الاستقرار القانوني

تناولنا في مقال سابق الحديث عن أهمية الاستقرار النقدي كشرط للتقدم الاقتصادي حيث يوفر مثل هذا الاستقرار إطار الحساب الاقتصادي المناسب لاتخاذ القرارات الاقتصادية من حيث المقارنة بين العائد والتكلفة والاختيار بين الإمكانيات المتاحة، ولكن الاستقرار النقدي وحده لا يكفي لتوفير معنى الاستقرار بشكل عام، الأمر الذي يتطلب أيضاً استقراراً في نختلف الميادين. ويعتبر الاستقرار القانوني من أهم شروط ومقومات النجاح الاقتصادي. فالنشاط الاقتصادي يتمخض في نهاية الأمر على تحديد مراكز قانونية للأفراد والمشروعات، وبقدر ما تكون هذه المراكز القانونية واضحة ومحددة ومعترف بها وتحظى بالاحترام من جانب السلطة العامة والمجتمع، بقدر ما يمكن أن تتم الأعمال في سهولة ويسر، وبقدر ما يشوب هذه الأمور من غموض أو خلط أو عدم يقين بقدر ما ترتبك الأعمال بل وقد تتوقف تماماً.

فالنشاط الاقتصادي يبدأ بالتعامل والتصرف في الموارد المتاحة، وهذا يتطلب أن تكون الحقوق على هذه الموارد، خاصة حق الملكية واضحة ومحددة ومعترفاً به دون نزاع أو شكوك، وأن تحدد مدى حقوقه وحدودها بشكل واضح لا خلاف حوله، وإذا كانت نقطة البدء في النشاط الاقتصادي هو الاعتراف بالحقوق على الموارد والتي قد تكون حقوقاً عينية الملكية في الدرجة الأولى. فإن النشاط الاقتصادي لا يقتصر على تبادل الملكية “البيع” وإنما يتضمن غالباً علاقات بأداء بأعمال، فهذا يتطلب الالتزام ببناء أو تشييد، وذلك يتطلب الالتزام بتوريد آلات أو بضائع، وثالثاً يتعهد بتقديم خدمات من عمالة أو إدارة، وهكذا فالنشاط الاقتصادي في جوهره هو تعاقدات وتعهدات على القيام بأعمال وتنفيذ أشياء في المستقبل مقابل عائد محدد، وما لم تكن هذه التعاقدات وما يرتبط من التزامات واضحة ومحددة وتحظى بالاحترام من جانب الأفراد والحماية من جانب السلطات العامة، فإن النشاط الاقتصادي يختل وقد يتلاشى تماماً. ولا يقتصر الأمر على أهمية الاعتراف والاحترام للحقوق والتعهدات. بل ولابد أن يكون ذلك متاحاً للجميع بتكلفة معقولة وبإجراءات سهلة وغير مرهقة فإذا كان مثل هذا الاعتراف والاحترام ممكناً، ولكن بعد إجراءات تقاض معقدة ومرهقة بتكاليف علية وبعد مرور وقت طويل، فإن هذه التكاليف العالية تجعل الوضع أقرب إلى انعدام النظام القانوني، وتشير إلى ضعف كفاءته، ولكل ذلك نجد أن الاتجاه الحديث في الاقتصاد يتجه إلى ما يعرف بالاقتصاد المؤسسي، الذي يربط التقدم الاقتصادي بمدى توافر المؤسسات والنظم السليمة، وما يترتب عليه تأثير على تكلفة المعاملات. فانخفاض تكلفة المعاملات هو أحد مقومات الاستقرار.

ويذهب البعض إلى أن الثورات الاقتصادية الكبرى في تاريخ البشرية ارتبطت بتطور فكرة الحقوق والنظم القانونية المناسبة لتنشيط العمل الاقتصادي، فالثورة الاقتصادية الأولى في حياة البشرية، وهي الثورة الزراعية، لم تكن مجرد تطور تكنولوجي باكتشاف أساليب الزراعة واستئناس الحيوان، بقدر ما صاحبها ثورة قانونية أدت إلى نشوء مفهوم الملكية والحق العيني، فقد كان الإنسان يعيش قبل اكتشاف الزراعة على اللقط والصيد، ينتقل من مكان آخر بحثاً عما يقتات به مما تجود به الطبيعة من نبات أو حيوان، وهو في هذا لم يكن يعرف شيئاً عن الملكية باعتبارها “حقاً قانونياً” يعترف له به الآخرون “الحيازة المادية” كانت تكفي مادام يستطيع الدفاع عنها وحمايتها بالقوة المادية. وكان الانتقال إلى مرحلة الزراعة مصاحباً لظهور فكرة الملكية، حيث  يستأثر فرد – أو جماعة – بمساحة من الأرض يصلحها أو يزرعها دون عدوان من الآخرين، فجوهر الملكية والحقوق جميعاً هو فكرة الاستئثار بمنافع الشيء لمصلحته وحده دون غيره، وأن يتم الاعتراف له بذلك من الجميع، وهذا الاعتراف هو ما يجعل الملكية “حقاً” وليست “وضعاً مادياً” كما في الحيازة، فالفارق بين الملكية والحيازة هو أن الملكية فكرة قانونية تستند إلى معنى الحق الذي يعترف به الجميع، أما الحيازة فهي مجرد وضع مادي دون أن يسنده هذا الاعتراف العام مع الآخرين.

وهكذا ساعدت فكرة الملكية على ظهور الزراعة وتقدمها إذا استأثرت الجماعات المختلفة بمساحات من الأراضي لا يتعرض لها الآخرون، وبذلك توافر لهذه الجماعات الحافز على الاهتمام بالأرض واستثمارها نظراً لشعورها بأن عائد جهودها سوف يعود عليها وحدها، مع اعتراف الآخرين لها بهذا الحق واحترامهم له. وإذا كان الثورة الاقتصادية الأولى – الزراعة – قد استندت إلى ظهور فكرة الملكية والحقوق العينية، فقد قامت الثورة الاقتصادية الثانية الصناعية – مع تطور فكرة العقود والالتزامات الشخصية، فجوهر الزراعة هو الأرض، وبذلك فقد كانت الملكية العقارية هي أساس الحياة الاقتصادية ومظهر الثروة الرئيسي، أما مع الصناعة فقد قامت شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية جوهرها العقد، وأصبحت الثروة المنقولة لا تقل عن المساهمة نقطة تحول أساسية للمساعدة، فقد كان ظهور فكرة الشركة خاصة الشركة المساهمة نقطة تحول أساسية للمساعدة في تراكم رؤوس الأموال، كما كان ظهور الأوراق التجارية قبل ذلك دافعاً كبيراً لنمو التجارة الدولية. وبالمثل كان ظهور وتطور مجموعة من القواعد المنظمة للتعاقدات والالتزامات شرطاً جوهرياً لنجاح وتطور الثورة الصناعية. واستمراراً لنفس المنطق، فإننا ونحن على أعتاب الثورة الاقتصادية الثالثة – ثورة المعلومات – نعاصر ازدهاراً في أهمية نوع ثالث من الحقوق، وهو حقوق الملكية الفكرية، فهذه الثورة الاقتصادية الجديدة وهي تعتمد اعتماداً كبيراً على الإنتاج الذهني وإبداعه في براءات الاختراع وحقوق المبدعين، قد رفعت بعناصر الملكية الفكرية إلى المقدمة كأساس للثروة الجديدة فكما شكلت الملكية العقارية الأساس القانوني للثورة الزراعية، وكما كانت العقود والالتزامات الشخصية جوهر المعاملات في الصورة الصناعية، فقد أصبحت الملكية الفكرية عنوان ثورة المعلومات، وهكذا تكاتف التطور القانوني مع التطور التكنولوجي والاقتصادي.

وعندما نتحدث عن الاستقرار القانوني المصاحب للتقدم الاقتصادي، فإن ذلك يعني أن تكون المراكز القانونية الناجمة عن النشاط الاقتصادي واضحة وفعالة وغير معرضة للاهتزاز والمفاجآت، فالنشاط الاقتصادي بطبيعته نشاط ممتد من الزمن، وجوهر الاقتصاد هو التعامل مع المستقبل والرهان عليه، ولذلك فينبغي أن تكون هناك فكرة واضحة عن المراكز القانونية ليس في الحاضر فقط، وإنما في المستقبل أيضاً. وليس معنى ذلك أن القانون ينبغي أن يظل جامداً، فهذا هو أبعد الأشياء عن الحقيقة، وإنما المقصود هو ألا يكون مجال تطور القانون وتعديله ميداناً للمفاجآت والصدمات. فالقانون يعبر عن حاجات المجتمع، وهي بطبيعتها في حالة تطور، ولكنه تطور معروف المعالم، ومن ثمّ فإن الشارع لا يقيم فخاخاً عند تعديل القانون، كما لا يصدر قوانين بأحكام غير متوقعة أو فجائية. ولذلك فإن الاستقرار القانوني لا يعني فقط حماية المراكز القانونية القائمة واحترام حقوق الأفراد وضمانها في الحاضر والمستقبل، ولكن الاستقرار يعني أيضاً وبنفس القوة احترام التوقعات والآمال المشروعة. فإذا كان الاعتداء على الحقوق القائمة اعتداء على الاستقرار القانوني، فإن تهديد الآمال المشروعة وإحباطها لا يقل إخلالاً بفكرة الاستقرار القانوني. وإذا كانت القوانين الجديدة ينبغي ألا تكون فخاً أو كميناً يفاجئ الأفراد، فكثيراً ما تكون الأحكام القائمة أشبه بالفخ أو المصيدة، عندما تصدر أحكام في قوانين لا علاقة بها بهذه الأحكام، كأن يفاجأ الشخص بضرائب أو بغرامات ليست في قانون الضرائب وإنما في قوانين أخرى غير متوقعة. فالقاعدة التي تتطلب ألا يعذر أحد بجهل القانون، تفترض أيضاً حسن النية بأن تكون الأحكام واردة حيث يتوقعها الإنسان وليست في مكمن. عندما تحدثنا عن الاستقرار النقدي، أشرنا إلى أن استقرار قيمة النقود وعدم تعرضها لتغيرات كبيرة يعتبر شرطاً أساسياً لمعنى الاستقرار النقدي. أما في حالة القانون، فإن الاستقرار لا يعني الجمود وعدم تعديل القوانين، بل كثيراً ما يكون هذا الجمود وعدم التغير مظهراً لعدم الاستقرار. فالنقود كمقياس تطلب الثبات في القيمة لتحقيق الاستقرار النقدي، أما القانون وهو يتطلب التلاؤم مع الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية فإنه يتطلب التطور المستمر مع هذه الاحتياجات لتحقيق الاستقرار القانوني. فاستمرار قوانين بالية لا تتفق مع العصر واحتياجاته وبالتالي يصعب احترامها، يعتبر مظهراً من مظاهر عدم الاستقرار القانوني بما يخلقه من أوضاع شاذة بين قانون غير مطبق وواقع جديد لا يعرف تنظيماً قانونياً سليماً. فاستمرار العمل بقوانين صممت للنظام الاشتراكي مثلاً بعد الأخذ بنظام السوق هو من قبيل الجمود وليس الاستقرار. ومن هنا فإن التغيير والتعديل في القوانين بما يتفق مع الاحتياجات الجديدة لا يعتبر خروجاً على معنى الاستقرار بل قد يكون مراعاة له. فالاستقرار القانوني يعني الملاءمة المستمرة بين أحكام القانون واحتياجات المجتمع. ولذلك فجمود القوانين قد يكون مدعاة لدعم الاستقرار.

وعندما نتحدث عن القوانين فإننا لا نشير فقط إلى الأحكام القانونية المنظمة لمختلف العلاقات، ولكننا نشير أيضاً إلى العديد من التصورات والمفاهيم القانونية اللازمة لمواجهة واحتياجات التعامل. فقد أشرنا إلى أن ظهور مفهوم الملكية والحق العيني كان فكرة ثورية ساعدت الثورة الزراعية، كما كانت فكرة الشركة المساهمة والأوراق التجارية والأوراق المالية أفكاراً ثورية دعمت الثورة الصناعية. ومن هنا فإن تطور المفاهيم القانونية وقبولها لأفكار ونظم جديدة كثيراً ما ساعد على سرعة التطور. وإذا نظرنا إلى القانون الحديث في مصر فإننا نجد أن هناك مفاهيم قانونية في نظم أخرى ليس لها مقابل في نظمنا القانونية. وهي مطلوبة لمواجهة احتياجات التعامل. فقد عرف القانون الإنجلو سكسوني – مثلاً – منذ مدة طويلة مفهوم شركة الفرد الواحد، كذلك هناك مفهوم صندوق الائتمان Trust والذي يقابل إلى حد بعيد فكرة الوقف في الشريعة الإسلامية. ونحن في حاجة ماسة إلى إدخال الكثير من المفاهيم الجديدة على الفكر القانوني وبما يسمح بمتابعة تطورات الحياة الاقتصادية. فالاستقرار القانوني لا يتطلب فقط الوضوح والفاعلية، بل إنه يفترض أيضاً تطور المفاهيم القانونية وتفاعلها مع العصر خاصة وأننا نتعامل في عالم تتزايد فيه العلاقات الاقتصادية بين الدول، وهي دول ذات مفاهيم قانونية كثيرة ومتنوعة. والاستقرار القانوني بالمعنى المتقدم ليس فكرة نظرية وإنما هو ممارسة يومية تقتضي الوضوح في المراكز القانونية للأفراد في معاملاتهم اليومية وضمان حصولهم فيما بين الأفراد يمثل الكثرة الغالبة للعلاقات القانونية، فإن علاقات الأفراد بالسلطة تحتل أهمية بالغة في توفير معنى استقرار واحترام القوانين. فالسلطة ليست طرفاً عادياً في العلاقات القانونية، بل إنها الطرف الأقوى والذي يفرض النموذج والمثال. فإذا كانت الدولة وأجهزتها تخل باحترام القوانين، وتميز في المعاملات بين الأفراد، وتخرج عن الأحكام، فإنه يصعب أن يسود جو من احترام القانون. فالقانون يجد سنده الأساسي في قيام السلطة بفرض احترامه جبراً على الأفراد، ولا تنجح الدولة في ذلك ما لم تكن الدولة هي النموذج الأول لاحترام القانون. ويبدأ الإخلال بالقانون عندما تعمد أجهزة الدولة وسلطاتها إلى التحرر من التزاماتها القانونية. فلا وجود لقانون ما لم تسنده سلطة تنفيذية تفرض احترامه – جبراً عند الضرورة – على الأفراد. ولا سلطة تنفيذية ناجحة تستطيع أن تفرض احترام القانون إذا لم تتقيد هي احترام القانون. ومن أهم أجهزة الدولة المسئولة عن حماية معنى القانون، تلك الأجهزة التي تثبت حقوق الأفراد مثل مصلحة الشهر العقاري ومصلحة الشركات وإدارات التسجيل بصفة عامة. فما لم تكن حقوق الأفراد المسجلة رسمياً في وثائق أجهزة الدولة سليمة وتتمتع بالمصداقية، فإن فكرة الحقوق تقوض من أساسها. وإذا كانت حياة القانون العادية تتناول علاقات الأفراد فيما بينهم وعلاقاتهم مه الأجهزة الحكومية، فإن القضاء يتدخل عنصراً حاسماً في حل المنازعات. ومن هنا فإن نزاهة القضاء ومصداقيته وفاعليته هي جزء أساسي من فكرة الاستقرار القانوني. وعندما نتحدث عن القضاء فإن ذلك يمتد إلى أعوان القضاء من المحامين وأجهزة تنفيذ هذه الأحكام. والقضاء بهذا المعنى هو الضمان النهائي لدولة القانون. وقد وجدت بعض الدول النامية أن أهم ميزة لجذب المستثمرين الأجانب – وكذا الوطنيون – هي توافر نظام قضائي ذي مصداقية عالية. وفي حديث لرئيس جمهورية قبرص في مصر مع عدد من القيادات الفكرية ورجال الأعمال منذ عدة سنوات في القاهرة، أفاد أن التجربة قد أثبتت أن أهم حوافز المستثمرين الأجانب هي توافر نظام قانوني وقضائي سليم. ويبدو أن هذه هي تجربة سنغافورة وهونج كونج وماليزيا. وقد عرفت مصر نظاماً قانونياً مستقراً وناجحاً منذ نهاية القرن التاسع عشر، عندما صدرت مجموعة القوانين الأساسية (القانون المدني، القانون التجاري، قانون العقوبات، قانون البحري، قوانين الإجراءات)، ولكنها شاهدت أيضاً في النصف الأخير من القرن العشرين إسرافاً تشريعياً كثيراً مما افتقد التناسق والتكامل، حتى قيل إننا نعيش في غابة من التشريعات. التقدم الاقتصادي لا يتحقق فقط بالاستثمارات مادية كانت أم بشرية، أو بتوافر البنية الأساسية، ولكنه يستند إلى الوقت نفسه إلى مدى توافر الإطار المؤسسي الملائم. والاقتصاد هو في نهاية الأمر تعامل مع الحقوق، بالعمل على حسن تداولها وعلى نموها ورواجها. وهو أمر لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل دولة القانون، تتحدد فيها بوضوح المراكز القانونية وتحترم الحقوق قولاً وفعلاً.   والله أعلم

الأهرام : 4 مارس 2001 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *