ابعد عن الشر

إنني من أولئك الذين يعتقدون في حكمة الشعوب. ولاشك أن الأمثال الشعبية تعكس تجربة وخبرة وحكمة. ومن هذه الأمثال “ابعد عن الشر وغني له”. وقد أخذت على نفسي أن أتبع، قدر الإمكان، هذه الحكمة العميقة على الأقل فيما يتعلق بالشق الأول المتعلق بالبعد عن الشر، أما شق الغناء له فلست مقتنعاً تماماً بالفائدة منه. ولاشك أن الشعب المصري مع تاريخه الطويل مع مختلف أنواع الشرور وما اكتسبه خلال هذا التاريخ من حكمة وسخرية وغير قليل من النفاق أيضاً قد انتهي إلى أنه لا مانع من الغناء أيضاً للشر طالما ظل بعيداً عنه بأكبر مسافة ممكنة.

وآخذاً بهذه الحكمة فإنني أتجنب، قدر الإمكان، التعامل مع أجهزة الحكومة. وكنت قد فكرت في وقت من الأوقات أن أمارس مهنة المحاماة أو تقديم بعض الاستشارات الاقتصادية أو حتى القيام ببعض الأنشطة الاستثمارية المحدودة لشغل الوقت، ولكني تذكرت، أو بالأحرى ذكرني عدد من الأصدقاء المخلصين، بما يترتب على ذلك من ضرورة التعامل مع الأجهزة الحكومية من الضرائب ومكاتب العمل والشئون الاجتماعية وربما المحافظة ومكاتب الحي وغالباً أجهزة الأمن وذلك لاستخراج التراخيص واستيفاء الشروط. ولذلك قررت التخلي عن هذه الأفكار المتهورة واكتفيت بقبول منصب استشاري خارج البلاد بعيداً عن التعامل مع الأجهزة الحكومية.

ولكن هناك أحوالاً تضطر فيها إلى التعامل مع الحكومة مهما كان موقفك الفكري، فالضرورات تبيح المحظورات. ومن هذه الأحوال مشكلة تجديد رخصة “السيارة”. فهنا لابد من التعامل مع إدارة المرور حتى وإن كنت من الناحية الفلسفية من أنصار البعد عن “الشر”. وبطبيعة الأحوال فإنه حتى في مثل هذه الحالة فليست هناك حتمية مطلقة في التعامل مباشرة مع أجهزة الحكومة، فالعقل البشري قادر دائماً على إيجاد مخارج لكل أنواع المآزق. وبالنسبة لهذه الحالة بالذات فقد اخترعت معظم النوادي الاجتماعية طريقة لتجنيب بعض المواطنين من التعامل مباشرة مع المرور حيث يقوم النادي بهذه المهمة. ولكن الأمر في حالتي لم يكن ميسراً، حيث أقضي معظم وقتي خارج البلاد، وأعود إلى القاهرة لفترات قصيرة ثلاثة أو أربع أيام وبالتالي فلابد من استخراج الرخصة خلال هذه الفترة القصيرة. ومسئول النادي لا يذهب يومياً إلى المرور وإنما لديه يوم أو يومان في الأسبوع لذلك الغرض.

وهكذا وجدت نفسي مضطراً للقيام بهذه المهمة والذهاب إلى إدارة مرور مدينة نصر، وهو مكتب نموذجي، وبالتالي فإن المعاملة به ليست مثل باقي الإدارات الحكومية.

ونظراً لأنني أؤمن بموقف فلسفي آخر وهو أن أكون إيجابياً مع مختلف الأحداث، حيث أن هناك دائماً جانباً مشرقاً في كل تجربة مهما كانت ثقيلة، لذلك فقد ذهبت إلى إدارة المرور بقلب مفتوح.

أخذت بنصيحة زوجتي بألا أحاول أن أنهي العملية في يوم واحد، رغم أن هذا ممكن وإن كان مرهقاً من الناحية العصبية، ولذلك خصصت اليوم الأول للقيام بإجراءات فحص السيارة فنياً واستخراج شهادة المخالفات على أن أقوم في اليوم التالي باستكمال الإجراءات. فماذا حدث؟

الإجراء الأول هو الفحص الفني، وهو – لمن لا يعرف – إجراء المعاينة على السيارة، كل ثلاث سنوات، للتأكد من صلاحيتها من الناحية الفنية وبما يضمن سلامة ركاب السيارة فضلاً عن سلامة الآخرين من المارة أو من أصحاب السيارات الأخرى. وهذا يتطلب أن تكون السيارة في حالة سليمة من ناحية الفرامل والإشارات الضوئية مع عدم وجود إصابات في جسم السيارة وضرورة وجود جهاز لإطفاء الحريق، وغير ذلك من الأمور التي لا أعلمها.

والخطوة الأولى في هذه العملية هي أخذ “البصمة”، ويقوم بها فني ميكانيكي لأخذ رقم شاسية السيارة ورقم الموتور، وذلك لضمان عدم وجود تلاعب بتغيير السيارة. والفكرة نبيلة ومعقولة، ولكن أين تجد المسئول عن أخذ “البصمة”؟ وتسأل، فيقال لك “هناك” مع إشارة بالإصبع إلى تجمع من البشر. وتلاحظ أن هناك عدة تجمعات بشرية، وهي تتحرك مجتمعة – كما خلية من النحل – تنتقل من سيارة إلى أخرى. وبطبيعة الأحوال لم يكن صعباً على أن اكتشفت أن هذا التجمع يضم عدداً من طالبي الحصول على “البصمة” الذين يحيطون بالفني الميكانيكي، وهو ينتقل من سيارة إلى أخرى وورائه هذا الرهط من البشر. وفي كل هذا ليس هناك أية فكرة عن الدور أو الأسبقية، فالكل يحيط بالمسئول ويحاول أن يجذبه في اتجاه سيارته، وطبعاً هذا المسئول هو “سيد قراره”، فلا يمكن أن تعرف ما هو المعيار المتبع؟ هل هو ترتيب الوصول، أما أن هناك أولوية للسيدات، أم لغير ذلك من الاعتبارات الإنسانية. وهكذا توجهت إلى واحدة من هذه التجمعات بغرض الوصول إلى المسئول الفني. ولا يحتاج الأمر إلى مواهب خاصة لاكتشاف شخصيته وسط عشرات من طالبي الفحص. فهو لا يتميّز فقط بوجود آثار الشحوم على ملابسه وأيديه وأحياناً على وجهه، إنما هو أيضاً الشخص الذي يتودد له الجميع؛ “من هنا يابا شمهندس”، “من فضلك أنا اتأخرت كثيراً”، وغير ذلك من عبارات التودد والاستعطاف. ولكن المسألة ليست فقط عواطفاً واسترضاء، بل لاحظت أيضاً أن كلاً منهم يدس في يده أو يضع في جيب قميصه “لفافة”، لم يكن من الصعب أن أعرف أنها خمسة جنيهاً وقد كورت في شكل لفافة رفيعة، كما كان يفعل المدخنون في بداية القرن الماضي عند لف السجائر. وبعد أن فهمت “الفولة” قمت بعمل لفافة مكونة من ثلاثة جنيهات فقط، والسبب أنه لم يكن معي ورقة بخمسة جنيهات، كما أنني خشيت أن يؤدي وضع خمس ورقات من ذات الجنيه إلى أن تصبح اللفافة سميكة وبالتالي قد تجتذب الأنظار. فالمفروض أن تتم العملية بشكل شبه خفي. ولكني لا أنكر أيضاً أنه ربما دار في عقلي الباطن أن ثلاثة جنيهات تكفي في عملية لا تستغرق أكثر من ثلاث دقائق خاصة بعد أن ألقيت نظرة على جمهور المنتظرين فأيقنت أن المسئول لن يعان إطلاقاً من الفقر والفاقة، وأن الرزق كثير والحمد لله. المهم أن “البصمة” تمت بسلام. وللإنصاف فإن عملية أخذ البصمة تحتاج إلى بعض الجهد وقدر لا بأس به من المهارة. فهو يضطر إلى الغوص في بطن السيارة ويقوم بأعمال شبه بهلوانية للوصول إليها. وهكذا فإن كل ما يكسبه هو حلال مقابل جهد ومهارة.

المهم، بعد البصمة اتجهت إلى المرحلة التالية من الفحص الفني. وكنت قد تعلمت الدرس واشتريت ملفاً (دوسيه) وبالتالي توافر لي ورقة بخمسة جنيهات، فأعددت “اللفافة”، ولم يثر في خاطري – ولا حتى في عقلي الباطن – أي شك في استحقاق المسئول لهذه اللفافة، فالعمل هنا فني وليس مجرد تسجيل رقم كما كان الحال مع مسئول البصمة. وبعد أن اختفت “اللفافة” بسرعة البرق من خلال حركة عادية من إشارات المسئول – كما الساحر – سألني عما إذا كنت قد “أشرت” على جهاز الإطفاء؟ ولما كنت أجهل أصلاً أنني مضطر لحصول على مثل هذه “التأشيرة”، فإنني اكتفيت بسؤاله، وأين يمكن الحصول على هذه التأشيرة، فأشار إلى أحد المكاتب البعيدة نسبياً، وذهبت ومعي جهاز إطفاء حريق إلى المكان المطلوب، وهو عبارة عن غرفة صغيرة جداً وبها موظف، وبعد دفع الرسوم تمّ “التأشير” على الطفاية مع تحرير إيصال الدفع. ولم يتطلب الأمر أية معاينة. فنظره تكفي – كما في قصص الحب. المهم أنني تأكدت – وكذا الدولة – أنه لا خطر من أي حريق في السيارة. صحيح أن الموظف لم يعاين الطفاية ولكن إصدار إيصال رسمي لابد أنه يعني الكثير. ولا أخفي أنني تساءلت بيني وبين نفسي لماذا تحصل الحكومة رسماً عند استيفاء أحد أسباب السلامة للمواطنين؟ ولكني تذكرت أن معظم هذه الرسوم لا تحصل لحساب خزانة الدولة لتمويل عجز الموازنة الذي زاد في الآونة الأخيرة، وإنما تذهب حصيلته – مثله مثل ما دفعته عن طابع الشرطة – إلى “الصناديق الخاصة” التي تنفق على تحسين الأوضاع المعيشية لبعض موظفي الدولة سواء في شكل مكافآت أو حوافز أو في ترتيبات الاصطياف أو غير ذلك من الخدمات الاجتماعية. فهنيئاً لهم.

وبعد استكمال أسباب السلامة من مخاطر الحريق، رجعت إلى مسئول الفحص الفني، فطلب مني أن أحضر السيارة أمامه، وفهمت أن المقصود طبعاً هو أن يعاين السيارة ويقوم بأعمال الفحص الفني عليها، فذهبت إلى حيث تقف السيارة وكانت تشغل مكاناً ممتازاً، ولكن لابد مما ليس منه بد. وعدت إلى المسئول الفني وتوقفت بالسيارة أمامه تماماً لتسهيل العملية، ولكنه ودون أن ينظر إلى السيارة طلب مني أن أخرج بالسيارة من ساحة إدارة المرور وأن أضعها في الكراج في العمارة المجاورة. وسألته عما إذا كان يريد أن يعاين السيارة قبل أن أخرج بها على النحو الذي أمر به، فقال لي: “اترك الورق، وضع السيارة في الخارج كما ذكرت لك”. وفعلت ما قال. ولكن الكراج الذي نصح به كان بالغ الغرابة فهو سراديب متداخلة وبها أعمدة كثيرة بحيث لا يمكن المرور من خلالها دون وجود مرشد، يوجهك؛ “ارجع إلى الوراء قليلاً” ثم “انحرف يميناً بعض الشيء”. وهكذا تمر من عقبة إلى أخرى إلى أن تستقر بين مجموعة من الأعمدة الخرسانية، ولا تعرف كيف ستخرج منها. وبطبيعة الأحوال سيكون الخروج ميسراً  مع توجيهات المرشد وبعد دفع “المطلوب”، وهو ليس كثيراً: ثلاثة جنيهات أخرى، غالباً ما توزع بينه وبين المسئول عن الفحص الفني على ما أظن، رغم أن بعض الظن إثم. المهم عدت إلى المسئول فوجدت أن الأوراق قد استكملت واستلمتها ممهورة بخاتم الدولة مع توقيع المسئول بأن السيارة سليمة فنياً ولا خطر منها إطلاقاً على المواطنين وكل ذلك دون أن يكلف نفسه مشقة وعناء معاينة السيارة اكتفاء بالأوراق المقدمة، ربما بما فيها “اللفافة”. وطبعاً فإن الفحص الفني “للعبارات” في البحر الأحمر شيء مختلف تماماً!

والآن إلى الخطوة التالية، هي الحصول على شهادة المخالفات، وهنا فإن لي تجربة سابقة. ولذلك فقد ذهبت وأنا مستعد. وكنت منذ ثلاث سنوات قد فوجئت عندما ذكر لي الموظف المسئول بأن قيمة المخالفات المستحقة عليّ هي ثلاثة آلاف جنيه وكسور. فذكرت له أنني أعيش في الخارج ومن غير المتصور أن أكون قد ارتكبت كل هذا المخالفات. فقال لي هل تعترض؟. فقلت نعم. وبعدها بنصف ساعة ذكر لي أن اعتراضي قد قبل، وخفضت المخالفات إلى ألف وخمسمائة جنيه، فقلت له أعترض من جديد، وجاء الاعتراض مفيداً للمرة الثانية، فنزلت المخالفات إلى ثمانمائة وخمسون حينها. فحاولت الاعتراض مرة ثالثة فرفض فدفعت المبلغ المطلوب، ولكني تعلمت درساً. وعندما ذهبت هذه المرة للحصول على شهادة المخالفات كان الدرس مازال عالقاً بذهني. ولذلك فإنه بمجرد أن ذكر لي – هذه المرة – أن المخالفات هي ألف وستمائة جنيه قلت له: إنني أعترض، فإذا به يقول لي فوراً بأنها أصبحت ثلاثمائة وتسعون جنيهاً ونصف الجنيه، وذلك دون أن ينتظر أو حتى يتظاهر بإرسالها إلى موظف آخر لإعادة النظر. وطبعاً لم أجد داعياً لكي أكرر عليه ما ذكرته لزميله منذ ثلاث سنوات، وهي كيف أرتكب 47 مخالفة في حين أنني أقضي معظم وقتي خارج مصر، فمعنى ذلك أنني أعود في إجازتي إلى مصر لمجرد مخالفة قواعد المرور، وحتى بافتراض أن هذا ما هو أفعله، فأين هم رجال المرور الذين يحررون هذه المخالفات؟

كان هذا هو حصيلة اليوم الأول. ولم أجد داعياً لإرهاق القراء بحصيلة اليوم الثاني، ولكنني أود أن أطمئن الجمهور بأن النهاية كانت سعيدة، وحصلت على تجديد الرخصة لثلاث سنوات قادمة، وأرجو مخلصاً ألا أضطر للتعامل من جديد مع إدارات الحكومة في المرور أو في غيرها.   والله أعلم

 الاهرام: 19.3.2006                                                                            

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *