الاغلبية مسئولية وليست امتيازا

الله أعلم:

الاغلبية مسئولية وليست امتيازا

دكتور حازم الببلاوى

www.hazembeblawi.com

الحديث عن الديمقراطية هو، غالباً، حديث عن الأغلبية. هذا حق،ولكنه ليس كل الحقيقة. فمن حق الأغلبية أن تحكم،ولكنها لا تستطيع، بإسم “الأغلبية”، أن تلغى أو تقيد حقوق وحريات الأقلية. فهناك حقوق وحريات أساسية للأفراد لا يمكن، ولا يجوز، الإعتداء عليها ولو بإسم “الأغلبية”، مهما بلغت هذه “الاغلبية”.

وعندما نتحدث عن الحقوق والحريات الأساسية للأفراد، فإننا نتحدث عن مفهوم “إنسانى” متطور بحسب العصر. فما يعتبر من الحقوق والحريات الأساسية للفرد والتى لا يجوز الإعتداء عليها، ولو بإسم “الأغلبية”، يختلف من عصر إلى آخر. ولعل أبرز مثال على ذلك هو الرق. فالرق قد عرف فى معظم ـ إن لم يكن جميع ـ المجتمعات القديمة، وقد كان نظاماً مقبولاً ومسموحاً به. وحتى الأديان السماوية من يهودية ثم مسيحية وأخيراً إسلامية، فإنها لم تعارضه، وإن طالبت بحسن معاملة الرقيق. وقد توسع الإسلام فى الدعوة إلى إعتاق الرقيق كلما كان ذلك متاحاً وشجع عليه. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، قامت دعوة عالمية لتحرير العبيد، وعقدت معاهدات لهذا الغرض، وعرفت الولايات المتحدة حرباً أهلية بسبب الإنقسام حول هذه القضية. وهكذا أصبحت حرية الفرد وتحرره من أشكال العبودية، أحد حقوق الإنسان والتى لا يجوز المساس بها. ولم يقتصر التوسع فى حقوق الإنسان على تحريره من العبودية بل توسع ليشمل حرية العقيدة وحرية الرأى وحرية الإجتماع والمساواة بين الرجل والمرأة إلى آخر قائمة الحريات الأساسية، والتى ينبغى أن يتمتع بها كل فرد طالما لا يؤذى غيره. وهى حقوق أساسية تعلو على أية أغلبية مهما بلغت نسبتها. وقد أكدت المواثيق الدولية هذه الحقوق والحريات، وأصبحت جزءاً من النظام القانونى الدولى. وقد إنضمت مصر إلى معظم هذه المواثيق.

وهكذا تطور مفهوم “الديمقراطية” ولم يعد قاصراً على مجرد حكم “الأغلبية”، بل أصبح أيضاً نظام “إحترام حقوق وحريات الأفراد”. وكان قد تنبه إلى هذا التطور المفكر الفرنسى بنجامين كونستانت حيث أصدر كتاباً فى بداية القرن التاسع عشر (1819) بعنوان “الحريات القديمة والحديثة”. فالحرية بالمعنى الحديث هى الإعتراف للفرد بمجال خاص يتمتع فيه بإستقلال ولا يخضع فيه لغير القانون، فى حين أن الحرية بالمعنى القديم تشير إلى المشاركة فى الحكم وإصدار القوانين وإتخاذ السياسات بالأغلبية. وقد رأى أنه وفقاً للمفهوم الحديث للحريات فإن “الأغلبية” لا يجوز لها ـ بإسم الديمقراطية ـ أن تعتدى على الحقوق الأساسية للأفراد. وقد بدأ هذا الفكر السياسى منذ جون لوك فى نهاية القرن السابع عشر، والذى وضع أسس مفهوم الديمقراطية الليبرالية. ولم تتوقف الدعوة للحرية عند هذه الحدود، إذ إتسع مفهوم هذه الحرية ذاته مراعاة للظروف الإقتصادية والإجتماعية وذلك “بتمكين” الأفراد من ممارسة حقوقهم وذلك بضمان فرص للعمل وتوفير خدمات تعليمية وصحية مناسبة وحماية البيئة. وهكذا. فإلى جانب إلتزام الدولة بإحترام مجال خاص ومستقل للأفراد يتمتعون فيه بالحرية وحرمة حياتهم الخاصة، هناك إلتزام من الدولة للتدخل بتمكين الأفراد من التمتع بهذه الحقوق وذلك بضمان مستوى كاف من التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل.

وهكذا إتضح أن مفهوم الحرية والديمقراطية يجاوز بكثير المفهوم الضيق لحكم “الأغلبية”. فالأغلبية التى تهدر حقوق الأفراد والأقليات هى أخطر مظاهر الإستبداد وأكثرها وحشية. وبالمثل فإنه ما لم تتوافر الظروف الإقتصادية والإجتماعية اللازمة “لتمكين” الأفراد من إستغلال طاقاتهم البدنية والنفسية والعقلية، فلا يمكن الإدعاء بأن الحرية قد تحققت.

وبالإضافة إلى ضرورة تقييد حقوق الأغلبية بضرورة إحترام الحريات الأساسية للأفراد، وتمكينهم من إستغلال طاقاتهم البشرية بتوفير الخدمات الأساسية فى الأمن والعدل وفرص العمل وفرص التعليم والرعاية الصحية، فإن هناك قيداً أخيراً لا يقل أهمية وخطورة، وهو ما يتعلق بالكفاءة وضرورة إحترام التخصصات الفنية والمهنية فى أداء الأعمال. فالحديث عن رأى “الأغلبية” لا يصلح إلا فى المسائل العامة التى تخضع للمنطق السليم Common Sense والقضايا العامة. ولكن لا يمكن إدارة الأمور المتخصصة التى تتطلب مهارة فنية وتدريباً علمياً بمنطق الأغلبية والأقلية. فهذه الأمور تتطلب دراية فنية وعادة تدريباً علمياً وعملياً طويلاً. وهى أمور لا يعرفها إلا أهل المهنة أو الصنعة. فلا يمكن أن تترك أمور إدارة مستشفى وعلاج المرضى ـ وهم الأغلبية ـ بمقولة أنهم الأغلبية، وبالمثل لا يمكن أن نترك إدارة الفصول الدراسية والقيام بالتدريس للطلبة والتلاميذ لمجرد أنهم الأغلبية. وبطبيعة الأحوال، فإن إصرار ركاب الطائرة على القيادة لأنهم بحكم العدد بالمقارنة بطاقم قيادة الطائرة يمثلون الأغلبية، فإن هذا سيكون حكماً بسقوط الطائرة. ولذلك فهناك ضرورة للتنبه بعدم إخضاع القضايا الفنية لغير المتخصصين فذلك هو أول الطريق إلى الفشل. وهو فشل يتم كثيراً بإسم الغوغائية متسترة بشعار “الأغلبية”، وأحياناً بإسم “أهل الثقة”.

ففى العصر الحديث، وحيث تعقدت ظروف الحياة أصبح التعليم والخبرة المهنية والكفاءة الفنية أحد أهم أسباب التقدم. والديمقراطية، وهى تسعى للعمل على إشباع حاجات ومطالبات الجماهير، فإنها لا تعنى الإستغناء عن الكفاءات والمهارات. الديمقراطية تعنى وضع مطالب الجماهير فى مقدمة الأولويات، ولكنها لا تعنى تغليب “الكم” على “الكيف”، بل تسعى لتحقيق العدالة فى الفرص مع مكافأة وتفضيل المتميز والقادر على الجاهل والكسلان. فحكم “الأغلبية” يعنى أن يدار المجتمع لمصلحتهم ولكن بواسطة الأكثر كفاءة وعلماً. فالأغلبية العددية ليست بديلاً عن الكفاءة. فحكم “الأغلبية” ليس عدواً للكفاءة أوالتخصص.

وهكذا يتضح أن الحديث عن حكم “الأغلبية” يعنى توجيه سياسات المجتمع لمصالح هذه الأغلبية مع مراعاة إحترام الحقوق والحريات الأساسية للأفراد من ناحية، وتمكين المواطنين من التمتع بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية من ناحية ثانية، وضمان كفاءة القائمين على نشاط الدولة مهنياً وأخلاقياً من ناحية ثالثة. الوطن ملك للجميع وليس حكراً على اغلبية أو أقلية، وعلى الجميع مسئولية حمايته والعمل على تقدمه.

وهكذا فحكم “الأغلبية” هو بالدرجة الأولى “مسئولية” وليس إمتيازاً. وهى مسئولية مقيدة بتحقيق آمال وتطلعات الغالبية مع الإحترام الكامل لحقوق وحريات الأفراد والأقليات، وعدم التضحية بالكفاءة والخبرات الفنية والمهنية المتراكمة. “فالنخبة” ليست فى عداء مع “الأغلبية” بل هى أداتها لتحقيق مجتمع الحرية والمساواة، مع الكفاءة الفاعلية.

“فالنخبة” هى آداة التطوير والتقدم، ولكن هذه النخبة توظف خبراتها وكفاءاتها لمصلحة “الغالبية”. ومجتمع بلا “نخبة” هو غالباً مجتمع راكد قليل الخيال وقصير النظر. ولكن “نخبة” تعمل لصالحها وتهمل مصالح وتطلعات الأغلبية، هى وبال على نفسها وعلى المجتمع فى نفس الوقت. حكم “الغالبية” هو حكم الغالبية المسئولة التى تحترم الحقوق والحريات وتعتمد على الكفاءة والخبرة وليس على الثقة والطاعة. وقد دفعنا ثمناً باهظاً لأيام غلب عليها “أهل الثقة” على “أهل الخبرة”. والله أعلم.

        هل هى نهاية الحوار؟ بعد كتابة المقال المتقدم أرسل صديق لى صورة من صفحة ما يطلق عليه (صفحة كتيبة أنصار الشريعة) على موقع التواصل الإجتماعى: إستهداف 66 شخصية سياسية وإعلامية فى حالة ما أسمته “سقوط الدولة”. وتتضمن هذه القائمة السوداء إسم شخصى الضعيف. فلا حول ولا قوة إلا بالله.

الاهرام 17 ديسمبر 2012

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *