الإدارة الاقتصادية بين الكم والكيف

كثيراً ما يقال أن الفارق بين الدول أو المؤسسات الناجحة وتلك الفاشلة هو عنصر الإدارة. فالإدارة السليمة تحقق النجاح والتقدم والرقي ويحدث العكس تماماً في حالة الإدارة الفاشلة. فالإدارة هي سر النجاح والفشل. ويصدق ذلك على الإدارة الاقتصادية للمشروعات أو الثقافية للمدارس والجامعات وغيرها من الميادين. فما هي هذه الإدارة؟ وهل هي “علم” يدرس في الجامعات ويتوقف على الدراسة الأكاديمية المنهجية، أم هي أقرب إلى “الفن” تعتمد على التجربة والخبرة والممارسة، إن لم يكن على الاستعداد الشخصي؟ هذه كلها أسئلة هامة تستحق المناقشة.

ولا أدعي تخصصاً علمياً أو معرفة كافية بقضايا “الإدارة” بشكل عام، وإن كنت أقرب إلى معرفة ما يدور في المجال الاقتصادي وخاصة فيما يتعلق بإدارة المشروعات الاقتصادية. والسؤال، ما هو معيار النجاح في إدارة المشروعات الاقتصادية، وكيف تتحقق الإدارة الاقتصادية الناجحة في ظل اقتصاد السوق؟

لم تكن “الإدارة” تخصصاً أكاديمياً في معظم جامعات الدول ـ باستثناء الولايات المتحدة ـ حتى منتصف القرن العشرين حين أصبحت، وخاصةً منذ الربع الأخير من ذلك القرن، أحد أهم مراكز الجذب للشباب الأكثر طموحاً فيما يعرف بمعاهد إدارة الأعمال، وحيث أصبحت شهادة “الماجستير في إدارة الأعمال” (MBA) جواز المرور للارتقاء إلى مركز الإدارة العليا في معظم الشركات والمؤسسات والتي يحصل عليها ليس فقط المتخصصون في علوم الإدارة وإنما أيضاً الطامحون في المراكز العليا من المهندسين والأطباء ورجال البنوك والمؤسسات المالية وغيرهم.

نعرف أن هناك انبهاراً ـ إن لم يكن هوساً ـ بالأرقام والقياس بشكل عام وبكل ما يمكن التعبير عنه في شكل معادلات رياضية. فالعلم، في نظر العديدين، هو تعامل مع كميات قابلة للقياس وبحيث يمكن التعبير عنها رياضياً. فالرياضيات والفيزياء ـ وهي قمة العلوم الطبيعية ـ تتناول علاقات كمية بين متغيرات يمكن قياسها بوحدات القياس المناسبة. ومن هنا قيل بأن “العلم هو ما يقبل القياس”. ومع ذلك فقد يكون من المناسب أن نتذكر أن أينشتين ـ وهو من هو بين علماء الفيزياء ـ كان يجلس في مكتبه في جامعة برنستون، وقد علقت على الحائط خلفه لوحة كتب عليها “ليس كل ما له قيمة يمكن قياسه، كما ليس كل ما يقاس له قيمة”.

وإذا كانت الجامعات الأمريكية هي أول من وجه العناية لدراسة علوم الإدارة، فالسبب في ذلك يرجع إلى طبيعة الأمريكيين العملية. فالجامعة عندهم ليست مكاناًَ فقط للدراسات النظرية أو المضاربات الفكرية، بل أن الجامعة يجب أن تساعد أيضاً على زيادة الكفاءة في التطبيقات العلمية. ومن هنا بدأ العديد من رجال الأعمال الأمريكيين يقدمون المنح والعطايا لإنشاء معاهد لتعليم كيفية إدارة الأعمال. وبذلك بدأ ظهور علوم الإدارة في الجامعات الأمريكية. وقد صادف أيضاً أن كانت الولايات المتحدة هي موطن فريدريك تايلور Taylor الذي دافع عن مفهوم “الإدارة العلمية” Scientific Management بغرض زيادة الكفاءة الإنتاجية. وكانت أفكار تيلور قد ساعدت على انتشار تقسيم العمل الفني في الصناعة والتوسع في استخدام “خطوط الإنتاج”، والتي نجح هنري فورد في تطبيقها في صناعة السيارات. وجاءت التيلورية الجديدة بالتأكيد ليس فقط على أهمية تقسيم الأعمال وتنميطها بل بجعلها قابلة للقياس. فأنت “لاتستطيع أن تدير ما لايمكن قياسه”. ومن هنا اتجهت أساليب إدارة الأعمال إلى محاولة اختصار العملية الإنتاجية في سلسلة من الأعمال القابلة للقياس. ونظراً لأن أفضل وسيلة للقياس هي ترجمة هذه العمليات في شكل نقدي كما تظهر في البيانات المحاسبية للمشروعات سواء في حساب الميزانية أو حساب الأرباح والخسائر، فقد أصبحت الأداة الرئيسية للإدارة الحديثة هي مراقبة الحسابات المالية للمشروع والعمل على تحسين الأداء المالي له. فإدارة المشروع أصبحت ـ في التحليل النهائي ـ على يد المديرين الجدد ـ هي إدارة مالية للمشروع. وقد ذهبت بعض مدارس علوم الإدارة مثل ما عرف “بمصفوفة بوسطن” Boston Matrix إلى أن وظيفة “الإدارة” في أي مشروع هي توزيع أوجه النشاط بين ما يعرف “بالنجوم” و”البقر”، و”الكلاب”. فأما “النجوم” فهي تلك الفروع الإنتاجية الواعدة في المشروع والتي لم تستنفد بعد إمكانياتها وأمامها مستقبل للنجاح والتوسع، وهذه تحتاج إلى المساندة والاستثمار فيها. وأما “البقر” الحلوب، فهي الفروع الناجحة فعلاً ولكنها لاتتوقع مزيداً من النمو في المستقبل، وهذه تستحلب ـ كما البقر ـ لتمويل التوسع والاستثمار في أنشطة “النجوم”. وأخيراً فإن “الكلاب” هي الفروع الإنتاجية التي بدأت في الخسارة والتي يجب التخلص منها بأسرع وقت. وهكذا تتحدد إستراتيجية الإدارة بالاستثمار في “النجوم”، مع استغلال “البقر” لتمويل “النجوم”، ثم التخلص من “الكلاب”. وهذه هي وظيفة المدير الناجح وفقاً لهذه المدرسة.

وإلى جانب الهوس “بالأرقام” في الإدارة الحديثة، فإن العقيدة الراسخة لدى هذه المدرسة هي أن “الإدارة” علم، وأن أساليبها تصلح، بالتالي، لأي مشروع بصرف النظر عن طبيعة الإنتاج في هذا المشروع. “فالإدارة” هي الإدارة، لها متخصصون لديهم القدرة على إدارة مشروع للصلب كما مشروع لإنتاج المواد الغذائية أو مشروع للدعاية والإعلام. ومن هنا ظهرت فئة جديدة من المديرين “المحمولين” Mobile،مثل التليفون المحمول، حيث يستطيع المدير أن ينتقل من رئاسة شركة في فرع إنتاجي إلى شركة في فرع آخر، فاختصاصه الحقيقي هو إدارة أرقام الميزانية وحساب الأرباح والخسائر، والسعي لتحقيق الأرباح، وهي أمور لاتكاد تختلف من شركة إلى أخرى. فهناك متخصصون في الإدارة الذين ينجحون في إدارة أي مشروع، وبنفس الكفاءة. فيكفي أن يكون المدير حاصلاً على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال (MBA) من الجامعات المشهورة للقيام بهذه الوظيفة في أي مكان.

وفي كتاب حديث صدر في الولايات المتحدة بعنوان “هبة البيوريتان”  The Puritan Gift. يذهب المؤلفان إلى أن مشكلة الاقتصاد الأمريكي الحالية ترجع إلى فشل الإدارة الاقتصادية خلال الأربعين سنة الماضية. ووفقاً لهذا الكتاب، فإن العصر الذهبي للصناعة الأمريكية بدأ في السبعينات من القرن التاسع عشر وحتى نهاية الستينات من القرن العشرين، وخاصة خلال الخمسين سنة من 1920 وحتى 1970، وبعدها فقدت هذه الصناعة ريادتها وتفوقت عليها الإدارة اليابانية. ويرجع الكتاب هذا التدهور في الصناعة الأمريكية إلى غلبة مفهوم “الإدارة الحديثة” والتي تركز على الجوانب المالية، مع تجاهل شبه تام للاعتبارات التكنولوجية. ويبرز الكتاب حنينه إلى التقاليد البيوريتانية الموروثة مع المهاجرين الأوائل، وهي تتلخص في مجموعة متكاملة من القيم التي ضاعت مع أساليب الإدارة الحديثة. ويلخص الكتاب تلك التقاليد في “وازع ديني” يحدد الهدف من الهجرة في إقامة “مملكة الله على الأرض” حيث النجاح المادي دليل على رضاء الرب، مع “رادع أخلاقي” يرى أن المصلحة الفردية يجب ألاتطغى على المصلحة العامة للجماعة، ومع التأكيد على ضرورة الانغماس في ممارسة النشاط الإنتاجي و”الغوص في أساليب التكنولوجيا” والسيطرة عليها، وأخيراً في النزوع إلى “الحرص” وعدم البذخ في الإنفاق. وهكذا قامت الصناعة الأمريكية على أكتاف أفراد تجمعت لديهم هذه النظرة الكلية لعملية الإدارة. وهذا ما عرفته إدارة شركة فورد، ودي بونت، وكارنجي، وشركة بنسلفانيا للسكك الحديدية، وجنرال إلكتريك، وكوكا كولا وغيرها. ففي جميع هذه الأمثلة كانت الإدارة في أيدي أبناء هذه الشركات الذين عايشوا وتدرجوا في مختلف مناصب مؤسساتهم، وكانوا من الممارسين والعارفين بمشاكل الصناعة التي يعملون بها، وبوجه خاص بتفاصيل التكنولوجيا المستخدمة وأسرارها ومجالات تطورها.

ومنذ نهاية الخمسينات بدأ هذا النمط للإدارة يتراجع ويتزايد الاعتماد على كفاءات متخصصة في “أعمال الإدارة” دون أن تكون لهم تجربة مباشرة مع طبيعة الصناعة. فمنذ 1958 بدأت جنرال إلكتريك وجنرال موتورز في استخدام مديرين متخصصين في الإدارة المالية من خريجي أشهر مدارس إدارة الأعمال. وجاء تركيز هذه الإدارات الجديدة على الأرقام، وهي بالضرورة الاعتبارات المالية في المصروفات والإيرادات والربح والخسارة. وأصبحت المشكلة هي تعظيم “الأرقام” وليس تعظيم “الجودة” في المنتج، على عكس الحال مع تقاليد الإدارات القديمة والتي تلخصها العبارة المكتوبة على لوحة حائط ترسانة بناء السفن في فيرجينيا “بأننا سوف نبني سفناً جيدة مع تحقيق الأرباح إن أمكن، ومع تحمل الخسائر إذا اضطررنا لذلك”. فالجودة هي المعيار لدى الإدارة التقليدية. وهكذا فقدت الإدارات الجديدة فرصة الارتقاء بالجودة، وبالتالي فقدت أسواقها في المدة الطويلة وإن حققت أرباحاً في المدة القصيرة. وتركز اهتمام الإدارة الحديثة على تطوير “الهندسة المالية” بدلاً من الاهتمام “بالهندسة التقليدية” وتطوير التكنولوجيا. فشركة جنرال إلكتريك والتي كانت تسجل أكبر عدد من براءات الاختراع في الستينات تراجعت إلى المرتبة العشرين في نهاية القرن العشرين حيث جاءت الشركات اليابانية إلى المقدمة. وشركة بنسلفانيا للسكك الحديدية والتي كانت أهم معاقل التطور التكنولوجي حتى منتصف القرن الماضي، بدأت في اختيار المديرين الماليين في بداية الستينات ثم أعلنت إفلاسها في 1970. وبالمثل فإن شركة AT&T والتي كانت رائدة صناعة وتطوير التليفون، فوتت على نفسها فرصة الدخول في صناعة التليفون المحمول لأنها اعتمدت على تقارير المستشارين الماليين (في شركة ماكنزي) الذين نصحوا الشركة بعدم الدخول في هذا المجال “غير المربح” حيث تنبأ المستشارون بألا يزيد عدد المستخدمين لهذا النوع الجديد من التليفونات على مليون فرد في عام 2000، في الوقت الذي بلغ فيه عدد المستخدمين له في هذا التاريخ 741 مليون فرد. كذلك خسرت شركة IBMالسباق في مجال تطوير البرامج، عندما فضلت الاعتماد على الموردين الخارجيين توفيراً للمصاريف، وأعطت العقد لشركة مغمورة اسمها “ميكروسوفت”، وتراجعت IBM وأصبحت ميكروسوفت إحدى أكبر الشركات العالمية.

لاغنى عن الإدارة المالية في الإدارة الحديثة، كما لايمكن التجاوز عن أرقام المصروفات والإيرادات، فضلاً عن أن الأرباح هي أحد أهم المؤشرات في الإدارة الناجحة. ولكن تعظيم الأرقام وحده غير كاف. هناك أمور أخرى هي صلب أو جوهر التقدم الصناعي وفي مقدمتها التطوير التكنولوجي، والاهتمام بالجوانب الإنسانية من حيث خلق الشعور بالولاء والأمانة والرغبة في التجديد والإبداع لدى العاملين، وغير ذلك مما لايظهر دائماً في أرقام الميزانية أو حساب الأرباح والخسائر. تعظيم الأرقام وحده لايكفي، ولابد من تعظيم الجودة. شهادةMBA  تساعد كثيراً، ولكنها، وحدها لاتخلق المدير الناجح. فلامناص للإدارة من معرفة أسرار الصناعة ومن التجربة والخبرة المتراكمة والموهبة أيضاً.

الأهرام: 17 أكتوبر 2010

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *