الاقتصاد ونظرية التطور

الله أعلم

الإقتصاد ونظرية التطور

دكتور حازم الببلاوى

www.hazembeblawi.com

لعل خطورة داروين، بالمقارنة بغيره من العلماء، هى أنه أطلق إصطلاح “التطور” ليصبح أحد المفاهيم الأساسية والتى تجاوز الميدان الذى تحدث فيه (عالم الكائنات الحية). فمفهوم “التطور” لم يعد قاصراً على الكائنات الحية بل جاوزها إلى مختلف مظاهر الطبيعة. فالكون نفسه ليس ثابتاً أو سرمدياً بل هو أيضاً فى تطور مستمر. وإذا كانت علوم البيولوجيا الحديثة، خاصة بعد إكتشافات العالمين فرانس كريك Crick وجيمس واطسن Watson عن الحمض النووى DNA والجينات والوراثة، قد فتحت مجالات جديدة لفهم ظاهرة التطور للكائنات الحية، فإن نفس المفهوم أصبح أساسياً أيضاً لفهم التطورات الكونية فضلاً عن التغيرات الجيولوجية. فكل شىء يخضع للتطور. كذلك فإن التطور يمثل أيضاً أحد أهم خصائص التطورات المجتمعية. فكما تتطور الحياة الطبيعية، فهكذا أيضاً تتطور الحياة الإجتماعية والإقتصادية. “فكل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام”. صدق الله العظيم.

وإذا تحدثنا عن الإقتصاد، فإنه، مثل كل شىء فى الحياة، يخضع للتطور والتغير. ومن هنا أهمية النظرة التاريخية وعدم التشبث بأمور عفى عليها الزمان، وتركيز الإهتمام على المستقبل دون إهمال دروس التاريخ. فالمستقبل هو إبن الماضى، وإن لم يكن بالضرورة صورة مكررة منه. ولذلك فإن فهم الحياة الإقتصادية يتطلب إدراك قوى التغير والتطور ومحاولة اللحاق بها وحسن توظيفها.

ومادمنا نتحدث عن الإقتصاد والتطور، فإنه لا يمكن إستيعاب هذه العلاقة دون أن نتعرض ـ بشكل أو آخر ـ لعدد من المفكرين والعلماء الذين لعبوا دوراً رئيسياً فى ضبط هذه المفاهيم. وأهم هؤلاء هم على التوالى: آدم سميث مؤسس علم الإقتصاد الحديث، ومالتس الإقتصادى البريطانى الذى ألهم داروين فكرة التطور من أجل البقاء، وكارل ماركس الذى رأى ـ مبكراً ـ أن الإقتصاد لابد وأن يفهم من خلال إطار تاريخى يتحدد بمستوى التكنولوجيا السائدة، وأخيراً شارلز داروين واضع نظرية التطور. وبطبيعة الإحوال، فإنه لا يمكن فى مقال قصير فى جريدة يومية إعطاء الموضوع ما يستحقه من إهتمام. ولكن لا بأس من الإشارة إلى بعض المعالم الرئيسية لأفكار هؤلاء المفكرين والتركيز على أهمية معالجة الإقتصاد من خلال منظور تاريخى متطور وليس وفقاً لنظرة عقائدية جامدة.

أما آدم سميث مؤسس علم الإقتصاد المعاصر، فقد مهد لكتابه الأساسى فى الإقتصاد “ثروة الأمم”، بكتاب سابق عن “نظرية الشعور الأخلاقى “، أوضح فيه أن الطبيعة البشرية تحدد سلوك الإنسان بعدة بواعث: حب الذات، التعاطف مع الغير، الرغبة فى الحرية، الإحساس بالملكية، عادة العمل، الميل للمبادلة. وجاء كتابه عن “ثروة الأمم” موضحاً أن أهم ما ساعد الإنسان على النجاح الإقتصادى وزيادة كفاءته الإنتاجية ترجع إلى التخصص وتقسيم العمل، وبالتالى ظهور المبادلة وقيام الأسواق. وجاءت الإضافة الرئيسية لسميث من تأكيده على أنه من خلال المبادلة فى الأسواق، فإن حافز الكسب وتحقيق الربح سيؤدى عن طريق المنافسة إلى زيادة الإنتاجية، وبالتالى تحقيق المصلحة العامة. وهذا هو مفهوم “اليد الخفية” لدى آدم سميث.

وبالنسبة لمالتس، وقد جاء بعد سميث بما يقرب من نصف قرن، فقد لاحظ أن هناك إختلالاً فى علاقة البشر مع الطبيعة. فالبشر يتزايدون بكثرة وبسرعة، ولا تتجاوب الطبيعة دائماً مع هذه الزيادة مما يؤدى إلى ضرورة تحقيق التوازن بينهما من خلال موانع إيجابية وسلبية، بضبط التزايد السكانى أو الكوارث البشرية فى حروب أو مجاعات.

وبعد ظهور كتابات مالتس بما يقرب من ربع قرن آخر ظهر الإعلان الشيوعى لماركس وانجلز، ثم كتاب ماركس عن “رأس المال”. وترجع أهمية كتابات ماركس إلى إعترافها بأهمية التطور التاريخى لفهم الإقتصاد، وأن المحرك الرئيسى للحياة الإقتصادية هو تطور أدوات الإنتاج، أى التكنولوجيا. وبذلك أدخل ماركس فكرتين أساسيتين على الفكر الإجتماعى، هما على التوالى فكرة المراحل التاريخية وأهمية التكنولوجيا. فلكل مرحلة تاريخية ما يتاسبها من أشكال للتنظيم الإقتصادى والإجتماعى. وأما الفكرة الأخرى المكملة فهى أن محرك التاريخ هو تطور قوى الإنتاج أى التكنولوجيا. ومع ذلك، فإن ماركس نفسه ـ وبوجه خاص العديد من أتباعه ـ قد ألحق هاتين الفكرتين الثورتين بفكرة ثالثة جامدة هى “الحتمية التاريخية”. فرغم أنه يؤمن بالتطور وعدم ثبات الأمورعلى حالها، وأن التكنولوجيا هى الأداة الرئيسية للتغيير، فإنه يرى أيضاً أن هناك حتمية تاريخية تحدد المسار البشرى فى طريق رسمه بشكل عام. وقد تعرضت الحتمية التاريخيةلإنتقادات شديدة لعل أهمها نقد كارل بوبر لها فى كتابه عن “فقر الحتمية التاريخية”.

وقد ظهر كتاب داروين (1858) فى ضوء ما رآه من تنوع فى الكائنات الحية. وهو يقرر أنه كان يقرأ ـ للترويح عن النفس ـ فى كتب الإقتصاد لآدم سميث ومالتس، قد إستوقفه ملاحظات مالتس عن الصراع بين الزيادة السكانية والموارد الزراعية، وأن البقاء فيه يكون “للأصلح”. وهكذا وجد داروين مخرجاً لمشكلته فى تطور الكائنات. فهذا التطور لا يتحقق بالتكييف مع البيئة كما إقترح لامارك، وإنما بظهور “طفرات وراثية” Mutation تعطى بعض المزايا الوظيفية للتلاؤم مع إحتياجات البيئة. وبذلك تتكاثر السلالات التى تتمتع بهذه المزايا الوراثية. وهكذا فإن البقاء والتطور لا يحدث بفعل البيئة بشكل إرادى، وإنما هو نتيجة طفرة وراثية، وبالتالى ليس لها حتمية كما أنها لا تتحقق دائماً بأسلوب واحد. فإزاء نفس المشكلة تتعامل البيئة معها بطرق مختلفة لمختلف الكائنات. وهكذا فهناك ما يشبه ضربة الحظ، ولا توجد حتمية. فالتطور يعنى التغير المستمر، ولكنه لا ينطوى بالضرورة على حلول نمطية موحدة.

ورغم أن داروين أصدر كتابه فى 1858 وبعدها بقليل إكتشف الألمانى مندل Mendel (1866) الجينات الوراثية، إلا أن هذه الآراء لم تعرف إلا بعد وفاة داروين. وهكذا تأخر الربط بين نظريات داروين فى تطور الكائنات الحية، وبين نظرية الجينات الوراثية حتى منتصف القرن العشرين. ولا تعدو الجينات أن تكون وسيلة لنقل رسالة معلومات من خلال الحامض النووى لخصائص الخلايا. وهكذا يتم التطور الوراثى من خلال منظومة المعلومات والتى تنتقل من خلال الحمض النووى.

والآن، ما علاقة كل هذا بالإقتصاد؟ كما تتطور الكائنات الحية بشكل مستمر من خلال تغيرات الجينات الوراثية ، فإن الإقتصاد بدوره يتطور من خلال تطور التكنولوجيا والتى تمكن المجتمعات الأكثر قدرة تكنولوجياً على العيش والتقدم. ولكننا أشرنا أن الخصائص الوراثية تنتقل من خلال الجينات، وأن هذه الجينات تحمل معلومات الحمض النووى عن شكل تكوين الخلايا. وهكذا فقضية التطور البيولوجى، هى فى نهاية الأمر، قضية معلومات وراثية تحملها الجينات بين مختلف الأجيال. فماذا عن التكنولوجيا فى الإقتصاد؟ أليست الحياة الإقتصادية هى الأخرى، وليدة معلومات عن الخصائص الأساسية للإنتاج أو بعبارة موجزة التكنولوجيا. فالتكنولوجيا هى أيضاً مجموعة من المعلومات. وقد بدأت التكنولوجيا بالتعامل مع الواقع بالممارسة التطبيقية والتجربة والخطأ، ثم إنتقلت بعدها إلى الإعتماد على المعرفة العلمية النظرية، وما يصاحبها من تجارب وإختبارات. فنحن هنا بصدد تطور جديد للمعلومات نتيجة للمعرفة العلمية، ومعها تتطور التكنولوجيا ويتحقق التقدم الإقتصادى. فالحديث عن تطور الجينات أو عن تطور التكنولوجيا هو حديث عن تطور المعلومات.

وقد سبق أن نشرت فى هذه الجريدة فى أغسطس 2010 مقالاً بعنوان “إقتصاد الأشياء وإقتصاد الأفكار”، مشيراً إلى أن “الأشياء” بطبيعتها نادرة، وأن حصول فرد عليها ينطوى على حرمان الآخرين منها. أما “الأفكار” و”المعلومات” فإنها، بطبيعتها، قابلة للتوسع والإنتشار دون قيد. فإذا نقلت إليك فكرة أو معلومة زادت معرفتك ولم تنقص معرفتى. وهذا هو جوهر إقتصاد الغد القائم على المعلومات، وهو الأقرب إلى إقتصاد الوفرة وليس الندرة.

وهكذا نجد أن مفهوم “التطور” قد تبلور بشكل واضح مع داروين، حيث سبقه مالتس بنظرته المتشائمة عن الطبيعة التى تفرض قيودها الحديدية على النمو السكانى من ناحية، وجاء كارل ماركس الذى أكد التطور التاريخى لنظم الإقتصاد، فى ضوء ما تحققه التكنولوجيا، ولكنه وقع فى محظور “الحتمية التاريخية” من ناحية أخرى. وأخيراً فإن التطورات العلمية الحديثة عن دور الجينات فى نقل الخصائص الوراثية، وضع قضية المعلومات فى صلب مفهوم التطور البيولوجى. وبالمقابل، فإن التطور الإقتصادى، وهو يتوقف إلى حد بعيد على تطور التكنولوجيا التى هى إستخدام المعلومات العلمية والتطبيقية، ليربط هذا التطور بالتقدم فى المعرفة. وبذلك فإننا ندخل إلى مراحل جديدة للتطور الإقتصادى الرحب وغير المحدود وبما يجاوز الحتمية التاريخية الجامدة. والله أعلم.

الاهرام 19 نوفمبر 2012

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *