الإفلاس ليس نقمة دائماً

يثير تعبير “الإفلاس” معنى الفشل والخيبة، وهو بذلك مفهوم مقيت، ومن المصلحة استبعاده من حياتنا بقدر الإمكان. ومن هنا فنحن، أو معظمنا، يفضل أن يعيش في مجتمع لا يعرف الإفلاس أو على الأقل علينا أن نعمل على تقليل حالات الإفلاس كلما كان ذلك ممكناً.

ولكن هل هذا صحيح؟ هل يصبح المجتمع أفضل حالا لو ألغينا الإفلاس من قاموسنا، وقللنا من حالات حدوثه في العمل إلى أقصى الحدود؟

يقول معظم الاقتصاديون، وأنا معهم، أن الإفلاس ضرورة للحياة، تماماً كما أن الموت حقيقة لايمكن الإفلات منها. بل لعلنا نتذكر أنه ربما لولا “الموت” لربما ما كان “الميلاد”، فظهور أجيال جديدة تحمل الراية وتدفع بها إلى آفاق جديدة وبعيدة هو سنة من سنن الحياة، وهي تتطلب بالضرورة اختفاء أجيال قديمة قدمت إسهامها وآن لها أن تتنحى جانباً. وقد قيل بأن الاقتصاد هو “العلم الكثيب” ربما لأنه يتعامل مع الحياة كما هي، لا كما نحب أن تكون. فكما أن الحياة صنو للموت فكذلك النجاح والفشل صنوان،. بل لعله لامكان للنجاح إذا لم يكن الفشل. فالفشل هو، في أغلب الأحيان، تجارب ومحاولات ناقصة قبل إدراك النجاح، الأمر الذي لايتحقق عادة إلا بالإفادة من دروس الفشل السابقة. ومن هنا فقد قيل بأن التقدم لايتحقق إلا “بالتجربة والخطأ”. فالخطأ ليس عيباً، وإنما هو -في معظم الأحوال- محاولة ناقصة على طريق النجاح. ولعل تعبير “الفوضى الخلاقة” والذي انتشر أخيراً مع الإدارة الأمريكية الفاشلة لجورج بوش، هو استعارة خائبة من مفهوم بناء أطلقه الاقتصادي النمساوي/الأمريكي المعروف شومبيتر بصدد تعريفه للتقدم. فالتقدم يتحقق عنده عن طريق الهدم البناء، فأنت تتخلص من القديم غير الكفء، لصالح الجديد الأكثر كفاءة. فانظر إلى طبيب الأسنان في بداية القرن العشرين والذي جاء ليحل محل حلاق الصحة الذي عاش لقرون عديدة، باعتباره العارف والمتخصص في خلع الأسنان وعلاجها. فإذا بهذا الطبيب المتعلم في الجامعات يأتي ليزاحمه في مهنته ويجاوزه علماً ومهارةً وبالتالي يفرض عليه الخسارة والفشل. وقل نفس الحال بالنسبة “للداية” في عمليات الولادة والتي واجهت الطبيبة أو الحكيمة والمستشفى المزود بأحدث الأجهزة. فالتقدم الطبي في هذه المجالات جاء على حساب حلاق الصحة أو الداية. وفي منتصف القرن الماضي، عرض فيلم مصري بعنوان “تاكسي حنطور”، يتحدث عن المنافسة بين التاكسي والحنطور، كوسيلة للانتقال. وبطبيعة الأحوال فقد انتهى الفيلم بنهاية سعيدة فتزوج أبن صاحب الحنطور-على ما أتذكر-  بابنة صاحب التاكسي، أو بالعكس، وذلك بعد صراع طويل بينهما، مؤكداً  أن هناك تعايشاً بين “القديم” و”الجديد”، وأنه لامجال للتخلص من أحدهما. ولكن الحقيقة في الحياة ليست كما السينما، ومن هنا اختفى الحنطور من حياتنا اليومية إلا باعتباره أثراً تاريخياً أو معلماً تراثياً للسياح أو الأحباء عندما يرغبون في نزهة بعد منتصف الليل أثر سهرة طويلة تسمح لهم بالرغبة في استرجاع الأيام الخوالي. فهنا نجد أن التاكسي قد أزاح الحنطور كما سبق أن أزاح طبيب الأسنان حلاق الصحة. وتتعدد الأمثلة. فالقلم الجاف حل محل القلم الحبر، إلا بالنسبة لبعض الآثار الحية من أمثالي الذين يصرون على ملء قلم الحبر كل يوم قبل الذهاب إلى العمل. ولكن هذه مقاومة لاأمل من ورائها، فالبحث عن زجاجة الحبر أصبح مشكلة صعبة. وبالمثل اختفى بابور الجاز “بريموس” لصالح فرن البوتوغاز، كما ظهرت الثلاجة، واختفت –للخسارة- “القلة”. والقائمة طويلة.

كيف حدث ذلك؟

يتحقق التقدم باكتشاف وسائل أكثر كفاءة في إشباع الحاجات القائمة أو باختراع حاجات جديدة لم تكن معروفة. ولكن هذا التطور لا يتم في فراغ. فهناك “قديم” يستخدم الأساليب الموروثة والتي أثبتت كفاءتها عبر العصور، ولكنها إزاء هذه الاكتشافات الجديدة تصبح غير قادرة على المنافسة أمام هذا “الجديد” الأكثر كفاءة، أي الأقل تكلفة، أو الأقدر على إشباع الحاجات بشكل أفضل. ومن هنا فقد أصبح على “القديم” أن يخلي الساحة ويختفي. ولكن اختفاء هذا “القديم” غير الكفء في الظروف الجديدة، ليس أمراً سهلاً بل هو أمر مؤلم وأحياناً شديد الألم. فحلاق الصحة أو الداية يفقدان زبائنهم، وبالتالي مصدر رزقهم، وهكذا فإن التقدم الصحي الذي تحقق مع الطبيب أو الحكيمة لم يأت دون ألم ومعاناة. فمعاناة الحلاق أو الداية ليست بالقليلة. ولكنه تقدم بثمن (في شكل معاناة) لابد من دفعه لصالح الإنسانية. وبالمثل فإن شركة بريموس التي كانت تنتج وابور الجاز، أن لم تجد لنفسها سلعة أخرى مطلوبة في السوق، فإنها سوف تفلس بالتأكيد. فالتقدم لايتحقق إلا بتكلفة، وهي تكلفة يتحملها “القديم” الزائل لصالح “الجديد” الوافد، والذي سوف يقابل نفس المصير بعد فترة قد تطول أو تقصر. فالتجديد ضرورة من ضرورات الحياة، واختفاء “القديم” أحد مظاهرها. ومن هنا فإن إفلاس الشركات هو ظاهرة طبيعية في كل المجتمعات، ومظهراً من مظاهر الحيوية في الاقتصاد..

وعندما نتحدث عن الإفلاس في الاقتصاد، فإن الأمر لايتعلق فقط “بجديد” مختلف قد يحل محل “القديم”، بل قد يرجع إلى ضرورة تغيير الإدارة وأسلوب عملها، فالخسارة هنا قد تكون نتيجة لسوء الإدارة أو حتى سوء الحظ. فرغم أن المشروع قد يشبع حاجة مطلوبة وقد يتملك تكنولوجيا مناسبة ومصانع وآلات حديثة ولكن يشوب إدارته سوء تقدير أو إسراف وتبديد أو عدم قدرة على توفير أسباب التسويق اللازمة أو غير ذلك من هو مطلوب للنجاح، ولذلك فإن ذلك المشروع سوف يفشل بالضرورة. وهنا يصبح الإفلاس إنقاذاً للمشروع من وجهة نظر المجتمع، وإن كان كارثة بالنسبة لأصحابه. فماذا يفعل الإفلاس؟ إنه لايهدم المصنع أو يدمر الآلات، وإنما يحقق بيعه بثمن- بخس عادة- لمستثمر آخر أكثر قدرة على الإدارة السليمة، لهذا المشروع. فهنا يصبح الإفلاس خدمة للمجتمع بتدوير الموارد ونقل ملكيتها من إدارة فاشلة إلى إدارة ناجحة. وفي هذا مصلحة المجتمع. وكذلك فإن الإفلاس – كالموت أحياناً- يمكن أن يكون رحمة بالمدين نفسه. فهذا المدين قد يلاحق بالمطالبات من الدائنين. فهناك قضايا للمدين أمام المحاكم، وأعماله تتعطل، ومصانعه تتوقف عن العمل لعدم قدرته على تمويل رأس المال العامل وشراء مستلزمات الإنتاج ودفع أجور العمال. ومن هنا يأتي الإفلاس وبيع المصنع لمستثمرين جدد لينهي هذه المعاناة، ويعطي للدائنين حقوقهم أو بعضاً منها، وينهي بذلك المطالبات والنزاعات. فالإفلاس يصبح هنا كما الموت الرحيم للمريض الذي طال مرضه وزادت معاناته.

ومع ذلك فإذا كان الإفلاس –في حالات كثيرة- ضرورياً وجزءاً لايتجزأ من طبيعة الحياة الاقتصادية، فلا بد من توفير الإطار القانوني المناسب لتحقيقه بأكبر قدر من الكفاءة والسرعة ومع حماية مختلف الحقوق المتنازعة حوله. ولذلك لم يكن غريباً أن يكون أحد أهم مظاهر الإصلاح الاقتصادي ضرورة تطوير وتحديث نظم الإفلاس.

ولكن كل ذلك لاينفي أن الإفلاس –كما الموت- هو حدث محزن ومؤسف. وإذا زاد معدلات الإفلاسات في دولة من الدول عن المعدل المعقول، فإن ذلك مؤشر سلبي ينبئ بسوء الأحوال الاقتصادية. فالإفلاس قد يقع ليس بسبب سوء الإدارة أو تراجع المشروع عن متابعة التطورات التكنولوجية، ولكن قد يرجع أيضاً إلى سوء الظروف الاقتصادية العامة. فالمسئول هنا ليس المستثمر وإنما الأوضاع السيئة. فعدم الاستقرار السياسي أو الاقتصادي يؤثر في معظم المشروعات، كذلك فإن السياسات الاقتصادية الخاطئة قد تؤثر سلباً على ربحية المشروعات. ففي هذه الأحوال ومثيلتها تعاني المشروعات بسبب هذه الظروف الخارجة عن سيطرتها. وفي هذه الأحوال تزداد حالات الإفلاس وتعم بأسباب خارجة عن إرادة هذه المشروعات، وتصبح هذه المشروعات ضحية للأوضاع الاقتصادية السيئة. ولذلك فإن زيادة معدلات الإفلاس تصبح في هذه الحالة تعبيراً عن تدهور الاقتصاد وليس مظهراً لحيوية الاقتصاد وتقدمه. تماماً كما لو أصيب مجتمع بوباء أو كارثة طبيعية أو حرب إبادة تطيح بحياة الآلاف. فهنا لايصبح الموت جزءاً من نظام الحياة العادية للمجتمعات بقدر ماهو مصيبة اجتماعية وإنسانية.

الإفلاس –كما الموت- أمر عادي في الحياة الاقتصادية إذا ظل في الحدود الطبيعية، بل قد يكون مظهراً لحيوية الاقتصاد وقدرته على التقدم وطرح “القديم” جانباً لصالح “الجديد” الأكثر كفاءة. وفي هذه الحدود فإن الإفلاس ليس نقمة بالضرورة، بل هو جزء طبيعي من الحياة الاقتصادية، وعلينا أن نتعامل معه بهدوء وبلا انفعال أما إذا أصبح الإفلاس “ظاهرة” واسعة الانتشار، فإن الأمر يصبح خطيراً ومؤشراً على سوء الأوضاع الاقتصادية مما يدعو إلى الانزعاج وربما ما هو أكثر. والله أعلم.

الأهرام 13 أبريل 2008

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *