الاستثمار الخارجي وفجوة التمويل

 

ربما كان فضل كينز على نظرية الماكرو هي توضيح مفاهيم الدخل أو الناتج القومي وما أدى إليه من تطوير الحسابات القومية. وبعد غير قليل من الإختلاط بيّن كينز التفرقة بين الكميات المتحققة  ex post والكميات المتوقعةex ante  فالكميات المتوقعة ex ante هي الكميات التي يتوقعها او يخطط لها الفاعلون الإقتصاديون، أما الكميات المحققة ex post فهي الكميات التي تتحقق في النهاية وبصرف النظر عن توقعات هؤلاء الفاعلين. وبالنسبة للكميات المتحقة ex post فقد أوضح كينز أنه لا بد وأن يتساوى الإستثمار مع الإدخار في أي إقتصاد مغلق.

الدخل أو الناتج القومي =  الإستهلاك + الإدخار

الدخل أو الناتج القومي =  الإستهلاك + الإستثمار

   الإستثمــــار     =  الإدخــار

أما إذا إنتقلنا من إقتصاد مغلق إلى إقتصاد مفتوح على العلاقات الإقتصادية، فإن الإستثمار المحلي يمكن أن يزيد أو ينقص عن الإدخار المحلي بقد ما تزيد الواردات أو تنقص عن الصادرات. وهكذا فإن الفجوة في الإقتصاد المحلي بين الإستثمار والإدخار المحليين تعوضها فجوة عكسية بين الواردات والصادرات. وبذلك أصبح من الممكن لدولة من الدول أن تستثمر محلياً أكثر مما تدخر إذا كانت قادرة على تحقيق عجز في الميزان الخارجي يعوض النقص في الإستثمار المحلي وبعبارة أخرى، فإن هذا العجز المحلي يعوض بإدخار أجنبي يأخذ شكل إستثمارت أجنبية. ومن هنا إرتباط الفجوتين، فجوة الموارد المحلية بين الإستثمار والإدخار المحليين وفجوة الميزان الخارجي بين التصدير والإستيراد.

الدخل أو الناتج القومي =  الإستهلاك + الإستثمار + الصادرات – الواردات

الدخل أو الناتج القومي  =  الإستهلاك + الإدخار

الإستثمار – الإدخار    =  الوردات – الصادرات

فجوة الموارد المحلية   =  العجز في الميزان الخارجي

هذا كله من الأمور المعروفة في مبادىء إقتصاد الماكرو. ومن هنا الحديث عن الفجوتين والذي إنتعش في الأدب الإقتصادي لنماذج النمو والتنمية في الستينات.

الإقتصاد العربي والفجوتين:

إنقسم الإقتصاد العربي منذ حوالي خمسين سنة، وتأكد ذلك بوجه خاص منذ ثورة النفط الأولى في منتصف السبعينات، إلى مجموعتين، مجموعة دول العجز التي تتميز بكثافة سكانية وإنخفاص في مستوى الدخل، وبالتالي قصور في الإدخار المحلي وعجز في موازين المدفوعات، ومجموعة دول النفط والتي تتميز بالخصائص العكسية، خفه سكانية وإرتفاع في مستوى الدخل وقصور في الطاقة الإستيعابية للإستثمار المحلي وبالتالي تحقيق فوائض في موازين المدفوعات والفوائض المالية.

ويمكن القول بشكل عام بأن العالم العربي يعرف في مجموعه فائضاً تجاه العالم الخارجي، بإستثناء عدد من السنوات القليلة كما في إثر حرب الخليح أو عند إنخفاض أسعار النفط بشكل كبير (1997 مثلاً). ولكن هذه الصورة للعالم العربي بإعتباره محققاً بشكل عام لفوائض مالية تخفي الحقيقة الكاملة. فالحقيقة أن هذه الفوائض تتركز فقط في عدد محدود من دول النفط، بل أن بعض هذه الدول (الجزائر) تعرف عجوزات في موازينها الخارجية. وعلى العكس فإن معظم سكان الدول العربية يعيشون في دول العجز المستمر حيث تُقصر الموارد المحلية (الإدخار) عن مواجهة إحتياجات الإستثمار المحلي، ولذلك يصبح الإستثمار الأجنبي من خلال عجز الموازين الخارجية الوسيلة الوحيدة للتغلب على قصور الموارد المحلية. وتبين الجداول المرفقة في آخر الورقة أوضاع الدول العربية في مجموعها وأوضاع الدول غير النفطية فيما يتعلق بالعجز أو الفائض  في الموارد المحلية وأوضاع موازين المدفوعات خلال العشرين سنة الماضية.

ومن المفيد ملاحظة أن الترابط بين الفجوتين، فجوة الموارد المحلية وفجوة العلاقات الخارجية ليس مجرد ترابط محاسبي، بل أن هناك نوعاً من العلاقات المباشرة، ذلك أن زيادة القدرة التصديرية قد إرتبط في معظم دول العالم بزيادة القدرة على توليد المدخرات المحلية، وبالعكس فإن نقص أو قصور القدرة التصديرية قد إرتبط بإنخفاض في معدلات الإدخار المحلي. وهكذا فإن زيادة قدرة التصدير أصبح عاملاً مؤثراً في علاج الفجوتين معاً.

وفي ضوء هذا الواقع الإقتصادي فإن المشاكل الإقتصادية للدول العربية قد تحددت في عدد محدود من القضايا. في دول العجز كيف تستطيع دول العجز أن تزيد من قدراتها المحلية في زيادة الموارد وبالتالي زيادة الإدخار المحلي ويرتبط ذلك عادة بزيادة القدرة على التصدير. وفي نفس الوقت، وإلى أن يتحقق هذا التوازن الداخلي، كيف يمكن جذب الإستثمارات الأجنبية لسد فجوة التمويل المحلي. أما بالنسبة لدول الفائض، فإن المشكلة الإقتصادية تمخضت من ناحية على العمل على زيادة القدرة الإستيعابية المحلية وزيادة الإستثمار المحلي بغرض تنويع مصادر الدخل، ومن ناحية أخرى العمل على حسن وكفاءة الإستثمارات المالية الخارجية. وأخيراً فمن وجهة النظر العربية العامة بدت المشكلة في كيفية إستخدام الفوائض المالية العربية لدول الفائض في الإستثمار في دول العجز. وهو أمر يرتبط بتوفير مناخ الإستثمار المناسب في دول العجز من بنية أساسية مؤسسية ومادية.

وبالنظر إلى قسوة المشكلة في دول العجز والتي تخضع لسطوتي العجز في الموارد المحلية (قصور الإدخار) والعجز في الموازين الخارجية، وذلك بالمقارنة بمشكلة دول الفائض النفطية، فإننا سوف نركز فيا يلي على أوضاع هذه الدول، وذلك في عجالة سريعة.

فجوة التمويل المحلي في دول العجز العربية:

يمكن القول بشكل عام في ضوء التجارب الإقتصادية العالمية، أنه ربما بإستثناء انجلترا ودول الطفرة الأولى للثورة الصناعية في نهاية القرن الثامن عشر، فقد مرت معظم الدول بمرحلة قصور في التمويل المحلي والإعتماد على شكل من الإستثمارات الأجنبية، وقد كانت هذه بوجه خاص تجربة الولايات المتحدة الأمريكية وعديد من دول أمريكا اللاتينية. فالإعتماد على الإستثمارت الأجنبية لتعويض القصور في الموارد المحلية نمط معروف وله سوابق تاريخية. وشيء قريب من ذلك حدث بالنسبة لدول جنوب وجنوب شرق آسيا فيما عرف بالنمور الآسيوية أو الدول الصناعية الجديدة. فقد إستطاعت هذه الدول إجتذاب رؤوس أموال وإستثمارات أجنبية وخاصة من اليابان، في المرحلة الأولى للتطوير خلال الخمسينات والستينات والسبعينات، وحتى الصين في تجربتها الحديثة بعد الإصلاح الإقتصادي، فإنها أستطاعت أن تجتذب إستثمارت هائلة من أبنائها المهاجرين في دول أخرى فضلاً عن العديد من الإستثمارات الأمريكية واليابانية. ومع ذلك فإنه لا ينبغي أن ننسى أن هناك أيضاً بعض الحالات القليلة التي لم يكن للإستثمارات الأجنبية فيها دور مؤثر في حركة التصنيع، ويصدق بذلك بوجه خاص على اليابان في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وعلى الإتحاد السوفيتي فترة الشيوعية. فرغم أن روسيا كانت من أكبر الدول المدينة في العهد القيصري، فإنها عمدت إلى الإعتماد على الذات طوال الفترة الشيوعية، وإن كان قد خفف من ذلك سيطرة الإتحاد السوفييتي على دول المعسكر الإشتراكي. وأياً ما كان الأمر، فقد صاحب الإعتماد على الذات نظام داخلي بالغ القسوة إلى درجة اللاإنسانية أحياناً، ولم يكن دائماً على درجة كبيرة من الكفاءة. وبعد إنتهاء المرحلة الشيوعية عادت روسيا من جديد إلى البحث عن الإستثمارات الأجنبية. ومن كل ذلك يتضح أهمية الإستثمارت الخارجية في عملية التنمية الإقتصادية.

فجوة التمويل المحلي وتطور قطاع التصدير:

إذا كان إجتذاب الإستثمارات الأجنبية أمر طبيعي في مراحل التنمية والتصنيع فمن الضروري تذكر حقيقة إرتباط الإستثمارات الأجنبية بزيادة القدرة على التصدير حتى يمكن إستمرار تدفق هذه الإستثمارات الأجنبية. فالإستثمارت الأجنبية وسواء أخذت شكل قروض أو إستثمارات مباشرة أو إستثمارات مالية، فإنها تتطلب إمكانية الخروج exit فالقروض لا بد أن تسدد، والإستثمارات المالية لا بد أن تكون قادرة على الحركة وإقتناص الفرص في الأسواق الأخرى، وبالمثل فإن الإستثمارات المباشرة لا بد وأن تكون قادرة على تحويل الأرباح ورأس المال إذا إحتاج الأمر. ولذلك فإذا لم يصاحب زيادة الإستثمارات الأجنبية زيادة مقابلة في القدرة على زيادة الصادرات، فإن هذه الإستثمارت الأجنبية لا بد وأن تصل إلى طريق مسدود. وقد عرفت ألمانيا مع الحرب العالمية قضية مشابهة لذلك عندما فرضت عليها الدول المنتصرة تعويضات مالية كبيرة، ووجدت ألمانيا نفسها في أوضاع تجعلها غير قادرة على سداد هذه التعويضات لأن ميزانها الخارجي لم يتحسن، وبالتالي فإنها اضطرت في أول الأمر إلى الإقتراض من الولايات المتحدة لكي تسدد ما عليها من تعويضات، وأخيراً فإن قامت، مع وصول هتلر إلى الحكم، بإلغاء هذه المعاهدة كلياً والتنصل من إلتزامها بدفع التعويضات. وكان كينز قد نبه إلى مخاطر فرض تعويضات مالية على ألمانيا لا يستطيع ميزانها الجاري أن يدعمها، وذلك فيما عرف في ذلك الوقت بالجدل حول قضية التحويل The Transfer Problem.

وإذا كان نمو وتطوير صناعات التصدير شرط لازم لإستمرار تدفق الإستثمارات الأجنبية، فقد سبق أن أشرنا أن التجربة التاريخية أفادت بأن هناك علاقة بين حجم قطاع التصدير وحجم المدخرات المحلية. ومعنى ذلك أن نمو الصادرات ليس فقط دافعاً لإستمرار تدفق الإستثمارات الأجنبية بل أنه يعمل في نفس الوقت على زيادة حجم المدخرات المحلية، وبالتالي يضيق من الفجوة التمويلية المحلية بين الإستثمار والإدخار المحليين. فالصادرات والحال كذلك هي القوة الدافعة للنمو الإقتصادي من ناحية، ولعلاج الفجوة وعدم التوازن المحلي والخارجي معاً من ناحية أخرى. وهكذا نجد فشل الدول في سياستها للتصدير ينعكس بآثار سلبية على مختلف الجبهات، زيادة فجوة التمويل المحلي، ونضوب الإستثمارات الأجنبية، وبالنهاية إنخفاض معدلات النمو.

الإستثمار  المحلي والإستثمار الأجنبي:

رأينا أن دول العجز في حاجة إلى إجتذاب الإستثمارت الأجنبية، مع كل ما يتطلبه ذلك من سياسات وإجراءات. وينبغي التنبيه هنا إلى أن تشجيع الإستثمارت الأجنبية لا يتطلب سياسات خاصة بالإستثمار الأجنبي، بل سياسات لتشجيع الإستثمار بشكل عام وطني وأجنبي على السواء. فقد أثبتت التجربة أن الضمان الحقيقي لأية مزايا تُمنح للمستثمر الأجنبي، هو أن يتمتع بها أيضاً المستثمر الوطني، أما إقامة التفرقة لصالح المستثمر الأجنبي فهو كثيراً ما يأتي بآثار عكسية.

وفي وقت من الأوقات كان الإعتقاد بأن الإعفاءات الضريبية والجمركية هي أفضل وسائل تشجيع الإستتثمارت الأجنبية، في حين أن التجربة قد أثبتت أن توافر المناخ السليم للإستثمار هو العنصر الأساسي. ويتوقف توافر هذا المناخ على مدى توافر بنية أساسية مادية ومؤسسية على السواء. فلابد من توافر بنية أساسية مادية من طرق وموانىء ومواصلات وإتصالات وظروف معيشية مناسبة. ولكن البنية الأساسية المادية وحدها غير كافية، فلا بد من وجود نظام قانوني واضح ومبسط يعترف بالحقوق ويوفر الحماية لها، وأن يكون النظام القضائي فعّال وعادل وسريع. ولا بد من توافر معلومات وإحصاءات سليمة وحديثة، وأن تكون السياسات المالية والنقدية مستقرة بعيدة عن المفاجآت، وبطبيعة الأحوال فإن الإستقرار السياسي والأمان الإجتماعي أمر بالغ الأهمية. كذلك فإن توافر يد عامله مدربة ومنضبطة وقوانين للعمل مرنة فضلاً عن مؤسسات للتعليم والتدريب، كافية وديناميكية. وإذا كانت هذه المؤسسات السياسية والقانونية والإقتصادية ضرورية، فإنه يجب أن يتوافر بالإضافة إلى ذلك نظام قيم إيجابي، يقوم على الثقة وإحترام التعهدات وتحمل المسؤولية. وبوجه خاص لا بد من توافر إدارة حكومية معروفة بالنزاهة والكفاءة.

التعاون الإقتصادي العربي:

الحديث عن الفجوتين بين الإستثمار والإدخار المحليين من ناحية وبين الصادرات والواردات من ناحية أخرى يشير بشكل مباشر إلى إمكانيات وحدود التعاون الإقتصادي العربي. فقد رأينا أن الإقتصاد العربي ينقسم – بشكل عام – إلى مجموعتين، مجموعة عجز الموارد المحلية، ومجموعة الفوائض المالية، المجموعة الأولى تعاني من عجز في الفجوتين، والمجموعة الثانية تتميز بفائض بينها. ومن ثم فقد يكون مثالياً أن يتحقق أكبر قدر من التكامل بينهما.

ومع ذلك فقد أبرزت التجربة لأكثر من خمسين سنة أن هذا التكامل يسير بشكل بالغ البطء، ويكاد لا يتحقق شيء منه على أرض الواقع. فالتجارة البينية بين الدول العربية لم تتجاوز في أي وقت من الأوقات 10% من مجموع تجارة البلدان العربية رغم ما وقع من إتفاقات لتسهيل التجارة بدءاً من إتفاقية تسهيل التجارة وتجارة الترانزيت في عام 1953 وحتى إقامة منطقة التجارة العربية الحرة عام 1996. أما الإستثمارات فهي لا تزال محدودة، والحجم الأكبر يرجع إلى جهود حكومية أو مؤسسات حكومية، أما الإستثمارات الخاصة فلا تزال قليلة ومحصورة في قطاعات محدودة مثل السياحة والعقارات. وربما النجاح الوحيد الذي تحقق من التكامل الإقتصادي العربي بشكل بارز، هو إنتقالات العمالة من دول العجز إلى دول الفائض مع ما ترتب عليها من تحويلات مالية كبيرة حسنّت من أوضاع موازين المدفوعات في عدد من دول العجز.

أما عن سبب ضعف التعاون الإقتصادي، رغم كثر الحديث عنه، فهو أمر تتناوله الأقلام بما لا مزيد عليه. وترجع هذه الأسباب بشكل عام إلى ضعف الإرادة السياسية لدى حكومات الدول العربية، وإلى نقص البنى التحتية اللازمة لمزيد من التعاون – خدمات، طرق، وموانىء – والتعقيدات الإدارية والبورقراطية وبشكل عام عدم توافر المناخ الإستثماري المناسب. ولا شك أن توافر مثل هذا المناخ لن يساعد فقط على زيادة حجم التعاون الإقتصادي العربي بل أنه سوف يؤدي في نفس الوقت إلى زيادة حجم الإستثمارت الأجنبية بشكل عام فضلاً عن الإستثمارات المحلية أيضاً. ولذلك فإن الدول العربية مدعوة لإصلاحات إقتصادية وسياسية أخرى من شأنها أن تحسن من المناخ الإستثماري السائد. وهذا الإصلاح سوف يساعد على توفير أكبر دعم للقضايا العربية في الفجوتين المحلية والخارجية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *