استفسارات عن حالة الطوارئ

استمرت قوانين الطوارئ في مصر لما يقرب من ثلاثين عاماً، وتتداول الأخبار عن الاتجاه نحو تجديدها لسنتين أو ثلاثة قادمة. ومشكلتنا مع الأحكام العُرفية وقوانين الطوارئ لا تتوقف عند الثلاثين عاماً الماضية بل تمتد إلى ما يقرب من سبعين عاماً سابقاً. فقد بدأ فرض الأحكام العُرفية في مصر ـ في العصر الحديث ـ في 1939 عند قيام الحرب العالمية الثانية، واستمرت بعد نهاية الحرب، ولم ترفع إلا في 1950 لإجراء انتخابات جديدة. وفي 26 يناير 1952 وقع حريق القاهرة، وفرضت الأحكام العرفية من جديد، وبعدها بستة أشهر قامت الثورة في يوليو من نفس العام واستمرت هذه الأوضاع بطبيعة الأحوال. ولم ترفع هذه الحالة الاستثنائية إلا لفترة قصيرة في عهد الرئيس الراحل أنور السادات ثم أُعيدت بعد حادث اغتياله، وهي تجدد من يومها وحتى الآن.

ففي خلال السبعين عاماً الماضية لم تنعم مصر بالخضوع للقوانين العادية إلا لفترة لا تتجاوز الأربعة سنوات، وطوال هذه المدة كانت مصر ـ وما تزال ـ خاضعة للأحكام الاستثنائية تحت سلطة الحاكم العسكري وحيث تتوقف الضمانات الدستورية لحماية حقوق المواطن وحرياته الأساسية. وهذا مثال فريد وغريب بين الأُمم، ولا بد له من أسباب مبررة. وهذا هو موضوع مقالنا اليوم. لماذا الطوارئ في مصر طوال هذه المدة؟ وهل بمصر والمصريين شذوذ يبرر هذا الخروج عن المألوف؟

من المفهوم والمقبول أن يتعطل العمل مؤقتاً ببعض أحكام الدستور والقوانين العادية ـ لظروف قاهرة واستثنائية ـ لمصالح عُليا قد تكون مهددةً. ولكن غير المفهوم هو أن تستمر هذه الحالة الاستثنائية لما يقرب من سبعين سنة. فالمعروف أن الدستور هو السياج الأول لحماية حقوق المواطن وحرياته الأساسية، وبالتالي لا يجوز الخروج عليها إلا لضرورة قصوى. كذلك فأن القوانين العادية تنظم كيفية ممارسة هذه الحقوق والحريات في الظروف الطبيعية. ومع ذلك فهناك ـ استثناء ـ ظروف طارئة مثل الحروب والقلاقل والاضطرابات المحلية أو انتشار الأوبئة أو وقوع كوارث طبيعية أو تهديدات عسكرية من جار أو عدو، مما يتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة وسريعة لا تتقبلها الأوضاع العادية، أو اتخاذ تدابير احترازية لمنع المخاطر في مثل هذه الظروف الاستثنائية وبما يخرج عن الضمانات الدستورية والقانونية في ظل الأوضاع العادية. لذلك تعرف جميع الدول ـ بلا استثناء ـ مفهوم فرض الأحكام العُرفية أو قوانين الطوارئ أو القوانين الاستثنائية لمواجهة مثل هذه الأوضاع الخطرة وغير العادية والمؤقتة. وهنا يلزم أن يكون الاستثناء مؤقتاً ومرتبطاً بوجود هذه الأوضاع الشاذة. أما استمرار الأحكام الاستثنائية لحوالي سبعين عاماً، فهذا أمر لا سابقة له في التاريخ الحديث بين الدول. ولا بد أن يكون لنا في مصر من الأسباب ما يبرر ذلك، وهو ما يحتاج إلى تفسير وتوضيح.

عندما فرضت الأحكام العُرفية لأول مرة ـ في تاريخنا المعاصر ـ في 1939 كانت هناك حرب عالمية، وكان الاحتلال البريطاني ـ أحد أطراف هذه الحرب ـ في مواجهة مع دول المحور (ألمانيا وإيطاليا). وكانت القوات الإيطالية تستقر في ليبيا على حدود مصر، وبعدها جاء رومل بقواته الألمانية وهدد الجبهة الغربية للبلاد. وبذلك فقد كان من المفهوم أن تفرض الأحكام العرفية من جانب المحتل البريطاني لأسباب متعلقة بأمنه ووجوده على الأراضي المصرية. وعند انتهاء الحرب العالمية الثانية قتل رئيس الوزراء (أحمد ماهر) وبدأنا المفاوضات لإجلاء البريطانيين مع بداية المقاومة الوطنية. ثم قامت حرب فلسطين 1948 واشتركت فيها القوات المصرية، وكان هناك عدو رابص على الجبهة الشرقية، وقتل رئيس آخر للوزراء (النقراشي). وفي 1950 وقبل إجراء انتخابات جديدة رأت الحكومة القائمة إلغاء الأحكام العُرفية لإجراء الانتخابات في جو من النزاهة. وبالفعل اجريت الانتخابات وأُعيد انتخاب حزب الوفد وشكلت الحكومة الوفدية. وفي 26 يناير 1952 قام حريق القاهرة، وفرضت الأحكام العُرفية من جديد، وبعدها قامت الثورة في يوليو من نفس السنة. وقد كان من الطبيعي أن تؤمن الثورة نفسها، فاستمرت الأحكام العُرفية. ثم بدأت سلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية على غزة في 1954 وقامت حرب السويس في 1956، وأخرى في 1967 وبعدها شنت مصر حرباً جديدة للتحرير في 1973. وهكذا استمر الوضع قلقاً على الحدود الشرقية مع حروب مستمرة ومتقطعة. وأخيراً عقد الصلح مع دولة إسرائيل وانتهت حالة الحرب معها وعقد اتفاق للسلام في 1979، وفي السنوات الأخيرة من حكم الرئيس الراحل السادات تم رفع الأحكام العُرفية. وبعد اغتياله في 1981 أُعيد فرض قانون الطوارئ ـ بعد تغيير اسم الأحكام العُرفية إلى قانون الطوارئ ـ واستمرت حتى يومنا.

 وقد عرفت البلاد في إثر حادث اغتيال السادات موجة من عمليات الإرهاب بالاعتداء على بعض السياسيين أو بتفجير مراكز حيوية لتجمع الناس أو السياح. واستطاعت أجهزة الأمن ـ مع الدعم الشعبي ـ إيقاف عمليات الإرهاب بحيث لم نسمع عن عملية إرهابية منذ عدة سنوات، مع تأكيد متكرر من معظم التنظيمات الإسلامية ـ والتي كانت تدعم بعض هذه العمليات ـ برفضها أسلوب العنف ونبذها لعمليات الإرهاب بكافة أشكالها. وبالفعل نعمت البلاد باستقرار كبير تفاخر به الحكومة ـ وبحق ـ مقارنة بدول أُخرى قريبة وبعيدة عرفت أشكالاً متعددة ومستمرة من الإرهاب وعدم الاستقرار. ومع هذا النجاح كان المتوقع، أن تضع الحكومة حداً لاستمرار أحكام الطوارئ والعودة إلى الأوضاع الطبيعية. ولكن هذا لم يحدث. والسؤال لماذا؟

لا بأس من استمرار هذه الحالة الاستثنائية إذا كان هناك ما يبررها، وهو ما لا يبدو واضحاً. ويقال كثيراً من جانب الحكومة أن قوانين الطوارئ لا تستخدم إلا في مواجهة الإرهاب وتجار المخدرات، بما يفيد ـ ضمناً ـ أن السبب في استمرار العمل بهذا القوانين الاستثنائية، هو مواجهة مشكلتي الإرهاب والمخدرات. وهنا يثور التساؤل، هل هذا كاف، وهل هو مقنع؟

وقبل أن نناقش هاذين الأمرين، فهناك تساؤل شكلي، إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لاينص صراحة عند تجديد العمل بقوانين الطوارئ على أن هذه الأحكام الاستثنائية لا تسري إلا في حالات الإرهاب وتجارة المخدرات، وذلك تحت رقابة وإشراف القضاء. وبذلك لا تصبح أحكام قوانين الطوارئ مسلطة على رقاب البشر خارج هاذين المجالين. ربما يؤدي مثل هذا القيد إلى إقناع المواطنين بأن المبرر الذي تسوقه الحكومة لتجديد قوانين الطوارئ، هو مبرر صحيح وصادق وليس إدعاء لفظياً.

ولنعد لمناقشة قضايا الإرهاب والمخدرات ومدى حاجتها إلى قوانين استثنائية. فأما عن الإرهاب فهناك مشكلة أمام الحكومة لتبرير موقفها. لقد مضى على آخر عملية إرهابية كبيرة عدة سنوات، فكيف  يمكن التوفيق بين القول بأننا نواجه مشكلة إرهاب، في حين أن عمليات الإرهاب قد انتهت عملياً ـ فيما يبدو ـ منذ عدة سنوات حتى الآن. وفي خلال السنوات الأخيرة لم تقع عمليات إرهاب كبيرة؛ صحيح أن المريض قد يبدو أنه شفي من المرض ويغادر الفراش، فإذا به ينتكس بعد فترة من جديد. ولكن هل بعد سنوات من الهدوء، وبعد أن أعلنت معظم التنظيمات، التي كانت تؤمن بأساليب العنف أنها نبذت كل هذه الأساليب، وبعد أن رأينا عشرات الكتب ودعاوى المراجعة بل والتوبة، هل ما زلنا نعيش في نفس الظروف؟. فهل ما تزال مخاطر الإرهاب قائمة؟ وإذا كانت سنوات من الهدوء الكامل غير كافية للاطمئنان، فما هي المدة المناسبة في نظر الحكومة للاطمئنان بأن بؤر الإرهاب النائمة لن تعود؟ ألا يوجد حد زمني للاطمئنان؟ نريد إجابة واضحة.

وقضية الإرهاب لم تعد قضية مصرية بحت فهي قضية دولية عامة. فقد واجهتها أمريكا وإنجلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا واندونيسيا والهند وغيرها. ولم نسمع أن أياً منهم فرض الأحكام العُرفية أو قوانين الطوارئ. ولنفرض أن هناك فئة ضالة مازالت مؤمنة بفلسفة العنف، فهل من المنطقي والمعقول أن ترهن حقوق وحريات الشعب المصري كله بسبب هذه الفئة المحدودة. ورغم ما ننفقه على أجهزة الأمن من المال والعتاد، هل ما زال جهاز الأمن عاجزاً عن توفير أمن البلاد والمواطنين في ظل احترام الحقوق والحريات الأساسية كما يضمنها الدستور والقوانين العادية؟ ألا تستطيع أجهزة الأمن القيام بوظائفها دون أحكام الطوارئ؟ هذه أسئلة هامة ربما تستحق أيضاً إجابات من الحكومة.

وننتقل الآن إلى قضية المخدرات. يواجه العالم كله ـ وليس مصر وحدها ـ مشكلة المخدرات كما مشاكل غسيل الأموال والفساد وتجارة الرقيق الأبيض وغيرها من مشاكل العصر. ولم نسمع أن دولاً أُخرى تفرض أحكام الطوارئ لمواجهة مثل هذه المشاكل الكبرى التي تعكر صفو الأمن والسلام والاستقرار الاجتماعي. فلماذا مصر وحدها ـ من دون دول العالم ـ هي التي تفرض أحكام الطوارئ لمواجهة هذه المشكلة. قد يصبح الأمر يصبح أكثر استساغة، إذا كانت مصر ـ وحدها دون دول العالم ـ قد نجحت في القضاء على ظاهرة المخدرات بسبب نهجها المتميز باستخدام قوانين الطوارئ لمواجهة هذه المشكلة. ففي هذه الحالة كان يمكن أن نقول، أُنظر لقد نجحنا ـ وحدنا ـ في تطهير البلاد من المخدرات بفضل سياستنا ـ غير التقليدية ـ في مواجهة مشكلة المخدرات، وذلك لأننا وحدنا استخدمنا قوانين الطوارئ. ربما لو حدث ذلك لكانت حجتنا أكثر إقناعاً، ولأصبح العلاج المصري لمشكلة المخدرات ـ بقوانين الطوارئ ـ اختراعاً محلياً يجب تعميمه على الدول الأُخرى. للأسف لم ينجح هذا العلاج المصري. فالمخدرات ما زالت مشكلة قائمة في مصر مع قوانين الطوارئ وبغيرها. وهناك من يدعي أن مشكلة المخدرات قد تفاقمت وتعمقت في مصر بل وأصبح عدد من روادها يشغلون مقاعد في المجالس النيابية. وإذا أخبرنا وزير الداخلية غداً، بأن هذا ليس صحيحاً، فقد نجحت قوانين الطوارئ في القضاء على المخدرات في مصر، لصفقنا له شاكرين. وإن كنا سوف نطلب منه في هذه الحالة إلغاء حالة الطوارئ ما دامت المشكلة قد حلت. أما إذا ابلغنا أن المشكلة ما تزال قائمة رغم قوانين الطوارئ. فإننا نتساءل إذا اتبع المريض العلاج واستخدم الدواء الموصوف لأكثر من ثلاثين عاماً دون القضاء على المرض، أليس من الطبيعي أن يتساءل المرء عن جدوى الدواء و ربما ظهرت الحاجة إلى تغييره، إن لم يكن تغيير الطبيب نفسه!

مشكلة قوانين الطوارئ مع دعاوى مكافحة الإرهاب والمخدرات هو أنها غير مقنعة. هناك مشكلة منطقية. فإذا كان الإدعاء صحيحاً وأن هذه القوانين ضرورية للقضاء على الإرهاب والمخدرات ونجحت في ذلك في الثلاثين عاماً الماضية، فإننا لن نكون في حاجة إلى هذه القوانين الآن لنجاحها في أداء وظائفها. أما إذا فشلت هذه القوانين في العلاج بعد هذه الفترة الطويلة، فإننا لسنا في حاجة لدواء ثبت عدم جواه، والأولى أن نفتش عن أساليب أُخرى للعلاج.

استمرار قوانين الطوارئ في مصر لما يقرب من ثلاثين عاماً في هذه الموجة الثانية وبعد أكثر من ثلاثين سنة سابقة منذ بداية الحرب العالمية الثانية، وصمة عار ينبغي العمل على إصلاحها. وقد وعد الرئيس مبارك بإلغاء حالة الطوارئ، وحان الوقت للوفاء بالوعد.     والله أعلم

المصري اليوم: 1 أبريل 2010

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *