الإيجارات القديمة ليست دستورية ولا اقتصادية

تناقش هذه الأيام قضية الدعم. والمقصود بذلك الدعم الذي تقدمه الحكومة من خلال الموازنة العامة لبعض المواد الغذائية –وفي مقدمتها رغيف العيش- بالإضافة إلى دعم أسعار المنتجات البترولية وموارد الطاقة.

وتثير قضية الدعم  -بشكل عام- الرغبة في التوفيق بين اعتبارين هامين؛ الاعتبار الأول اجتماعي وهو مسئولية الدولة عن توفير نوع من شبكة الأمان للطبقات الفقيرة وضمان حد أدنى من مستوى الأسعار المناسبة لدخولهم، وأما الاعتبار الثاني فهو اقتصادي ويتطلب أن تعكس الأسعار السائدة التكاليف الحقيقية ضماناً لحسن إدارة الموارد. والمعضلة السياسية التي تواجه معظم الدول –ومنها مصر- هي التوفيق في تحقيق التوازن بين هذه الاعتبارات الاجتماعية وتلك المبررات الاقتصادية ذلك أن الفشل في تحقيق ذلك أو المبالغة في تغليب جانب على آخر قد ينتهي بخلق حالة من القلق الاجتماعي وربما السياسي على المدى القصير، أو بالمقابل بتبديد للموارد وتدهور الكفاءة الإنتاجية على المدى البعيد. ومن هنا أهمية وخطورة أسلوب التعامل مع قضية الدعم.

ولكن هل صحيح أن الدعم في مصر يقتصر على هاتين الحالتين –دعم المواد الغذائية ودعم المنتجات البترولية وموارد الطاقة؟ الحقيقة أن مصر تعرف نوعاً آخراً من الدعم للإيجارات السكنية، وهو دعم تفرضه القوانين دون أن تتحمل به موازنة الدولة وإنما يلقى بعبئه على بعض الملاك العقاريين، وهو غالباً لا يرتبط بفقر أو غِنى المستفيد وإنما بتاريخ عقد الإيجار. ويظهر هذا الدعم في شكل تجميد إيجارات العقارات القديمة وتمديد أجلها الزمني لجيل بعد جيل. وكان هذا الدعم قد بدأ في ظروف استثنائية ثم استمر لاعتبارات إيديولوجية حتى كاد يصبح صنماً لا يمكن المساس به.

بدأ نظام تجميد الإيجارات وامتداد عقود الإيجار مع قيام الحرب العالمية الثانية عندما توقف أو تراجع نشاط البناء، بسبب ظروف الحرب. فرأت الحكومة –كإجراء وقتي لفترة الحرب- تجميد الإيجارات وتمديد عقود الإيجار لمدد غير محددة منعاً لاستغلال ظروف الحرب وفرض أعباء جديدة على جمهور المستأجرين. وعندما صدرت هذه الإجراءات الاستثنائية طبقت على جميع العقارات في كوردون المدن دون تمييز بين عقار وآخر. فهي إجراءات عامة لا تميز بين مالك أو آخر، فالجميع مطالب –بسبب ظروف الحرب- بعدم استغلال هذه الظروف لفرض أعباء جديدة على جمهور المستأجرين، ودون تمييز أيضاً بين طائفة من المستأجرين وطائفة أخرى. وفي نفس الوقت اتخذت الدولة إجراءات مكملة تتفق مع منطق اقتصاد الحرب. فأنشئت وزارة التموين وأصبح توزيع العديد من السلع الضرورية يتم بالبطاقات لضبط الأسعار وتقييد الاستهلاك.

وكان المفروض أن تنتهي هذه الإجراءات بانتهاء الحرب وعودة نشاط البناء، وهو ما حدث بالفعل حيث شيد العديد من العمارات والمباني في الفترة التالية مباشرة لانتهاء الحرب. وبعد ذلك بقليل قامت الثورة وكان معظم أبنائها من رجال الطبقة الوسطى المستأجرين، وبالتالي كان حلم أبناء هذه الطبقة هو تخفيض الإيجارات في عهد جديد  بدأ برفع شعارات منع الاستغلال ومحاربة الإقطاع. ولذلك صدرت في بداية الثورة مجموعة من الإجراءات تساعد الطبقة الوسطى وتدعم مركزها الاقتصادي، وتحول دون استغلالهم من جانب الملاك الذين نُظِرَ إليهم باعتبارهم طبقة مستغلة.ولم يكن الهدف الحقيقي لهذه الإجراءات هو حماية الطبقات الفقيرة والمحرومة بقدر ما كان تمييزاً لأبناء الطبقة الوسطى من سكان المدن. ومن هنا لم تكتف هذه الإجراءات بتجميد الإيجارات بل ركزت على تخفيض هذه الإيجارات. وكانت النتيجة أن تراجع البناء العقاري حيث انخفض الاستثمار العقاري الخاص بشكل ظاهر منذ الستينات، ومع عجز الحكومة عن توفير استثمارات كافية للإسكان، عرفت البلاد أزمة إسكان خانقة، واختفى الإيجار كوسيلة للحصول على مسكن، وأصبح التمليك هو الوسيلة الوحيدة المتاحة وبأسعار مبالغ فيها.

وقد أدت هذه السياسة التي قصد بها حماية الطبقة الوسطى إلى عكس النتائج التي قصد إليها. وظهر أن الضحية الأساسية لهذه السياسة هم أبناء نفس المستأجرين وغيرهم من الجيل التالي وخاصة الشباب الذين عجزوا عن الحصول على مسكن ملائم بتكلفة مقبولة نظراً لتراجع الاستثمار في مجال الإسكان ونقص المعروض من ناحية، واقتصاره على التمليك من ناحية أخرى. ولذلك رأت الدولة بعد فترة ضرورة العودة من جديد لمبادئ حرية التعاقد، وتحرير عقود الإيجار “الجديدة” من قيود التجميد والامتداد الزمني. وبذلك عاد قطاع الإسكان الخاص إلى حظيرة القانون العام وحيث يسود مبدأ سلطان الإرادة في عقود الإيجار كما في بقية التصرفات الأخرى. وفي نفس الوقت تقريباً حررت إيجارات الأراضي الزراعية والتي خضعت هي الأخرى، منذ الثورة، لنظام التقييد والامتداد الزمني. ولكن إجراءات التحرير التي أخذت بها الحكومة لتشجيع الاستثمار الخاص في قطاع المساكن لم تكن عامة ولا شاملة، إذ رأت الدولة أن تقصر ذلك على العقود “الجديدة”،. وأن تظل العقود “القديمة” على حالها حيث تخضع لنظام التقييد والتجميد والامتداد الزمني للعقود.

وهكذا  أنشأ الوضع الجديد لإيجار المساكن ازدواجا قانونياً في عقود الإيجار؛ هناك نظام “قديم” تحكمه أوامر عسكرية وتشريعات تسلب المتعاقدين مبدأ سلطان الإرادة، وهناك نظام “جديد” موازٍ يخضع لاعتبارات السوق وظروف الطلب والعرض. وإذا كان لا أحد ينكر على الدولة حقها في وضع ما تراه من قيود على التصرفات القانونية تحقيقاً لمصلحة عامة، فإن السؤال يقوم عما إذا كان من حقها أن تميز في المعاملة بين المواطنين.

لا شك أنه من حق الدولة أن تضع ما تراه مناسباً من القيود على حقوق الملكية وحرية التعاقد، ولكن هل من حقها أن تميز في المعاملة إزاء حقوق الملكية وحرية التعاقد، حيث تسمح للبعض أن يمارس هذه الحقوق بلا قيود، في حين أن البعض الآخر لا يتمتع بنفس الحرية في هذه التصرفات؟ أليس هذا اعتداء على مبدأ المساواة للمواطنين أمام القانون؟ وقد ظهرت هذه المفارقة في موقف الشارع إزاء المساواة في المعاملة بين الملاك بعد أن تدخل الشرع لتحرير عقود الإيجار والعودة لمبدأ حرية التعاقد. فإذا كانت ظروف الحرب العالمية الثانية أو ما بعدها قد استدعت استمرار التقييد لحقوق الملاك العقاريين، فقد كانت تلك القيود، على الأقل،  قيوداً عامة تسري على الجميع دون تمييز. أما في ظل سياسة “التحرير” الحالية، فإن القانون قد استحدث تمييزاً في حقوق الملكية، بعضها مقيد، والبعض الآخر حر ومطلق. أليس هذا خروجا على مبدأ المساواة أمام القانون؟ أليس للملكية العقارية الحق في نفس المعاملة أمام القانون؟ ألا يعتبر الخروج على ذلك إخلالاً بمبدأ المساواة؟ هل تتمتع هذه الترتيبات الجديدة بحماية الدستور أم أنها قد تكون مخالفة للدستور؟ سؤال يحتاج إلى إجابة.

وبصرف النظر عن مدى دستورية هذا الازدواج القانوني لنظم إيجارات المساكن، فما هو الاعتبار الأخلاقي أو ما هو المبرر الاقتصادي الداعم لهذه التفرقة؟

يستند التبرير الضمني لهذا الازدواج في المعاملة إلى الرغبة في حماية مستوى المعيشة للمستأجرين وعدم تعريضهم لأعباء قد لا يطيقونها. وهو اعتبار سليم يستحق الاحترام، ولكنه يقوم على عدد من الفروض التي يصعب الاقتناع بها. وأهم هذه الفروض الضمنية هي:

1)  أن مستأجري العقارات “القديمة” هم من الطبقات الفقيرة التي لا تحتمل ارتفاع الإيجارات ، في حين أن مستأجري العقارات “الجديدة” يتمتعون بمستويات عالية من الدخل تمكنهم من دفع الإيجارات الجديدة، وهم بذلك في غير حاجة إلى دعم القانون لهم.

2)  إن ملاك العقارات “القديمة” هم من الأثرياء من أصحاب الريع من المباني والأراضي الزراعية الذين ينبغي أن يتحملوا “دعم” مستأجريهم بصرف النظر عن مستواهم المالي، في حين أن ملاك العقارات “الجديدة” مستثمرون اقتصاديون يستحقون استيفاء العائد العادل على استثماراتهم.

والواقع أن هذه الفروض غير صحيحة. فالحقيقة هي أن كلاً من المستأجرين القدامى والجدد فيهم الفقير وفيهم الثري، فضلاً عن أن معظم مستأجري العقارات الجديدة هم من الشباب محدودي الدخل الذين ليس أمامهم من خيار آخر للسكن سوى قبول الإيجارات “الجديدة”. كذلك ليس صحيحاً أن ملاك العقارات “القديمة” هم دائماً من الأثرياء، بل أن عدداً كبيراً منهم يعاني من مستويات للمعيشة تقل عن مستأجري نفس هذه العقارات، وهم بالقطع أدنى ثروة من ملاك العقارات الجديدة.

والحقيقة أيضاً هي أن هناك قطاعاً كبيراً من المستأجرين في العقارات “القديمة” كما في العقارات “الجديدة” يستحقون الدعم. ولكن الدعم هو مسئولية المجتمع ممثلة بالدولة ويجب أن تتحمله موازنتها فيما تقتطعه من ضرائب من القادرين. أما أن يتم دعم المستأجرين على حساب الملاك القدامى، فهذه بدعة. كذلك فالمفهوم أن يكون الدعم “للساكن” وليس للمسكن، يستوي في ذلك من يسكن بناءً قديماً أو حديثاً. وعندما تقرر الدولة تقديم الدعم  لبعض المواطنين فالمفروض أن تتكفل به ولا تلقي به على عائق بعض الملاك العقاريين. من الطبيعي أن تتضمن برامج الدولة للضمان الاجتماعي عنصراً لمواجهة أعباء السكن للفقراء دون أن ترتبط بمسكن معين وإنما تتوقف على مدى احتياجاتهم المالية، وعلى أن تمول من خزانة الدولة.

وهكذا تتضح حقيقة النظام الحالي للإيجارات القديمة باعتباره نوعاً من الدعم للمستأجرين من سكان المباني “القديمة” وحدهم. وهو دعم يتكفل به ملاك العقارات القديمة وحدهم. وهكذا ابتدعت الدولة نظاماً فريداً للدعم السكني يقدم “للمسكن” وليس “للساكن”، وهو يقدم للمسكن “القديم” بصرف النظر عن مستوى المستأجر المالي، وهو يحرم المستأجر “الجديد” مهما كانت حاجته. وفي جميع الأحوال، فإن الدولة وهي تخلق هذه التفرقة بين المواطنين، فإنها تلقى بعبء هذا الدعم على بعض الملاك “القدامى” دون غيرهم، في حين تغسل الدولة أيديها من المسئولية.

ورغم تعقد هذه القضية وتباين المصالح فيها، فإن علاجها ليس بالصعوبة التي يتصورها البعض، طالما حرصت الدولة على أن يتم العلاج خلال فترة زمنية محددة (عشر سنوات”مثلاً)ً، على أن يتم بعدها العودة إلى الأوضاع الطبيعية، ويمكن تزداد الأجرة سنوياً خلال هذه الفترة الانتقالية بمعدلات مقبولة. فمن المفروض أن يتمكن الجميع من التعايش مع الأوضاع الطبيعية بعد فترة محددة ومعقولة (عشر سنوات مثلاً). والغريب أن النظام القائم يعترف بضرورة العودة إلى الأوضاع الطبيعية للإيجارات في المستقبل ولكن بعد فترة غير محددة واستناداً إلى وقائع خارج إرادة البشر مثل وفاة المستأجر وأولاده أو انهيار المبنى!

النظام الحالي للإيجارات يقوم على الازدواج في التعامل مع حقوق الملكية وحرية التعاقد متضمناً تمييزاً في المعاملة فيما بين السكان وفيما بين الملاك، وبذلك يعد خروجاً على مبدأ المساواة. وهو نظام يفتقد إلى أي اعتبار أخلاقي أو مبرر لأنه يتغاضى عن أوضاع الساكن أو المالك المالية، ويكتفي بالنظر إلى البناء وتاريخ عقد الإيجار. فهو دعم للحجر قبل أن يكون دعماً للبشر. والله أعلم.

الاهرام 6 يناير 2008

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *