أوربا الآن فجأة أوربية ولم تكن كذلك خلال هذه القرون الطويلة من الحروب! أبداً لقد كانت أوربا دائماً أوربية، والفارق الوحيد إنها لم تكن – كلها – ديمقراطية، وبالتالي كانت مجالا للحروب والصراعات والمنافسة بين الزعامات، أما مع الديمقراطية فالتنافس الوحيد المقبول هو التنافس من اجل التقدم الاقتصادي والثقافي.

 

وهكذا فان القومية – وكذا كل شئ نبيل – يصبح نقمة في ظل نظم الاستبداد والدكتاتورية، ولا يعود إلى طبيعته كنعمة إلا مع الديمقراطية والحرية. مشاكلنا العربية ليست وليدة القومية أو الانتماء العربي وإنما هي بنات الاستبداد. القومية العربية – كما الوطينة المصرية – طاقة هائلة. وهي قد تكون طاقة بناء وأمل في ظل نظم ديمقراطية إنسانية، كما قد تنحدر إلى قوة تدمير وكراهية في يد نظم تعيسه للاستبداد.

 

والله أعلم     

الاهرام  8 يوليو 2007

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *