!البرامج الرئاسية دون تمويل..هباء منثور

تعيش مصر الأن فى أجواء المنافسة بين المرشحين للرئاسة. وكل منهم يقدم برنامجه للإصلاح مع وعود خلابة تجعل من مصر، إذا تحققت هذه الوعود، جنة الله فى الأرض. فإذا إستبعدنا دعوات المرشحين لتدعيم الديمقراطية وإحترام الحريات وإرساء دولة القانون، فإن جميع المرشحين يعدون بتحقيق تطلعات الناس الإقتصادية إلى مجتمع الرفاهية والأزدهار. وهو أمر محمود ويستجيب لإحتياجات الأفراد وآمالهم المشروعة. هناك وعود بتحسين مرتبات الموظفين ورفع المعاشات وزيادة الحد الأدنى للأجور وفتح فرص العمل والقضاء على البطالة، وتحسين التعليم وتوفير التأمين والرعاية الصحية للجميع، وزيادة الفرص أمام الشباب، وإعادة النظافة، وترميم الطرق… والقائمة طويلة.

ولا شك أن هذه الآمال مطلوبة ومرغوبة، ومن واجب أية حكومة أن تسعى إليها. وللأسف فإن حقائق الإقتصاد تضع قيوداً شديدة على مثل التطلعات. وفى ظل هذه الحقائق فإن كل هذه الامور لا تتحقق بمجرد الرغبة ولو كانت جامحة ما لم تتوافر الموارد المناسبة. فالدرس الأول فى الإقتصاد، هو أن لا شىء يتحقق دون تكلفة. فالتمويل هو العنصر الرئيسى لتحقيق الرغبات، فالنتائج لا تتحقق بمجرد الأمانى، وإنما بتوفير القدرة على توفير الموارد اللازمة لتحقيق هذه الرغبات. وهذه الموارد قد تكون موارد بشرية أو مالية ،وعادة ما يتطلب الوضع الأمرين معاً. وعندما نتحدث عن الموارد البشرية فليس المقصود هو أعداد البشر، وإنما المقصود هو العناصر البشرية المؤهلة بالخبرة والعلم والتدريب المناسب. وهذه الامور تحتاج بدورها إلى تمويل وإلى وقت.

ولا يتطلب إكتشاف هذه الحقيقة البديهية دراسة فى الإقتصاد، فالحكمة الشعبية قد إكتشفتها من زمن سحيق.ولا ننسى المثل الشعبى القائل: “يا جارية أطبخى.. فقالت: يا سيدى كلف!”

وعندما يبدأ الرئيس القادم عمله للبدء فى تنفيذ برنامجه الإنتخابى، فإن الخطوة الاولى له ستكون النظر فى الموازنة العامة لمعرفة كيفية توفير الموارد المالية المناسبة. فماذا سوف يجد؟ هناك عجز قدر عند إعداد الموازنة الجارية بحوالى 27% من النفقات وغالباً ما سيكون هذا العجز لحظة وصوله إلى سدة الحكم قد إرتفع إلى ما يقرب من 30%. وعلى الرئيس المنتخب ان يقرر، حينذاك، هل يعمل على لجم هذا العجز أم على العكس العمل على زيادته فى الفترة القصيرة القادمة بأمل أن تنتعش الأحوال ثم يعود بعد ذلك من جديد لضبط الأمور؟ غالباً لن يبدأ بضبط الإنفاق، وإنما سوف يحاول إعادة ترتيب الأولويات وإعادة النظر فى توزيع النفقات. فماذا سوف يجد؟ سوف يفاجأ بأن 55% من النفقات توزع على بندين هما تسديد فوائد الدين لعجز الموازنة (حوالى 22%) وسداد أعباء الدعم (32%). وبذلك فأقل من نصف الموازنة يخصص لكافة خدمات الدولة الأخرى فى التعليم والصحة والطرق والأمن والقضاء والبنية الأساسية…إلخ. ولذلك فأية زيادة للإنفاق لتحقيق برامج المرشح الرئاسى الموعودة لابد وأن تواجه بالإختيار بين زيادة العجز، وبالتالى زيادة المديونية وأعبائها على السنوات القادمة، أو محاولة ترشيد أخطر بند فى الموازنة وهو الدعم، والذى يعادل بشكل عام حجم عجز الموازنة.وهكذا فإن قضية الدعم، سوف تكون أول وأهم المشكلات التى سوف تواجه الرئيس الجديد.

وقضية الدعم ليست إبنة اليوم، وهى مشكلة حقيقية لأنها بدأت لأسباب مشروعة ومعقولة، وهى حماية الطبقات الفقيرة والمحرومة من إرتفاع الأسعار، وخاصة فى المواد الإستهلاكية الأساسية (الغذاء والوقود)، ولكنها تحولت، فى العمل، إلى مصدر هائل للتجارة غير المشروعة والتهريب وتكوين الثروات وذلك بإسم حماية المحرومين. ولذلك طالب عدد من الإقتصادين منذ مدة، وأنا منهم، إلى التحول من الدعم العينى للسلع إلى الدعم النقدى للمحتاجين. ومنذ سنوات وتتحدث الحكومات عن الدعم النقدى، ولكنه لم يجد ذلك نجاحاً فى التنفيذ حتى الأن.فهل ينجح الرئيس القادم فى تنفيذ هذا البرنامج للدعم النقدى للمحتاجين؟ أرجو ذلك. ولكن حتى فى هذه الحالة، فإن تطبيق مثل هذا النظام الجديد لن يتم بين يوم وليلة. وهناك مشروع قائم لتوزيع أنابيب البوتاجاز بالكوبونات، وبالباقى يباع بأسعار قريبة من أسعار السوق. أرجو أن يكون هذا بداية للإنتقال من نظام الدعم الحالى باهظ التكلفة وعديم الكفاءة إلى نظام أكثر كفاءة، وحينئذ يمكن إعادة النظر فى أسعار الطاقة، وتوفير مبالغ كبيرة للموازنة. ولكن كل هذا يتطلب وقتاً. فلا شىء يتم فى اللحظة والتو.

وحتى إذا وجدنا حلولاً لمشكلة الدعم (وهى سوف تساعد على علاج مشكلة العجز فى الموازنة)، فهناك محل لإعادة النظر فى مختلف بنود الإتفاق التى تعرف بعض الإسراف أوالإنفاق غير المبرر. وهذا مصدر جديد لتوفير التمويل المطلوب  لبرنامج الرئيس.ومع الإعتراف بأن هناك نسبة من الإسراف والتبذير فى الإنفاق قد تجاوز 15-10%،فإنه لا يمكن تحقيق هذه الوفورات فوراً، إذ لابد من بعض الوقت للفرز بين الغث والثمين، فخمسون عاماً من الفوضى فى الإدارة الحكومية والمحليات لا يمكن إصلاحها فى أسابيع أو شهور. وخطورة التسرع فى مثل هذا الأمردون دراسة جادة، هو أن المستفيدين من هذه النفقات غير المجدية ،وهم غالباً، فى مراكز المسئولية، سوف يعرقلون هذه الإتجاهات بتقديم نصائح غير مفيدة. ولذلك فإن الأمر يحتاج إلى عدم التسرع وقدر من الحكمة حتى لا تؤدى مثل هذه الإجراءات إلى إلغاء أو تقليص خدمات ضرورية للجمهور والإبقاء على الأقل أهمية بمقولة التقشف ومنع الإسراف.

كذلك هناك حاجة إلى إعادة النظر فى هيكل المرتبات والأجور. حقاً، لقد وافقت الحكومة الحالية على وضع حد أقصى للدخول من المال العام، ولكن هذا لا يكفى، فما تزال هناك، مع وجود الحد الأقصى، أوضاع ظالمة تحتاج إلى التقويم. ومن هنا، فقد تضمنت مذكرة وزارة المالية للقضاء على التفاوت فى المرتبات الحكومية ضرورة الأخذ بمسارين، أحدهما قصير الأجل، ويتضمن الأخذ بمبدأ الشفافية وتحديد العلاقة بين الحدين الأدنى والأقصى، والمسار الآخر طويل- الأجل- لإعادة النظر فى هيكل المرتبات.

 وهكذا يتضح أن ترشيد النفقات – وإن كان أمراً ضرورياً وملحاً – فإنه يتطلب وقتاً لتحقيق نتائج ملموسة، ولا يمكن أن تظهر مثل هذه النتائج فى التو واللحظة.

ولكن من قال أن السبيل الوحيد لتوفير التمويل هو من خلال ترشيد الإنفاق، أليس من الممكن زيادة موارد الموازنة بفرض ضرائب جديدة أو زيادة كفاءة التحصيل؟ هذا صحيح تماماً، ولكنه بدوره يحتاج إلى وقت ولا يمكن تحقيق نتائج سريعة وعاجلة لتوفير مصادر تمويلية جديدة فوراً. فتتراوح حصيلة الضرائب فى مصر فى حدود 18% من الناتج الإجمالى، وتصل هذه النسبة فى الدول الصناعية إلى ما يزيد على 30%، كما أن بعض الدول العربية الأخرى ،مثل المغرب أو الأردن، تجاوز فيها نسبة الضرائب للناتج القومى ذلك بعدة نقاط، ومن الطبيعى أن ترتفع نسبة الضرائب فى مصر. وليس هناك من شك فى أنه يمكن زيادة حصيلة الضرائب فى مصر بالإرتفاع بكفاءة التحصيل وربما بفرض ضرائب جديدة أو رفع معدلات الضرائب القائمة. أما زيادة الحصيلة عن طريق زيادة كفاءة التحصيل، فأعتقد أن هذا يمكن أن يكون المصدر الرئيسى لزيادة حصيلة الضرائب. فهناك قطاع واسع، لا يكاد يتعامل مع الضرائب أصلاً، وهو المعروف بالقطاع غير الرسمى. وتختلف التقديرات حول حجم هذا القطاع، وتتراوح التقديرات بأن حجمه يدور بين 40-25% من الناتج الإجمالى. كذلك فإنه بالنسبة للقطاع الرسمى الخاضع للضرائب فإن هناك مؤشرات لوجود مظاهر متعددة من التهرب الضريبى وخاصة فى مجالات ضرائب الأرباح التجارية والمهن الحرة. ورغم أن معظم الأنشطة الإنتاجية تخضع للضرائب، فإن الإستغلال الزراعى يتمتع ـ لأسباب تاريخية ـ بإعفاءات ضريبية، كذلك فإن الضرائب على الكسب الرأسمالى سواء فى التصرف فى العقارات أو الأصول المالية تكاد تكون غير موجودة فى القانون المصرى. ويمكن التفكير فى الأخذ بنوع من هذه الضرائب ويتطلب هذا كله إعادة نظر ودراسة كاملة. ورغم أن معدلات الضرائب فى مصر معتدلة بشكل عام ـ بإفتراض أنه ليس هناك تهرباً من الضرائب ـ فإن هناك مع ذلك محل للنظر فى الأخذ بنوع من الضرائب التصاعدية على دخول الأشخاص الطبيعين ـ دون الأشخاص الإعتبارية ـ من أجل تحقيق العدالة الإجتماعية. ومع ذلك، فإنه من الضرورى فى هذه الحالة الحرص فى كيفية صياغة مثل هذا القانون حتى لا يتعرض للطعن عليه بعدم الدستورية ـ كما كان الشأن فى الضريبة العامة على الإيراد السابقة. وفيما يتعلق بالرسوم الجمركية، فإن المشكلة الكبرى هنا هى فى التهرب من هذه الرسوم بأشكال مختلفة ومتنوعة وخاصة فى نظام السماح المؤقت. ويتطلب هذا إعادة النظر فى النظم القائمة وزيادة الإعتماد على الأساليب الإلكترونية للكشف عن البضائع. وعلى أى الأحوال، فيلاحظ أنه بالنسبة للرسوم الجمركية أن مصر قد عقدت عدة إتفاقات للتجارة الحرة مع عدد من الدول بمنح مزايا جمركية متبادلة خاصة فى شكل مناطق للتجارة الحرة. وفى مثل هذه الأحوال فإن ما تفقده الدولة من رسوم على الواردات من هذه الدول تعوضه ـ غالباً ـ بما يتحقق من زيادة فى الصادرات وبالعملات الأجنبية. وفيما يتعلق بمدى إمكانية زيادة فئات الرسوم الجمركية على الواردات، فإن أكثر من 70% من الواردات هى مواد غذائية أساسية (قمح، سكر، زيوت، لحوم….) أو منتجات بترولية أو خامات للصناعة أو سلع نصف مصنعة وقطع غيار وآلات مصانع. وبذلك فإن زيادة الرسوم الجمركية على مثل هذه الواردات من شأنه أن يؤثر على مستوى المعيشة برفع أسعار مواد رئيسية للإستهلاك أو بزيادة تكاليف الإنتاج الصناعى. وحتى بالنسبة لما نستورده من سلع إستهلاكية فإن أهم هذه الواردات هى الأدوية والمنسوجات، وربما لا يتجاوز حجم السلع الإستهلاكية المعمرة على ما بين 6-2% من حجم الواردات.

وهكذا يتضح أن المرحلة الأولى للرئيس القادم لن تكون سهلة وميسرة فى توفير الموارد المالية اللازمة . هناك إمكانيات ـ قطعاً ـ لزيادة هذه الموارد، ولكن هذا يتطلب وقتاً لتعديل الأوضاع القانونية وتوفير الإمكانات التنفيذية. ولذلك، فإننا نأمل أن يحرص المرشحون، عند تقديم برامجهم الإنتخابية، على ألا يقتصر الأمر على سرد الوعود لتحقيق التطلعات الشعبية، وإنما يجب أن يقدم المرشح تقديره للتكاليف المالية لكل من هذه الوعود، وكيفية تدبير الموارد المالية اللازمة لتحقيقها. أما سرد قائمة الإنجازات الموعودة دون أى بيان عن موارد مالية لتحقيقها، فلن يكون أكثر من أضغاث أحلام. والموارد المالية لن تأتى من  فراغ أو تظهر فى التو واللحظة، بل لابد من الإعداد لها ومن الوقت لتوفيرها. فما نحتاجه الأن هو الدعوة إلى العمل والإجتهاد، فالأمانى وحدها لا تشبع من جوع. هذا وقت للعمل. والله أعلم

الأهرام 9 ابريل 2012

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *