الاكتشافات العلمية وبراءات الاختراع

 

نشرت الصحف العالمية خلال الأيام الأخيرة خبر تكوين خلية حية بشكل معملي. فقد أعلن عالم الجينات كريج ?ينترGraig Venter عن نجاحه في تخليق نوع من الخلية الحية من كروموزمات مصنعة في المختبر وذلك بمجرد استخدام أربعة أوان زجاجية من المواد الكيماوية حسب قوله. وقد جاء هذا الخبر من خلال تقرير نشر في مجلة ساينس  Science العلمية، مما أعطى للخبر بعض المصداقية. وقد أثار إعلان الخبر ردود فعل متفاوتة ليس فقط من جانب العلماء المختصين، ولكن أيضاً من جانب بعض الأوساط الدينية والفلسفية. فالموضوع لايتعلق فقط بمجرد إنجاز معملي، ولكنه يتضمن ـ بشكل أو آخر ـ التعرض لقضايا فلسفية وأخلاقية حول قصة الخلق وما تثيره من حساسيات دينية.

 

ولايعنيني هنا تناول هذا الاكتشاف سواء في مضمونه العلمي أو حتى في تداعياته الفلسفية والأخلاقية، فهذه قضايا سوف يفصل فيها العلم من جانب المختصين، كما أن الحديث عن التداعيات الفلسفية والأخلاقية سابق لأوانه، حيث لم يتضح بعد مدى صحة الخبر، وما هي حدود الاكتشاف وطبيعته، وكل هذه أمور تحتاج إلى وقت حتى تتضح معالمها. ولكن ما دعاني إلى الكتابة في هذا الموضوع هو شيء آخر متعلق بالعلاقة بين الاكتشافات العلمية وبراءات الاختراع، أو بمعنى آخر بالهدف النهائي من هذه الاكتشافات، وهل هو خدمة الإنسانية أم تحقيق الأرباح.

 

وعندما قرأت الخبر لأول مرة في الصحافة استرعى انتباهي اسم العالم المكتشف لهذا الإنجاز العلمي المفترض، حيث جاء ذكره في كتاب قرأته منذ أربع أو خمس سنوات لأحد علماء الطب الحائزين على جائزة نوبل (جون سالستون John Sulston)، وهو العالم البريطاني الذي أشرف على “مشروع خريطة الجينات البشرية”  Human Genome Project والذي استكمل في عام 2000، واعتبره الرئيس كلينتون أهم منجزات القرن العلمية. أما الكتاب، وكان بعنوان “الخط العام” The Common Thread، فقد كان يحكي قصة هذا المشروع العلمي منذ بداية تصميمه ومراحل العمل فيه والصعوبات التي واجهته حتى تم إنجازه، وبما أهل المؤلف للحصول على جائزة نوبل، كما منحته الملكة إليزابيث لقب لورد لإنجازاته العلمية.

 

ولكن الكتاب ـ وهنا بيت القصيد ـ لم يكن مجرد سرد لمغامرة علمية لوضع “خريطة لجينات الإنسان” وما قابلها من صعوبات علمية ومالية أو ما صادفها من صراعات شخصية، وإنما كان المحور الأساسي للكتاب هو تسجيله لقصة المنافسة ـ أو بالأدق الصراع – بين مدرستين علميتين بصدد إنجاز هذا المشروع العلمي. أما المدرسة الأولى ـ وينتمي إليها مؤلف الكتاب ـ فقد كانت تسعى إلى تحقيق هذا الإنجاز العلمي من خلال مشروع أكاديمي عام، باعتباره عملاً من أجل البشرية وبحيث تكون النتائج المتحققة من وراء هذا المشروع ملكية عامة لشعوب الأرض. وأما المدرسة الثانية ـ فكانت بزعامة الدكتور ?ينتر ـ وهو ما أثار ذاكرتي عند قراءتي للخبر المنشور عن الاكتشاف العلمي الجديد في الصحف. فالدكتور كريج ?ينتر كان يعمل هو الآخر في هذا المجال، وقد بدأ “مشروع وضع خريطة لجينات الإنسان” كعمل أكاديمي، ولكن حين اتضحت احتمالات نجاحه، رأى أن ينشئ شركة خاصة مع بعض المؤسسات المالية العملاقة لمواصلة تنفيذ المشروع من خلالها كمشروع تجاري خاص، وتسجيل نتائجه العلمية للحصول على براءات الاختراع لهذه الاكتشافات باعتبارها حقوقاً خاصة مملوكة للشركة.

 

وجاء كتاب الدكتور سالستون ليرسم صورة تفصيلية لهذا الصراع بين هذين المنهجين حول مكان “العلم” من الحياة العامة، وبالتالي دور “العالم” في المجتمع. وهل “العلم” هو خدمة مجردة للبشرية، وأن ما يتحقق من إنجاز هو بالتالي حق عام وشائع للمعرفة لكي يستخدمه الجميع دون قيود أو منع؟ أم أن “العلم” والمنجزات العلمية المتحققة هي نشاط خاص للعالم بصفته الشخصية أو لمن يوظفه من شركات، وأن نتائج هذه البحوث العلمية تعتبر حقوقاً خاصة مملوكة لهم ولايجوز للغير الإفادة منها إلا بترخيص من أصحاب الاكتشاف ومقابل عائد مالي. وهذا يقودنا إلى دور “العالم” في المجتمع، فهل هو مجرد عامل أو صاحب مهنة أو منتج لسلعة يتكسب منها ويبيعها في السوق، أم أنه خادم للبشرية يعمل من أجل “الحقيقة”، وهو يتكسب ليس من وراء بيع نتائج أعماله، وإنما من اعتراف المجتمع بدوره، والذي يوفر له بالتالي أسباب الحياة الكريمة له. “فالعلم” ومن ورائه شخص “العالم”، في هذه النظرة الأخيرة، هو قيمة اجتماعية شأنه شأن كل من يقوم بوظيفة عامة لحماية وجود المجتمع وتقدمه، فهو لاينتج سلعة أو خدمة تباع في السوق، وإنما هو يؤدي خدمة عامة يكافؤه عليها المجتمع مادياً ومعنوياً. “فالعالم” في هذه النظرة له دور في المجتمع مثله مثل “رئيس الدولة” أو “الجيش” أو “الشرطة” أو “القضاء”، فنحن لسنا بصدد بيع خدمة في السوق، وإنما بصدد أداء وظيفة اجتماعية يعوضه عنها المجتمع بما يقدم له من مرتبات ومكافآت واحترام وتقدير. فما يصدر عن “العالم” من اكتشافات علمية هي حقوق للمجتمع الذي يعيش فيه، بل للإنسانية جمعاء، وهو يعمل في خدمة الجماعة وليس لحساب المشتري في السوق.

 

وجاء كتاب الدكتور سالستون سرداً مفصلاً لمراحل السباق ـ أو حتى الصراع ـ بين المشروعين أو المدرستين، وكيف أن مشروع سالستون اعتمد على المنح الأهلية والإعانات المالية من الحكومات، وجهود أساتذة الجامعات والباحثين في المراكز العلمية، في حين أن مشروع ?ينتر استند إلى قوة الشركات العملاقة ودعمها المالي من خلال طرح أسهم في السوق. ولذلك فقد كان الدكتور ?ينتر يقوم بتسجيل براءات اختراع أولاً بأول لكل نتيجة تحققت خلال كل مرحلة من مراحل تقدم مشروعه الخاص. وهو لم يغفل كذلك الإنفاق على الدعاية والإعلان كما هي عادة الشركات التجارية في التسويق، فكان يزود الصحافة بأخبار التقدم في مشروعه الخاص مؤكداً أنه سوف ينجز المهمة قبل “الفريق الحكومي العام”، الذي يفتقر إلى حيوية وديناميكية القطاع الخاص. وبالمقابل أوضح الدكتور سالستون في كتابه، مدى الحماس والتصميم لدى العاملين في المشروع العام، وارتباطهم بالقيم الأخلاقية لدور “العالم” المجرد من المصالح الخاصة مع الإحساس بمسئوليته في نشر المعرفة. وكان هذا الفريق الأخير ينشر نتائج أبحاثه يومياً على موقعه الالكتروني لضمان الانتفاع بها على أوسع نطاق ممكن. وهكذا تبدو المقارنة صارخة بين المشروعين. فالمشروع الخاص يسرع بتسجيل براءات الإختراع لكل اكتشاف لمنع الآخرين من الإفادة من هذه النتائج، في حين كان “المشروع العام” ينشر كل إنجاز يتحقق على موقعه الإلكتروني ليكون متاحاً للجميع. وانتهى السباق بفوز الفريق العام وإنجازه المهمة قبل الفريق الخاص، وأصبح “مشروع خريطة الجينات البشرية” ملكية عامة وحقاً متاحاً لعموم البشر. واختفى اسم الدكتور ?ينتر من الصحافة العالمية لحين إعلان نبأ الكشف العلمي الجديد المشار إليه.

 

ولاأخفي أن الانطباع العام الذي تكون لدي ـ عن شخصية الدكتور ?ينتر ـ من خلال ذلك الكتاب، لم يكن انطباعاً مريحاً. وبهذه الخلفية قرأت الخبر المنشور عن الإنجاز العلمي الجديد، وما أن عرفت اسم الباحث حتى تذكرت ما سبق أن قرأته في كتاب سالستون عن تلك المنافسة، وورد على ذهني أنه سيكون من الصعب أن يقوم نفس الشخص بعمل من أجل الإنسانية وحدها، وأنه لابد وأن هناك شيئاً وراء الأكمة. ولم يتأخر الجوانب فإذا بي أقرأ مقالاً في جريدة الفاينانشال تايمز بتاريخ 27 مايو 2010 يقدم مزيداً من التفاصيل عن هذا الاكتشاف. فوفقاً لهذا المقال، فإن الدكتور ?ينتر أعلن أن النتائج العلمية المتحققة تمت من خلال مركز العالم للبحوث العلمية (وهي جمعية لاتسعى للربح)، ولكن المقال كشف أيضاً أن نفس الباحث سجل 13 براءة اختراع عن هذا العمل باسم شركة أخرى مملوكة له أيضاً، وهي شركة تجارية تسعى إلى تحقيق الأرباح. وهكذا، فيبدو أن الدكتور ?ينتر كان يعمل في هذا المشروع من خلال مؤسستين، إحداهما مؤسسة “علمية لاتسعى إلى الربح”، والأخرى “شركة تجارية” تسجل الاكتشافات للحصول على براءات اختراع لها. وبذلك لم يكن الأمر كله لوجه الله مما يؤكد صعوبة التخلص من العادات القديمة، وأن الإنسان لايستطيع أن يخرج من جلده. فمن الواضح ?ينتر يؤمن بأن المصلحة الخاصة هي الطريق الوحيد للمصلحة العامة، وأن المقصود بالمصلحة الخاصة هنا ـ بطبيعة الأحوال ـ هي مصلحته الشخصية أو مصالح شركاته. فهو يقوم بالبحث العلمي، ولكن عينه على السوق ومدى إمكان استغلال هذا الكشف العلمي تجارياً. وفي ضوء هذه المعلومات الجديدة، فإنني لم أعد أثق كثيراً في مصداقية ما نشر عن هذا الاكتشاف، فليس من المستبعد أن يكون نوعاً آخراً من التسويق لإحدى شركاته، وعلى أي الأحوال فالزمن كفيل بإظهار الحقيقة.

 

وأياً ما كان الأمر، فإن الغرض من إثارة هذه الحادثة هو الإشارة إلى القضية الأهم، وهي التساؤل عن دور “العالم” في المجتمع؟ وهل “العالم”، وهو الباحث عن الحقيقة، هو شخص يتكسب من جهوده الفكرية تماماً كما يتكسب أي عامل بعضلاته أو بأعماله المكتبية، وأنه يبيع هذه الجهود لصاحب العمل؟ أم أن “العالم” هو شيء آخر، فهو خادم للمجتمع، أو هو نبي أو أقرب إلى الأنبياء، في نشر رسالة الحقيقة والمعرفة؟ أليس “العلماء هم ورثة الأنبياء”؟ وليس بعيداً عن ذلك التساؤل عن ظاهرة الجامعات الخاصة في مصر باعتبارها شركات تسعى إلى الربح في حين أن معظم الجامعات الخاصة في العالم المتقدم هي جمعيات لاتسعى للربح. فماذا تتوقع من عالم أو باحث يعمل في مثل هذه الجامعات سوى البحث عن الربح!

 

لقد ظهرت براءات الإختراع لتشجيع الأفكار النيّرة والمبتكرة بإعطاء صاحبها حقاً ـ مؤقتاً ـ على النتائج الاقتصادية لاستخدامها، ومع ذلك فإن التوسع في مفاهيم الاكتشافات الصالحة لبراءات الاختراع يمكن أن ينتهي ليصبح عبئاً على البشرية. فليس كل شيء نافع سلعة تباع وتشترى.

 

لابأس من وجود براءات الإختراع في وسائل الإنتاج على ألا يتوسع في تفسيرها بحيث تكاد تغطي المعرفة العلمية. فماذا كان يحدث للبشرية لو أن نيوتن أو باستير أو ماكسويل ـ مثلاً ـ قد أصروا على عدم إتاحة عصارة أفكارهم في علوم الميكانيكا أو علم التفاضل والتكامل أو قوانين المناعة أو قوانين الديناميكا الكهربائية لعموم الناس إلا بعد دفع عمولة لهم أو مقابل مالي؟ وماذا إذا أصر أنشتين ـ وكان نفسه يعمل في مكتب براءات الإختراع في برن ـ على الحصول على براءة اختراع؟ السؤال أكبر وأهم، وهو إلى أي حد تتفق أو تتعارض أخلاقيات “العلم” مع متطلبات “السوق”؟ سؤال هام وخطير. والله أعلم.

الأهرام : 6 يونيو 2010

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *