العجز

 

يعلن العرب صباح مساء أن قضية فلسطين هي قضيتهم المركزية.  وربما يتحقق لهذه القضية وحدها التوافق بين جميع التيارات السياسية العربية من اليسار إلى اليمين، أو بين المحكومين والحاكمين.  وتتقدم الدول العربية – عبر المملكة العربية السعودية – بمبادرة للسلام الكامل مقابل الإنسحاب إلى حدود 1967، أي إزالة آثار العدوان (وعفا الله عما سلف)، وإيجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين، والإستعداد لإنهاء النزاع التاريخي بين العرب وإسرائيل.  وينهي مؤتمر القمة أعماله يوم 28 مارس 2002، وفي اليوم التالي مباشرة يصدر شارون أوامره لقيادة جيشه بإحتلال مدن الضفة الغربية ومحاصرة الرئيس عرفات.  حقاً، وقعت حادثة إنفجار في اليوم السابق شمال تل أبيب راح ضحيتها عدد غير قليل من المدنيين الإسرائيليين.  ولكن العملية نسبت إلى جماعة “حماس” الإسلامية المعروفة بإستقلالها عن – وأحياناً معارضتها – للرئيس عرفات.  وبذلك يصعب أن يكون رئيس السلطة الفلسطينية مسؤولاً عنها.

وفي هذا الجو، يشعر الجميع بالإحباط.  القوات الإسرائيلية تقتحم مقر إقامة الرئيس على شاشات التلفزيون، والدبابات والمدرعات تنتشر في المدن وتروح وتغدو، ويعتقل الشباب الفلسطيني، وتعرض صور لقتل عدد من حراس أبي عمار قتلاً بارداً.  فماذا عن رد الفعل العربي.  تخرج تصريحات بأن الأمر خطير، وأن إتصالات تجري مع الولايات المتحدة الأمريكية ومع الإتحاد الأوروبي ومع الأمم المتحدة.  وتستمر العمليات العسكرية، ونراها حية على شاشات التلفزيون.  ونسمع آراء المعلقين السياسيين من المسؤولين العرب ومن رجال الفكر والثقافة.  الجميع يدين.  شارون مجرم.  هذا أمر غير مقبول.  لا بد أن تتحمل إسرائيل النتائج.  كلام في كلام في كلام.  ويستمر الشعور بالعجز، الفلسطينيون عاجزون عن رد العدوان، الشعوب العربية عاجزة عن القيام بشئ.  المسؤولون والحكام عاجزون عن مساعدة الفلسطينيين.

إذا نظرنا إلى الوضع القائم نجد أن ما يحدث طبيعي، بل أنه من غير الطبيعي أن يحدث غير ذلك.  شارون جاء بتفويض شعبي لإجهاض الإنتفاضة الفلسطينية ومع قوة عسكرية هائلة ودعم غير محدود من الولايات المتحدة الامريكية، ومباركة ضمنية – مع نوع العتاب الخفيف – من معظم الدول الأوروبية.  روسيا لا هم لها إلا إرضاء الولايات المتحدة، وهي فضلاً عن ذلك متأثرة بحرب الشيشان، وترى بينهم وبين العرب والمسلمين نوعاً من علاقات الود، وبالتالي لا تجد حماساً للوقوف بصلابة أمام التعنت الإسرائيلي، بل لعلنا نتذكر بأن أشد العناصر تعصباً في إسرائيل الآن هم المهاجرون الروس.  والهند والتي كانت دوماً سنداً للمواقف العربية، تقف من باكستان موقفاً عدائياً وإزداد الأمر سوءاً بإحتقان التوتر بين الجماعات الهندوسية المتطرفة وبين المسلمين في الهند وباكستان.  والحكومة الهندية القائمة لها مصالح عسكرية مع إسرائيل.  والصين ليست بعيدة عن كل ذلك.  وتركيا والتي لم تتخلص بعد من ذكرى خيانة العرب للدولة العثمانية وإنحيازهم للإنجليز خلال الحرب العالمية الأولى، تخضع لتأثير الجيش ذي الميول غير الودية للعرب والإسلام.  هذا عن الإطار الدولي والإقليمي.

وإذا نظرنا إلى أوضاع البلاد العربية نجد أنها لا تخلو أيضاً من صعوبات.  عدد غير قليل من هذه الدول يواجه صعوبات إقتصادية ويعتمد جزئياً على مساعدات الولايات المتحدة الأمريكية – وتسليح هذه الجيوش كلها أو أغلبها – بعد إختفاء الإتحاد السوفييتي – يعتمد على السلاح الأمريكي أو الغربي، وهو يقدم بحساب وبحيث يحتفظ بالتوازن دائماً لمصلحة إسرائيل.  ودول أُخرى تجد في القواعد الأمريكية حماية لها من مخاطر وأطماع جيران لها، فضلاً عن مصالح إقتصادية مرتبطة تماماً بالمؤسسات المالية الغربية والأمريكية.

فكيف نتوقع بعد هذا أن يحدث غير الذي حدث.  ومن هنا الشعور بالعجز.  وهو وضع تجد نفسك في ظروف ترفضها، ولكنك تدرك أنه لا حيلة لك في ذلك، وأنك لا تستطيع أن تُغير منها شيئاً.  الشعوب في حالة عجز، وكذلك الحكومات.  فما العمل؟

ربما يكون الخطأ في أننا ننظر إلى ما يحدث أمام أعيننا كما لو كان هو القضية الحقيقية في حين أنه ليس إلا عرضاً لأمراضنا المستحكمة.  فشلنا في قضية فلسطين ليس إلا صورة أخرى لفشلنا المتعدد في مختلف الصور.  لقد رفعنا شعار التنمية والتصنيع من أكثر من خمسين سنة، وقامت الثورات وتغيرت النظم، فهل حققنا شيئاً ملموساً؟ ماذا فعلنا في قضية التعليم.  لقد وضعت بعض دولنا قوانين للتعليم الإلزامي منذ 1925 – مصر – فهل قضينا على الأمية؟  لقد أنشأنا الجامعات وزدنا ميزانيات التعليم؟  فهل تحسن نظام التعليم.  هل المدرسة هي مكان تلقي العلم، كما كان الحال في الماضي، وكما هو حال الدول غيرنا، أم أصبح التعليم عن طريق الدروس الخصوصية، بعد أن أقمنا الدنيا ولم نقعدها حول مجانية التعليم.  ونستطيع نسرد قائمة طويلة من القضايا المماثلة.  وانظر إلى أوضاع الصحة والمستشفيات العامة، والمواصلات العامة والسكك الحديدية، أوضاع الإستثمار والتصدير، وآلاف الأشياء الصغيرة والكبيرة معاً.  الفشل في فلسطين هو نتيجة لفشل نظمنا الداخلية.

لن يكفي أن نتهم الإستعمار بأنه سبب الأوضاع التي نعيشها، رغم أن الإستعمار كان عنصراً مؤثراً خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين فيما أصاب معظم دولنا من تراجع.  لا يكفي أن نتهم الرأسمالية العالمية والإحتكارات الدولية، رغم ما لها دور في تشويه المنافسة الحقيقية وإتاحة الفرص أمام الدول الفقيرة.  لا يكفي أن نتهم النفوذ اليهودي والإعلام الغربي، رغم ما يقوم به من قلب للحقائق وإثارة للأحقاد.  العالم ليس خالياً من الشرور.  ولكن هذا هو نفس العالم الذي واجهته واجهته اليابان في القرن التاسع عشر ونجحت.  وهو نفس العالم الذي تواجهه الصين حالياً بنجاح كبير، كما يبدو أن الهند سوف تواجهه بإحتمالات كبيرة للنجاح.  أين كانت كوريا وتايوان وسنغافوره وماليزيا على الخريطة في الستينات وأين هم الآن؟  فلماذا ينجحون ونفشل نحن؟

العالم ليس ملائكة هذا صحيح.  ولكننا أيضاً كذلك.  والمشكلة هي أن مسؤولياتنا الأولى ليست في إصلاح ذنوب العالم، وإنما في إصلاح أخطائنا.  كفى إلقاء المسؤولية على الآخرين، ولنقف بشجاعة ونعترف، نعم نحن ضعفاء لأننا أذنبنا كثيراً في حق أنفسنا.  نظامنا السياسي ليس أفضل النظم، ونظامنا الإقتصادي ليس أفضل منه، إننا لا نحتاج حقاً لجلد الذات ، ولكننا نحتاج إلى وقفة صريحة مع النفس، ومراجعة لأخطائنا ومحاولة إصلاحها.  فقد فاض الكيل.

*  *  *  *  *  *  *  *  *

أفادت الأنباء أن الأسواق عرفت أزمة في توفير أدوية الأنسولين لمرضى السكري خلال الأسابيع الماضية.  وقد أفادت السلطات المسؤولة أنهم سوف يعرضون في الأسواق كميات إضافية خلال أيام، وفي جميع الأحوال، فإن المشكلة سوف تحل، لاننا بصدد إقامة مصنع لإنتاج الأنسولين في مصر.  ولست أعرف أسباب أزمة إختفاء الأنسولين في الأسواق، وربما يكون ذلك راجعاً إلى أزمة الدولار وتأثيرها على الإستيراد.  وإذا كان هذا هو الوضع، فإنني أتساءل هل الحل هو إقامة صناعة وطنية لمواجهة العجز؟  أخشى أن يكون رد الفعل هذا مماثل لما كانت تقوم به سياسات الحكومة المصرية في الستينات من الأخذ بسياسات إحلال الواردات.  فقد كان يكفي أن يكون هناك طلب محلي لكي نفكر في إقامة مصنع لمواجهة هذا الطلب بصرف النظر عن مدى توافر المزايا النسبية لمثل هذا الإنتاج المحلي.  وقد أثبتت التجارب أنه في معظم الحالات التي أقيمت فيها مثل هذه الصناعات لمجرد وجود طلب محلي دون توافر مزايا خاصة، إن ترتب على ذلك ليس فقط إرتفاع في تكاليف الإنتاج، وإنما – وهو الأخطر – زيادة في الأعباء على ميزان المدفوعات نتيجة لما يترتب على الواردات المباشرة وغير المباشرة لمثل هذا الإنتاج.  فالإنتاج المحلي للسلعة قد يؤدي إلى نقص أو منع إستيراد هذه السلعة ولكنه قد يعني زيادة إستيراد المواد الخام وقطع الغيار والأدوات والمعدات بما قد يزيد على الإستيراد السابق للسلعة النهائية.  كذلك فإن الحديث عن إنتاج دواء ليس مجرد إنتاج سلعة وإنما لا بد وأن تلاحق التطورات العلمية وال تكنولوجية في هذا الميدان.  فهل درست هذه المسائل؟  أرجو أن يكون إقامة مصنع جديد لإنتاج الأنسولين قد تم بناء على دراسات مستقلة تؤكد جدوى مثل هذا الإنتاج وتوافر مزايا نسبية تجعل الإنتاج المحلي مفيداً للإقتصاد.  وإن كنت أخشى أن يكون الأمر مجرد ردة فعل لأزمة طارئة، تحل عن طريق السلوك القديم في فلسفة إحلال الواردات.  وهو أمر لن تلبث ان تظهر آثاره في المستقبل بعد أن نكون قد تكبدنا تكاليف إنشاء المصنع لإنتاج سلعة بتكلفة تفوق تكلفة إستيرادها.  والله أعلم.

الأهرام 7.4.2002

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *