ارتفاع الأسعار ومسئولية الحكومات

كان يخالجني دائماًً شعور متناقض بالنسبة لعلم الاقتصاد. فمن ناحية كنت أشعر بأن الاقتصاد وثيق الصلة بالحياة اليومية للأفراد، و بالتالي، فأن معظم الناس على معرفة معقولة بالمبادئ الأساسية للاقتصاد. فالرجل العادي بل وربات البيوت، يعرفون بالسليقة، أن المصلحة تتطلب محاولة الشراء بأرخص الأسعار، وبالبيع بأعلى الأسعار. فالإنسان بطبيعته يبحث عن مصلحته، والاقتصاد يتعامل مع مصالح الناس، وهم، عادة، أدرى بمصالحهم. ولعله لهذا السبب جاءت إجابة اينشتين – عالم الفيزياء المشهور- عندما سئل لماذا اخترت دراسة الفيزياء ولم تتجه لدراسة الفلسفة أو الاقتصاد مثلاًًَ ؟ فأجاب أن الفلسفة تبدو صعبة ومعقدة، ولذلك فمن الأفضل الابتعاد عنها، أما الاقتصاد فانه بديهي وواضح ولايحتاج إلى دراسة!

 

هذا عن شعوري الأول عن علم الاقتصاد ، ولكني كنت أجد نفسي في أوقات أخرى خاضعاً لشعور مناقض تماماً، وهو أن هناك نقصاً شديدا في معرفة مبادئ الاقتصاد ليس فقط لدى العامة بل أيضا لدى العديد من المسئولين بل ولدى الكثيرين من ذوي الخبرات الواسعة والمتنوعة، وأن معرفتهم عن الاقتصاد كثيرا ماتبدو ساذجة وأحياناً خاطئة تماما،ً ولذلك فإن التذكير بالمبادئ الاقتصادية بين الحين والآخر لا يبدو عبثا كاملا.

 

وفي العصر الحديث توسعت أجهزة وأدوات الإعلام بشكل كبير وأصبح الحديث عن الاقتصاد والمسائل الاقتصادية أحدا الموضوعات العامة التي لا تكاد تخلو صحيفة أو نشرة إذاعية أو حديث تلفزيوني من التعرض لها. وفي بعض الأحيان يكون الحديث الاقتصادي مناقضاً أو منافياً للمبادئ الأولية المستقرة في علم الاقتصاد. وكان أحد هذه الأمثلة ما رأيته مؤخراً على إحدى شاشات التلفزيون.

 

كنت أشاهد – منذ أيام – أحد البرامج التلفزيونية على قناة دريم المصرية وحيث تم استضافة المهندس محمد رشيد وزير التجارة والصناعة. والمهندس رشيد هو أحد الوجوه اللامعة في الوزارة المصرية ويتمتع بقبول كبير لدى الناس فضلا عن ما يملكه من سهولة في التعبير ووضوح الأفكار، وهو يمثل كذلك أحد النماذج المصرية الناجحة في قطاع الإعمال مع تجربة واسعة على المستويين المحلي والدولي. ومع ذلك، ورغم هذه الخلفية المشجعة، فأن بعض تعليقاته في الاقتصاد في هذا اللقاء جاءت مخالفة أحياناً لما هو مستقر في مبادئ علم الاقتصاد.

 

سأل السيد مجدي مهنا- المحاور في البرنامج – الوزير عن ظاهرة ارتفاع الأسعار في مصر وشكوى العامة من هذه الظاهرة. وجاء رد الوزير مشيرا إلى أن هذه الظاهرة إنما ترجع إلى زيادة الطلب في الاقتصاد، وذلك نتيجة للزيادة السكانية من ناحية ولدخول فئات كثيرة من المواطنين إلى أنماط جديدة من الاستهلاك من ناحية أخرى. فارتفاع الأسعار إنما هو تعبير عن اختلال بين الطلب والعرض وبالتالي فإن الحكومات لاتستطيع أن تفعل شيئاً إزاء ظاهرة ارتفاع الأسعار. المسألة هي طلب وعرض. فكما أن أية سلعة ترتفع أسعارها عندما يزيد الطلب عليها، فان ارتفاع الأسعار بشكل عام هو نتيجة للعلاقة بين الطلب والعرض. فعند الوزير لافرق بين ارتفاع ثمن سلعة وبين الارتفاع العام في مستوى الأسعار. في الحالتين الأمر متعلق بزيادة الطلب على العرض. في الحالة الأولى هناك اختلال في علاقة الطلب والعرض في سوق سلعة واحدة، وفي الحالة الثانية هناك اختلال عام في معظم الأسواق. ولعل الوزير أراد أن ينفي بذلك مسئولية الحكومة عن ارتفاع الأسعار فهي تأتي نتيجة لسلوك المستهلكين. فالمسئولية تقع عليهم نتيجة لاقبالهم المتزايد على الاستهلاك، والحكومة بريئة من هذا الأمر.

 

فهل هذا صحيح؟ وهل هذا هو ماتقول به  المبادئ الأولية لعلم الإقتصاد؟ الإجابة السريعة: لا.

 

هناك قاعدة منطقية يطلق عليها ” فساد التعميم ” Fallacy of Composition، والمقصود بها أن هناك حقائق تصدق على حالة كل فرد على حده وذلك دون استثناء، ومع ذلك فإذا تصرف الجميع على شاكلة هذا الفرد،فان تلك الحقيقة لاتتحقق بالنسبة لهم مجتمعين، رغم أنها صحيحة على كل منهم منفرداً. ولنضرب مثالا على ذلك. انظر إلى قاعة واسعة بها صفوف عديدة من المقاعد والجالسين عليها. لاشك أن الجالسين في المقاعد الخلفية لن يرون المنصة بشكل واضح. ولكن إذا وقف أي فرد منهم على الكرسي بدلاً من الجلوس عليه، فان رؤيته للمنصة تتحسن كثيراً. وهذا حقيقة تصدق على كل فرد من الجالسين. الوقوف على الكرسي يعطي صاحبه فرصة أفضل لرؤية المنصة. ومع ذلك فإذا وقف الجميع ، في الصفوف الأمامية كما في الصفوف الخلفية، فوق الكراسي، فأن النتيجة السابقة لن تحقق، ولن تتحسن الرؤية لأي منهم. فنحن هنا بصدد مقولة محققة إذا طبقت على أي فرد من الجالسين ولكنها لا تصلح إذا أخذ بها جميع الأفراد مجتمعين. وهكذا الأمر في حالة ارتفاع الأسعار. فمن الصحيح أنه بالنسبة لأية سلعة على حدة يكون ارتفاع أسعارها نتيجة لزيادة الطلب على هذه السلعة. فهذه مقولة صحيحة تصلح لكل سلعة في الاقتصاد. ولكن الانتقال من هذه النظرة الجزئية إلى الاقتصاد الكلي في مجموعة يفقد المقولة صحتها، ونقع فيما يعرف بفساد التعميم الذي أشرنا إليه.

 

ولذلك فان مبادئ علم الاقتصاد تميز في تناولها لمشكلة الأسعار بين ارتفاع ثمن سلعة وبين الارتفاع في المستوى العام للأسعار. فتتناول قضية ارتفاع ثمن سلعة منفردة فيما يعرف بالأسعار النسبية فينظرية الأثمان أو الاقتصاد الميكرو. أما الارتفاع العام في الأسعار أو التضخم فهو يدرس في نظرية الاقتصاد الكلي أو الاقتصاد الماكرو. فالتغيير في الأسعار النسبية، أي في أسعار سلعة واحدة بالنسبة لباقي السلع مع بقاء مستوى الأسعار مستقراً، أنما يفسر بظروف الطلب والعرض في هذه السلعة، تماماً كما قال السيد الوزير. أما حيث يتعلق الأمر بالمستوى العام للأسعار فأن الأمر فيه لا يرجع إلى مجرد اختلال في ظروف الطلب والعرض النسبية للسلع، وانما إلى تغيرات كلية في الاقتصاد تتوقف على زيادة عرض النقود المتداولة بنسبة تزيد على الزيادة في الإنتاج المتاح. ومن هنا جاء تعريف “التضخم” أو زيادة الأسعار بأنه “ظاهرة كثرة من النقود المتداولة تطارد سلعاً غير كافية”. فالأمر ليس مجرد اختلاف بين طلب وعرض وانما هناك عنصر سيادي جديد هو التوسع في السيولة المعروضة، وهو أمر لايمكن أن يتم بعيداً عن السلطات النقدية والمالية. ولذلك فأن مسئولية ارتفاع الاسعار في أية دولة إنما ترجع إلى  الحكومات بالدرجة الأولى، لأنها المسئولة عن إدارة السياسات المالية والنقدية، وهي السياسات التي يترتب عليها زيادة المعروض من السيولة المتداولة.

 

وإذا كان من الطبيعي أن يزداد عرض النقود المتداولة مع زيادة الإنتاج، فأن هذه الزيادة النقدية لا تؤدي إلى ارتفاع عام في مستوى الأسعار. فالإنتاج الجديد وهو يؤدي إلى زيادة الدخول الموزعة على عناصر الإنتاج، فأن الزيادة في الطلب نتيجة للزيادة في هذه الدخول النقدية سوف يصاحبها زيادة مقابلة من السلع المعروضة، وبالتالي لاترتفع الأسعار. أما الحديث عن ارتفاع المستوى العام للأسعار فهو يشير، عادة، إلى زيادة الدخول النقدية دون زيادة مقابلة في الإنتاج وذلك بدخول عنصر جديد، وهو ضخ سيولة جديدة في الأسواق من غير المنتجين. فالحكومات من خلال سياستها المالية والنقدية تعمل على خلق سيولة جديدة منقطعة الصلة بزيادة الإنتاج، وبالتالي يمكن أن تؤدي إلى أشكال من التضخم. ويشكل عجز الموازنة وأحياناً اختلال موازين المدفوعات عناصر هامة للتأثير في عرض النقود.    

 

ومع ذلك فتبقى الإشارة إلى أن ارتفاع الأسعار قد لا يعود إلى السياسات النقدية والمالية فقط، وانما قد يرجع لاعتبارات متعلقة بالعرض كأن يتأثر الوضع ببعض الاختناقات الداخلية في الاقتصاد. فارتفاع ثمن سلعة إستراتيجية هامة مثل أسعار الطاقة أو حدوث كارثة طبيعية يمكن أن تكون له تأثيرات كبيرة على مستوى الأسعار بشكل عام. كذلك فأن تزايد السيولة المتوافرة في الأسواق يمكن أن يؤدي إلى قيام ظاهرة المضاربة في الأصول وخاصة العقارات والأسهم، الأمر الذي يخلق مناخاً عاماً لارتفاع الأسعار .

 

وبذلك فليس دقيقاً تماماً القول بأن ارتفاع الأسعار في مصر حالياً إنما هو مجرد زيادة في الطلب العام في الاقتصاد. فالصحيح أن هذا يحدث غالباً نتيجة للسياسات النقدية والمالية التوسعية للحكومات التي أدت إلى زيادة التداول النقدي. وقد يكفي في هذا أن ننظر لتطور زيادة عرض النقود في مصر وازدياد حجم العجز في الموازنة خلال السنوات الماضية،  حتى نعرف أسباب ارتفاع الأسعار. كذلك ليس صحيحاً ما يقال بأن ارتفاع الأسعار هو ظاهرة عالمية. حقاً قد  ترتفع أسعار سلعة أو أخرى في الأسواق الدولية، ولكن العالم يعرف حالياً ومنذ عدة سنوات استقراراً كبيرا في مستوى الأسعار. فلا الولايات المتحدة ولا أوربا أو اليابان أو الصين والهند تعاني من التضخم، وحتى دول أمريكا اللاتينية فإنها قد نجحت أيضاً في السيطرة على التضخم، بعد تاريخ طويل من التضخم الجامح.  

 

التضخم وارتفاع المستوى العام للأسعار هي مسؤولية الحكومات بالدرجة الأولى، وهو في حال لم يكن نتيجة لاختناقات مفاجئة كارتفاع أسعار الطاقة أو تدهور محصول رئيسي، فأنه يرجع عادة إلى فشل السياسات المالية والنقدية للحكومات. وتنص معظم قوانين البنوك المركزية في العالم – ومنها مصر – على إن مسؤولية حماية قيمة العملة الوطنية هي أهم مسؤوليات البنوك المركزية. وتشارك الحكومة في هذه المسئولية من خلال مدى سلامة سياستها المالية.

 

وعندما نقول أن حماية استقرار الأسعار هي مسئولية الحكومات، فليس المقصود طبعاً أن تتدخل الحكومات بفرض أسعار إجبارية أو ملاحقة التجار بالإجراءات الأمنية. فقد أثبتت التجربة أن هذه الوسائل تضر بأكثر مما تفيد، وأنها تؤدي عادة إلى ظهور السوق السوداء والانحرافات. ولكن المقصود هو أن تتبع الحكومات سياسات مالية حكيمة دون إسراف مبالغ فيه بنفقات حكومية تجاوز الإيرادات ومع اتباع سياسات نقدية يقظة تضبط الائتمان في أحوال المبالغة في الإنفاق الحكومي وتشجعه في فترات الانكماش.

 

الفشل اقتصادياً في تحقيق استقرار الأسعار وبالتالي في حماية قيمة العملة الوطنية، يعادل الفشل عسكرياً في حماية تراب الوطن. والمسؤولية الاقتصادية الأولى لأي حكومة هي تحقيق توازن معقول بين استقرار قيمة العملة الوطنية وبين معدل مناسب للنمو الاقتصادي في إطار من التوزيع العادل للفرص والأعباء، ودون ذلك فإن نجاحها يصبح موضع شك كبير، أياً كانت الادعاءات. 

 

والله أعلم .

الاهرام 30 سبتمبر 2007

         

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *