استفسارات عن الزكاة

سألتني ابنتي – وهي تعمل ولها دخل – عن بعض أمور الزكاة حيث أنها تقوم بدفع الزكاة لبعض الجمعيات الخيرية، فذكرت لها بأنه رغم أنني درست بعض علوم الشريعة الإسلامية لمدة أربع سنوات في كلية الحقوق، إلا أنني غير قادر على إفادتها عن أحكام الزكاة من الناحية الشرعية. ومع ذلك فنظراً لأن الزكاة هي – بالإضافة إلى أنها ركن من أركان الإسلام – فهي نوع من المشاركة المالية من أبناء الأمة في بعض الأعباء المالية العامة، وبذلك فإنها تقترب من الضرائب، فإنني قد أستطيع أن أعرض عليك بعض المبادئ التي استقرت في هذا الميدان. فقد استطاع الفكر الاقتصادي أن يطور عدداً من المفاهيم الاقتصادية في صدد الضرائب والتي اتضحت معالمها في العصر الحديث ولم تكن كذلك في الماضي، ولذلك فلا بأس من الإشارة إلى بعض هذه المفاهيم.

ولعل المسألة الأولى الجديرة بالإشارة هي وضوح التفرقة بين مفهوم “الدخل” من ناحية، ومفهوم “رأس المال” من ناحية أخرى، ولم تكن هذه التفرقة واضحة تماماً في الماضي. “فرأس المال” أو الثروة هو مصدر الدخل. والدخل هو الإيراد الذي يحصل عليه الفرد (أو المشروع) خلال فترة معينة مقابل مساهمته في العملية الإنتاجية، سواء نتيجة استخدام رأسماله (أي ثروته) أو مشاركته بالعمل سواء أكان عملاً بدنياً أو ذهنياً. ولذلك فإن الاقتصاديين المعاصرين يرون أن العمل الإنساني هو نوع من رأس المال وهو ما يطلق عليه “رأس المال البشري”، من حيث أنه لا يختلف عن رأس المال المادي الذي يولد الدخل أو الريع مثله في ذلك مثل الأراضي الزراعية أو الآلات والمعدات الصناعية. وهكذا فرأس المال – بشرياً كان أو مادياً – هو المصدر الذي تتولد عنه الدخول. والدخل هو الإيراد – أو المنافع – التي يحصل عليها الفرد خلال فترة معينة، سنة مثلاً، أما رأس المال فهو قيمة ثروة الفرد في لحظة معينة.

وتلجأ الدول الحديثة إلى فرض الضرائب على الدخول السنوية للأفراد (والمشروعات)، أما رأس المال نفسه فالأصل أنه لا يخضع للضرائب إلا بالنسبة لما يغله من إيرادات. وفي بعض الأحوال الاستثنائية تفرض ضرائب على رأس المال، كما هو الحال بالنسبة للضرائب على التركات في الدول التي تأخذ بها حيث تفرض الأموال التي تنتقل إلى الورثة، كذلك تفرض بعض الدول ضرائب ليس على رأس المال نفسه وإنما على الزيادة في قيمته عند التصرف فيه للغير، وهي ما تعرف بالضرائب على “الكسب الرأسمالي”. كذلك قد تفرض في ظروف خاصة ضرائب على رأس

المال – عادة لفترات قصيرة – في أحوال الحروب أو الأزمات الشديدة. وإذا كانت هناك ضرائب عقارية تفرض على “الملكية”، فإن ذلك يستند إلى افتراض أساسي وهو أن هذه الملكية العقارية تغل إيراداً سنوياً، ولذلك ترتبط هذه الضرائب عادة بالقيمة الإيجارية للعقار. فالضرائب على الملكية العقارية هي في الحقيقة ضرائب على عوائد الملكية. وهكذا فالمصدر الطبيعي للضرائب هو الدخل سواء فرضت على الدخل مباشرة نتيجة الحصول عليه أو عند إنفاقه بشكل أو آخر على السلع والخدمات وهي ما يعرف بضرائب الإنفاق أو الاستهلاك.

كذلك هناك اتجاه متزايد في الفكر الضريبي الحديث نحو ضرورة تحقيق أكبر قدر من المساواة في المعاملة بين إيرادات عناصر الثروة المختلفة من عقارات أو صناعات مختلفة. ولا ترجع هذه الرغبة فقط إلى اعتبارات العدالة في ضرورة معاملة الأفراد معاملة متساوية طالما أن دخولهم متساوية، وإنما لأنه مع اتساع اقتصاد السوق فهناك فرصاً متاحة للجميع لتبادل هذه الأصول فيما بينها. فمن يملك أرضاً زراعية يستطيع أن بيعها ويشتري بثمنها أسهماً في شركة صناعية أو سياحية. وهكذا فإن الأصول المختلفة تتبادل فيما بينها مما يؤدي إلى تحقيق المساواة بين عوائدها. فلا فرق كبير بين من يحتفظ بأمواله في شكل ودائع في البنك أو بين من يشتري بها أسهماً أو سندات، فكل منها قابل للمبادلة فيما بينها ويتم ذلك في لحظات. وعلى جانب آخر فليس صحيحاً القول بأن النقود المودعة في البنوك هي أموال عاطلة لا يفيد منها الاقتصاد، بل الصحيح أن هذه الأموال موضوعة تحت تصرف المستثمرين الذين يمكنهم الحصول عليها بالاقتراض من البنوك أو بمساهمتها معهم. فهذه الأموال ليست اكتنازاً كما هو الحال بالنسبة للاحتفاظ بالذهب أو الفضة أو حتى بالنسبة للنقود تحت البلاطة، فهذه وحدها أموال تحبس عن التداول وبالتالي لا يفيد منها الاقتصاد القومي. أما النقود المودعة في البنوك فإنها جزء من الدورة الاقتصادية، بل أنها أهم مظاهر الادخار، الذي بدونه لا يمكن القيام باستثمارات جديدة والإضافة لثروة البلد. وأخيراً، فرغم أن الأصل هو المساواة في المعاملة بين الدخول الناجمة عن مختلف أشكال الثروة، فإن ذلك لا يمنع – أحياناً – من إعطاء بعض المزايا لاعتبارات اقتصادية أو اجتماعية مقبولة، مثل تشجيع صناعة معينة أو لتشجيع تعمير منطقة معينة أو حتى لتشجيع الأفراد على تملك مساكنهم الخاصة كما هو الحال في معظم الدول الغربية.

وهكذا يتضح أن الفكر الحديث في قضايا الضرائب يميز بين الدخل ورأس المال،وأن الأصل هو أنه لا تفرض الضرائب إلا على الدخول، ولا تفرض على رؤوس الأموال في ذاتها إلا استثناء. وبالنسبة لأشكال رؤوس الأموال، التي تخضع إيراداتها للضريبة فالأصل أنها تخضع لمعاملة متساوية إلا إذا قامت اعتبارات تتطلب توفير مزايا خاصة لقطاع معين ولأسباب مبررة.

وفي كل هذا فإن الضرائب تدفع للدولة، سواء للسلطة المركزية أو للهيئات المحلية. فالدولة وحدها هي صاحبة الحق في فرض الضرائب وتحصيلها. ويرتبط ذلك بأمور تضمن أن تحصل الضرائب وتنفق على نحو يتفق مع الغرض منها، وهو تحقيق المصلحة العامة. فالدولة تخضع لنظام قانوني للرقابة والإشراف المحاسبي عند تحصيل وإنفاق الضرائب، كما تخضع للمساءلة السياسية من البرلمان للتأكد من سلامة التحصيل والإنفاق.

هذا ما ذكرته لابنتي عن الضرائب. فماذا عن الزكاة؟ هناك أوجه شبه بين الأمرين. فالأصل أن الزكاة تحصل – كما هو حال الضرائب – لبيت المال، أي للدولة. وبذلك هناك فرق بين الزكاة وهي فريضة على كل مسلم وبين الصدقة. فالزكاة تدفع لبيت المال ولها مقاصد محددة فيما تصرف فيه. أما الصدقة فهي حق للمتصدق يقدمها لمن يرى أنه يستحق هذه الصدقة. وليس الأمر كذلك مع الزكاة التي هي حق للمسلمين. وحينما أرادت بعض قبائل العرب – بعد وفاة الرسول عليه السلام – الامتناع عن دفعها “لبيت المال” كما كان الأمر سابقاً، أكّد أبو بكر – رضي الله عنه – على ضرورة دفعها “لبيت المال”، وقامت حروب الردة بسبب ذلك ضد القبائل التي امتنعت عن الدفع لبيت المال. وأصر أبو بكر على موقفه. وخضعت الجزيرة العربية ومن بعدها دولة الإسلام لهذا المنطق، فالزكاة – كالضريبة – واجبة الدفع “لبيت المال”. وفيما يتعلق بأوجه إنفاق من “بيت المال” فقد حددها القرآن. ومع ذلك فقد رأى عمر – رضي الله عنه – أن الإسلام وقد قويت شوكته واستقر أمره بين الناس، فإنه لم يعد في حاجة لدفع سهم “المؤلفة قلوبهم”، وهم المسلمون الذين دخلوا الإسلام حديثاً ولم يزل إسلامهم ضعيفاً. ويطرح موقف عمر بن الخطاب عدداً من التساؤلات. فهو يشير إلى أن تغيير الظروف يتطلب مواءمة في أوجه الإنفاق. وقد كان هذا اجتهاد من عمر. فهل مازال باب الاجتهاد مفتوحاً، أم أنه قاصر على عمر؟

وخلال الأسبوع الأول من شهر رمضان سافرت إلى أبوظبي، ووجدت على نفس الطائرة فضيلة الشيخ الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية. فانتقلت إلى الجلوس إلى جواره. وحدثته عما دار بيني وبين ابنتي، وما ثار في نفسي من أسئلة لم أستطع أن أجد لها جواباً. وتفضل فضيلته فشرح لي بإسهاب مقاصد الزكاة وما تتضمنه نظرة الإسلام من تيسير على العباد. ولكن هذا الحديث الذي دار بيني وبينه ربما يحتاج إلى منبر أوسع حتى تعم الفائدة وحيث يتطلع الكثيرون إلى معرفة حكم الشرع في ظل الأوضاع الحالية.

فنحن نعيش في دولة يعلن دستورها أنها دولة إسلامية، وهي تحصل الضرائب من المواطنين. فهل تقوم هذه الضرائب – بالنسبة للمسلم – مقام الزكاة؟ أم أن الزكاة مازالت واجبة على العباد؟ وإذا كان الأمر كذلك، فقد كانت الزكاة تدفع في دولة الإسلام” لبيت المال”، فلمن تدفع الزكاة الآن؟ ومن هو “بيت المال” حالياً؟ هل هي الدولة؟ وهل يمكن أن يقوم بدور “بيت المال” أي شخص أو مؤسسة لفعل الخير أم أن هناك حاجة إلى التدخل لتنظيم هذه العملية؟ وهل أصبحت الزكاة مثل الصدقة تدفع مباشرة للمحتاجين والفقراء والمساكين؟ وبعبارة أخرى أين موقع الزكاة من الدولة، وأين موقع الدولة من الزكاة؟ كذلك هناك تساؤل عما إذا كانت الزكاة تدفع عن رأس المال أو عن الدخل (الثمار) أو عن كلاهما؟ وهل يشمل ذلك كل أشكال رؤوس الأموال والدخول أم بعض منها؟ وهل تفرض بنفس المقدار على كل منها؟ وسؤال آخر هل هناك حاجة إلى أعمال العقل والقياس في مجال الزكاة بصفة عامة – كما فعل عمر بن الخطاب بالنسبة للمؤلفة قلوبهم – أم أن هذا استثناء قد أبيح له وحده دون غيره من المجتهدين؟

هذه وغيرها أسئلة تشغل بال الكثيرين – ومنهم ابنتي – وتحتاج إلى إجابات واضحة من ذوي العلم والاختصاص. والله أعلم

 الاهرام: 13.10.2005                                                                         

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *