الإصلاح السياسي: بين سياسة الصدمة أو التدرج

لا بأس أن نبدأ بالتذكر ببعض البدهيات والأصول، فما أسهل أن نتناسى هذه الأصول وتلك البدهيات لكي نتوه في التفاصيل والفروع. وفي هذا السياق من البدهيات، يثور التساؤل الأول، لماذا المطالبة أصلاً بالإصلاح؟ والإجابة السريعة، هي أن “الواقع القائم لم يعد صالحاً وأننا نرى بأعيننا أن الأحوال ليست على ما يرام، ولذلك فإن هناك حاجة للتغيير. والسؤال الثاني، هو إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يحدث الإصلاح ما دامت الأحوال ليست على ما يرام وأن هناك ضرورة للتغيير؟ والإجابة السريعة هنا هي أن الإجابة السريعة على السؤال الأول لم تكن دقيقة تماماً، فإذا كان الواقع القائم ليس على ما يرام، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للجميع، بل هناك من يستفيد من هذا الواقع ويرى أنه يحقق فيه أحسن الظروف. فقد يكون صحيحاً أن الوضع القائم لم يعد صالحاً بالنسبة للبعض أو حتى بالنسبة للأغلبية الساحقة، ولكنه قطعاً مفيد ومناسب للبعض وإن كانوا أقلية، فاستمرار الأوضاع – مهما تكن سيئة – إنما يعني أن هناك أطرافاً تفيد من هذه الأوضاع السيئة.

وهكذا نجد أن الخلاف حول الإصلاح ليس خلافاً فكريا أو فلسفياً بل هو خلاف حول المصالح. فهناك من يفيد من الأوضاع القائمة ولذلك يعمل على استمرارها، إن لم يكن تأبيدها، وهناك من يرى أنها في غير صالحه ولذلك يطالب بتعديلها وتغييرها باسم الإصلاح، وفي هذا الصراع بين المصالح المتضاربة تتعدد أساليب وتكتيكات المواجهة بين الفريقين. فعندما تكون الظروف مناسبة فقد يلجأ أحد الطرفين أو كلاهما إلى الأساليب العنيفة. كأن تلجأ السلطات الحاكمة إلى استخدام القمع البوليسي لكل مطالبه للتغيير باعتبارها تهديداً للأمن والاستقرار، كما قد تلجأ قوى المعارضة إلى أساليب المظاهرات والإضرابات وأحياناً العنف والإرهاب باسم المطالبة بالحرية. وكل من الطرفين يستخدم ما لديه من أساليب للعنف لإسكات الطرف الآخر. ولكن الظروف لا تسمح دائماً باستخدام هذه الأساليب العنيفة، ومن هنا تبدأ الأساليب الناعمة في الحوار، واستخدام الحجج والحجج المضادة. فترفع شعارات أن دعوات “التغيير” هي دعوات مشبوهة مستوردة من الخارج لزعزعة الاستقرار أو أنها تتعارض مع ثقافتنا وهويتنا الخاصة. وبالمقابل يؤكد أنصار التغيير أنهم يطالبون بالحرية والمساواة وإنهاء احتكار السلطة وربما يؤكدون أيضاً أن هذا هو سبيل الإصلاح الاقتصادي وزيادة معدلات النمو والاستثمار.

وفي هذه المرحلة من المواجهة بين أنصار “الوضع القائم” وبين أنصار “التغيير” نجد أن الحوار في مصر قد انتهي إلى الاعتراف بضرورة التغيير، وذلك نتيجة لتزايد الضغوط الداخلية والخارجية، وأصبحت المسألة هي “كيف يتم التغيير؟”، بسرعة وفجأة أو بالتدرج. فالخطاب السائد هو أنه لا خلاف على “المبدأ”، وإنما الخلاف فقط على “الأسلوب”. وقد يبدو ذلك انتصاراً في لفريق “التغيير” وتراجعاً لفريق “الوضع القائم”. وهذا صحيح، ولكنه مجرد انتصار في معركة وليست نصراً في الحرب، فهو قد يكون مجرد انتصار تكتيكي وتراجع مؤقت – فالموافقة على المبدأ – مهما تكن أهميتها – فإنها لا تحول دون إمكان الفشل النهائي، ولا يحول هذا التخوف من الاعتراف بأن فكرة “التدرج” تحمل في ثناياها عناصر سليمة وحكيمة وليست دائماً خدعة ماكرة للتهرب من “التغيير”. ولكن ينبغي – على أي الأحوال – التحوط.

وكان الجدل حول أسلوب التغيير الذي ظهر بشكل واضح في بداية التسعينات بمناسبة انتهاء الحرب الباردة وسقوط النظام الاشتراكي في معظم دول وسط وشرق أوروبا. فكانت القضية المطروحة هي: هل يتم التحول إلى “اقتصاد السوق” بشكل سريع بأسلوب الصدمة، أم على العكس ينبغي التروي والانتقال “تدريجياً” إلى هذا النظام الجديد؟

وقد ثار هذا الجدل في ظل نظم سقطت فيها حكومات “النظام القديم” وشكلت على وجه السرعة حكومات جديدة. وكان أنصار علاج الصدمة يرون ضرورة انتهاز الفرصة وعدم تمكن أنصار النظام القديم من تجميع صفوفهم وعرقلة اتجاهات الإصلاح، وفي نفس الوقت الاستجابة للمطالب الشعبية بضرورة التغيير خوفاً من أن تفتقد الجماهير حماستها وبالتالي يتضاءل وبالتالي يتضاءل الدعم الشعبي لهذا التغيير الذي طالما تطلعت النفوس إليه. ورأى أنصار التدرج، على العكس، أن الصدمة يمكن أن تترتب عليها تضحيات كبيرة لمن لم يعد العدة للنظام الجديد، وأنه يجب وضع المؤسسات والترتيبات التشريعية الجديدة تمهيداً للتغير في النظام الاقتصادي. فاقتصاد السوق ليس مجرد ملكية خاصة وأسواقاً للبيع والشراء وإنما هي مؤسسات ونظم قانونية متعددة يجب توافرها قبل التغير الهيكلي في الاقتصاد. وتراوحت التجارب بين النجاح النسبي والفشل النسبي، فعرفت تشيكوسلوفاكيا والمجر نجاحاً نسبياً – ربما بسبب تجاربهما السابقة أو تاريخهما العريق السابق مع إمبراطورية النمسا والمجر وألمانيا –  في حين عرف نظام الاتحاد السوفييتي السابق في روسيا وباقي الجمهوريات الآسيوية أكبر عملية نهب في التاريخ الحديث مع مظاهر المافيا لرجال الحزب السابقين.

والآن، ماذا عنا نحن في مصر. أعتقد أن لكل من المدرستين حججاً مقنعة. فالتأجيل يضعف الثقة في الجدية ويؤدي إلى تآكل التأييد الشعبي للتغيير، ولكن التسرع قد يؤدي إلى مخاطر غير محسوبة وقفز عناصر انتهازية أو غير مؤهلة إلى مراكز السلطة في غفلة من الزمن ومع عدم وجود الضوابط السليمة لحماية المصالح المتعددة.

إذن ما العمل إزاء هذا الموقف؟ إذا كان التريث مطلوباً والأخذ بمنهج متدرج له ما يبرره، وكذا كان الإسراع واجباً لتفويت الفرصة على معارضي الإصلاح واستثماراً للتأييد الشعبي للتغيير؟ فكيف نجمع بين الأمرين، الإسراع في التغيير والتدرج والإبطاء في نفس الوقت؟

ما قد يبدو تناقضاً ليس بالضرورة كذلك. ويمكن التوفيق بين الأمرين عن طريق الإعلان عن برنامج كامل للإصلاح السياسي يتعرض لكل الأمور وبلا استثناء بأن هذا سابق لأوانه، أو أن ذاك غير مناسب الآن. ولكن هذا البرنامج الإصلاحي يرتبط بجدول زمني لتنفيذ الإجراءات المطلوبة في مواقيت محددة في المستقبل تراعي احتياجات التدرج لبناء المؤسسات وإعداد الترتيبات. وبهذا الشكل يتضمن برنامج الإصلاح المطلوب الأمرين معاً، “إعلان” وبالتالي “التزام” بكامل جوانب الإصلاح، بلا استثناء، من إصلاح دستوري وتعديلات قانونية وترتيبات تنظيمية، مع “جدول زمني” متدرج لتنفيذ هذه التعهدات في فترات مستقبلة محددة يعرفها الجميع مسبقاً ويستعد لها. وهكذا نجمع بين إلحاح الجماهير إلى الإصلاح الكامل وبين احتياجات التدرج في التنفيذ. قد تكون هنا مبررات لتأجيل اتخاذ بعض الإصلاحات المطلوبة. ليكن، ولكن ألا يوجد حد زمني لهذا العائق أو ذاك، سنة، خمس سنوات؟ الثقة هي أساس نجاح الإصلاح السياسي. والثقة لن تتوافر إلا إذا رأى الناس برنامجاً كاملاً للإصلاح حتى وإن تأخر تنفيذ بعض أجزائه لوقت معلوم ولاعتبارات مقنعة. الوقت قد لا يكون مناسباً لكل ما نتمناه، ولكن ينبغي أن نعرف، وبشكل محدد، متى يكون كذلك؟   والله أعلم

  الاهرام: 15.8.2004

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *