الإنفجار السكانى والحريات الفردية

.

الإنفجار السكانى والحريات الفردية

دكتور حازم الببلاوى

www.hazembeblawi.com

ربما ظهر الإنسان المعاصر بشكله الحالى ( الإنسانى العاقل Homo Sapiens ) منذ مائتى ألف عام أو أكثر قليلاً. ونظراً لما تميز به هذا الإنسان من مخ كبير، وبالتالى عقل راجح، فإنه لم يعد يقتصر، مثل غيره من الكائنات، على التعايش مع البيئة، بل أنه لم يلبث أن أصبح صانعاً للحضارات، بقدرته الفائقة على تطوير البيئة المحيطة وتطويعها لإحتياجاته. فرغم أن الإنسان لم يتغير فسيولوجياً حيث ظل تكوينه البيولوجى على ما هو عليه، فقد زادت معرفته بالعالم المحيط وإستخلص العديد من القوانين الطبيعية والإجتماعية، مما مكنه من السيطرة على البيئة المحيطة وتطويرها بما يتلاءم مع إحتياجاته. وهكذا ظهرت التكنولوجيا التى وفرت له ـ من خلال ما إكتشفه من قوانين وخصائص للطبيعة إمكانيات الإنتشار والتوسع والإرتفاع بمستوى المعيشة. وكان من نتيجة ذلك أن تحسن مستوى معيشة الفرد وزادت رفاهيته، وظهرت الحضارات بكل ما لها وما عليها. ولكن لم تكن هذه هى النتيجة الوحيدة لقدرات الإنسان، بل كانت النتيجة الأخرى هى الزيادة المستمرة فى عدد سكان العالم.

وقد ظلت إمكانيات الزيادة السكانية محدودة حتى قيام الثورة الصناعية، وخاصة منذ منتصف القرن الثامن عشر حيث قدر عدد سكان العالم آنذاك بما يتراوح من 650- 850 مليون نسمة، وربما وصل هذا العدد إلى حوالى 1,5 بليون نسمة فى بداية القرن العشرين، لكى ينتهى هذا القرن وقد تخطى عدد سكانه السبعة بلايين نسمة. وقد ظهرت هذه الطفرة السكانية، خاصة منذ نصف القرن المنصرم، فى دول العالم الثالث فى آسيا وأفريقيا. وقد تراوح عدد سكان مصر فى عهد محمد على باشا بين 2.5 – 3.5 مليون نسمة، وبلغ هذا العدد عند قيام الثورة المصرية فى 1952 بأكثر قليلاً من عشرين مليون ليصل عددهم فى بداية حكم مبارك حوالى 42 مليون، والآن جاوز هذا العدد 84 مليوناً. أى أننا نتضاعف كل ثلاثين سنة تقريباً. أما أوروبا، ورغم ثرائها،  فإنها تعانى ـ على العكس ـ من ضمور فى عدد سكانها.

وليس هذا المقال حديثاً عن الزيادة السكانية فى ذاتها، وإنما عن آثار هذه الزيادة على مفهوم الحريات، وخاصة عندما يزداد الإزدحام والتركز فى المدن الكبرى المكتظة بالسكان. والأمر هنا لن يقتصر على تنائج هذه الزيادة السكانية على التزاحم على الموارد الإقتصادية المتاحة بل أنها سوف تتطلب أيضاً مزيداً من الحاجة إلى الضبط والقيود على ممارسة الحقوق والحريات حماية لحقوق الآخرين.

وقد سبق أن تناولت قضية الديمقراطية والحريات فى أكثر من مكان، وأكتفى هنا بتلخيص ذلك تحت ثلاثة مفاهيم متكاملة. المفهوم الأول وهو ما يمكن أن يطلق عليه “المفهوم الجمهورى” أو “الديمقراطية التمثيلية”، ويقصد به إختيار المواطنين لحكامهم بالإنتخاب لمجالس برلمانية وحكومات تحكم بإسم الأغلبية وتحت رقابتها. وأما المفهوم الثانى للحرية فهو يشير إلى تمتع الفرد، كل فرد، بمجال خاص لا يجوز الإعتداء عليه. وهذا هو “المفهوم الليبرالى” الذى بدأ مع جون لوك والذى أصبح الآن مجالاً لحقوق الإنسان فى حقه فى الحياة وفى حرية العقيدة وحرمة حياته الخاصة وحرية التعبير والإجتماع، إلى آخر ما هو معروف تحت بند “حقوق الإنسان”. وأخيراً هناك “المفهوم الإقتصادى والإجتماعى” للحريات، والغرض منه ليس فقط إحترام حرمة مجال خاص للفرد، وإنما “تمكينه” من ممارسة هذه الحقوق، وذلك بتوفير مستوى معقول من التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل وحماية البيئة. فالحرية هنا لا تتوقف على “عدم الإعتداء” على حرية المواطن، وإنما تتطلب “تمكينه” من ممارسة هذه الحريات بتوفير الظروف الإقتصادية والإجتماعية المناسبة لإستخدام طاقة الفرد البدنية والعقلية. وبطبيعة الأحوال، فإن الحرية بهذه المفاهيم الجديدة ليست مجرد حقائق ثابتة، بقدر ما هى مفاهيم متحركة تتجه دائماً للإتساع مع زيادة قدرات الوطن المادية وتطلعاته النفسية.

والسؤال هو هل هذه الحريات بمفاهيمها المتعددة يمكن ان تتأثر بالضغط السكانى، أم انها مستقلة عنه؟ وعندما نتحدث عن الضغط السكانى فإننا لا نتحدث عن عدد السكان وحده، وإنما نتحدث عن عدد السكان إزاء الموارد المتاحة. فالولايات المتحدة بسكانها الذين يجاوزون الثلاثمائة مليون نسمة هى أقل كثافة سكانية من مصر بسكانها الثمانين مليون نسمة.

فماذا عن الحريات إزاء هذا التزاحم السكانى؟

أما فيما يتعلق بأثر التزاحم السكانى على الديمقراطية بالمفهوم السياسى القائم على إنتخاب الحكام وخضوعهم للمسئولية أمام مواطنيهم، فإن التجربة البشرية لا تبدو واضحة، فأكبر دولتين من حيث الكثافة السكانية هما الصين والهند. ومازالت الأولى تخضع لنظام الحزب الواحد، فى حين أن الثانية هى أكبر ديمقراطية فى العالم. ولذلك يصعب القول بأن زيادة السكان تساعد أو تعرقل إقامة نظام سياسى ديمقراطى. ومع ذلك، فيبدو أنه مع إرتفاع معدلات النمو الإقتصادى وفى ضوء ثورة المعلومات والإتصالات، فإنه لا مناص من الحرية السياسية.

وماذا عن التزاحم السكانى والحقوق والحريات الفردية وكذا الحقوق الإقتصادية والإجتماعية؟ فأما عن المجال الخاص الذى يتمتع فيه الفرد بحرمة لحماية حرياته الشخصية، فلا شك أنه مع التزاحم السكانى، فإن الإختلاط والترابط بين الأفراد يزداد تداخلاً. فأنت لا تعيش بعيداً عن الآخرين، وغالباً ما تسكن عمارة يقطنها العديد من السكان، كما أن الطرق التى تمر بها تزدحم بالعديد من المارة والسيارات، ومدى ما تتمتع به من حرية يتوقف على سلوك الآخرين، وأولادك فى المدارس والجامعات يدرسون مع عشرات أو مئات من الأولاد الآخرين وهم يتأثرون أخلاقياً بما يرونه أو يسمعونه منهم، كما أن مرض طفل فى مدرسة أمر لا يخصه وحده بل قد يكون سبباً فى إنتقال العدوى إلى الآخرين. وهكذا. ففى ظل أوضاع الكثافة الخفيفة للسكان يتمتع كل فرد بحيز مادى أوسع يخفف عليه من تأثيرات الآخرين، أما مع الضغط السكانى، فأنت مضطر إلى العيش الدائم مع الآخرين فى المسكن وفى الطريق وفى العمل، وهكذا. ولذلك فإن ما يتمتع به الفرد من حقوق وحريات خاصة يتأثر كثيراً بما يفعله الآخرون. فإذا رفعت صوت المذياع أو التليفزيون فى أوقات غير مناسبة، فأنت لا تستخدم حقوقك بقدر ما تزعج الآخرين فى راحتهم، وعندما تقود سيارتك فعليك مراعاة أحوال المرور، وعلى قاطنى العمارات الكبيرة توفير نظافة منازلهم وصيانة المرافق العامة المشتركة ليس فقط لمصلحتهم الخاصة فقط وإنما حماية لحقوق الجيران.

وهكذا، فإن مزيداً من التزاحم السكانى، يعنى الحاجة إلى مزيد من ضوابط ممارسة الحقوق والحريات لحماية حرمة الحياة الخاصة للآخرين أيضاً. ولذلك لم يكن غريباً أن تعرف المجتمعات المعاصرة العديد من القيود التى لم تكن معروفة فى السابق مع الهشاشة السكانية. فالحديث عن حماية البيئة، وقواعد المرور، وآداب الجوار لحماية الجيران. كل هذه وغيرها زادت أهميتها مع التزاحم السكانى. فالفرد فى المجتمعات كثيفة السكان لا يعيش منفرداً ولكنه دائماً فى جوار مع غيره، وعليه أن يراعى هذا الغير فى ممارسة حياته الخاصة أيضاً، وبالمقابل يتوقع أن يحترم الآخرون حرمة الحياة الخاصة به. وهكذا، فإن الإنفجار السكانى يتطلب مزيداً من الضوابط والقيود على سلوك الأفراد حماية لحقوق وحريات الآخرين.

وإذا إنتقلنا أخيراً إلى الحقوق الإقتصادية والإجتماعية بتمكين الفرد بأن يصبح مواطناً صالحاً، فإنه يتطلب توفير خدمات تعليمية مناسبة ورعاية صحية كافية وطرق وخدمات عامة وبيئة صالحة. وهذا كله لا يتحقق إلا مع دولة قوية تستطيع أن تفرض أعباء مالية كافية لكى تمكنها من أداء هذه الخدمات الأساسية. فأداء هذه الحقوق الإقتصادية والإجتماعية لا يتحقق بمجرد نصوص فى الدستور أو فى القوانين، وإنما بتوفير الموارد المالية المناسبة للدولة حتى لا تظل هذه الحقوق حبراً على ورق.

وفى كل هذه الأحوال، فإن وجود دولة قوية لا يكفى وحده، بل لابد وأن يصاحبها مجتمع مدنى واع وحاسم مع نوع من الضمير العام أو المجتمعى. وكانت العلاقات الإجتماعية الوثيقة فى ظل المجتمعات الصغيرة، قد تفسخت مع المدن الكبرى وحيث الجميع “غريباً”، وضاع معنى “العيب” أو”الواجب”. فمع التزايد السكانى، وحيث تتزايد الحاجة إلى الحرية بضوابطها بمختلف المظاهر، فإن الأمر يتطلب دولة قوية قادرة على توفير هذه الحقوق والحريات وقادرة على تمويلها، وكذا مجتمع واع وفعال. فالحقوق والحريات لا تتحقق بالأمانى والتصريحات أو النصوص بل تتطلب دولة قوية قادرة مالياً وسياسياً ومجتمعاً سليماً وصحياً. والله أعلم.

الاهرام 14 يناير 2013

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *