!!البلطجة أنواع

 

عرفت مصر خلال الفترة الأخيرة مظاهر متعددة لما أطلق عليه إصطلاح “البلطجة”. وأعتقد أن تعبير “البلطجة” يرجع إلى الممارسات التركية، حيث أن اللفظ جاء – فيما يبدو- من مقطعين “بلطة”، و”جى”، أى “حامل البلطة”. ويبدو أن هذا التعبير كان يطلق على إحدى الفرق العسكرية العثمانية حاملة “البلطة”، وكانت هذه الفرق تستخدم لضمان إستقرار الحكم العثمانى فى مختلف الأمصار الخاضعة للدولة العثمانية حين تقوم الفتن والإضطرابات. وكانت هذه الفرق تستخدم الترويع والعنف للقضاء على كل مظاهر المقاومة ضد إستبداد الحكام. وإذا كان هذا التفسير التاريخى صحيحاً، فإن “البلطجة” بدأت كظاهرة حكومية ثم جرى “تخصيصها” حيث بدأ يستخدمها “الأهالى” أيضاً. فجاءت ظاهرة “البلطجة” الشعبية كنوع من إفساد مفهوم “الفتوه”. فكان كل حى من الأحياء يعرف عدداً من “الفتوات” الذين يحمون الحى من أى إعتداء من الأحياء الأخرى. “فالفتوات” هم أبناء الحى الذين عرف عنهم الشجاعة والشهامة، وكانوا يقومون بالدفاع عن أبناء وبنات الحى من أى إعتداء من أبناء الأحياء الأخرى. وككل شىء يبدأ لأغراض نبيلة، فإنه لا يلبث مع مرور الزمن أن يتدهور يتحول ليصبح “مركزاً للقوة” لحماية المصالح الخاصة بدلاً من حماية الأخلاق والمصلحة العامة. “فالفتوه”، وبعد أن إستقرت سلطته ونفوذه، أصبح يستخدم هذه السلطة والنفوذ لصالحه أو يؤجرها لمن يدفع له أكثر. وبذلك تحول “الفتوه” إلى “بلطجى” يروع سكان الحى ويفرض عليهم الإتاوات، أويؤجر خدماته لأصحاب المصالح.

وعندما قامت ثورة 25 يناير على أكتاف شباب طاهر ومثالى يدعو إلى الحرية والعدالة فى مظاهرات سلمية ترفع أصواتها بهتاف “سلمية..سلمية”، إندست فيها عناصر مجهولة من “البلطجية” تحاول إقتحام المتحف المصرى وسرقة مقتنياته، وتشعل النار فى المنشآت الحكومية وتسرق الأثاث وتهشم المحتويات. كذلك لم تلبث أن ظهرت السيوف والسنج والمطاوى الحادة، بعضهم مترجلاً والبعض الأخر ممتطياً الجمال والخيول كما فى “واقعة الجمل” المشهورة. وعندما بدأت تظاهرة سلمية ترفع شعار المحبة والأخاء سرعان ما إنزلقت إلى مواجهات دامية أطلقت فيها طلقات الرصاص وقذائف المولوتوف وراح ضحيتها عشرات من القتلى ومئات من المصابين كما حدث أمام ماسبيرو. ثم جاءت أحداث محمد محمود ومجلس الشعب لتعيد نفس السيناريو، بداية بمظاهرات سلمية ثم نهاية مفجعة بمئات القتلى والمصابين وحرق “المجمع العلمى” ونهب المخطوطات الأثرية وحرقها. وبلغت الأزمة ذروتها فى أستاد بورسعيد فى نهاية مباراة لكرة القدم لنشهد واحداً من أبشع المجازر، التى مازالت أسرارها غير معروفة.وفى كل هذه الأمثلة، كان الفاعل الظاهر هم البلطجية، أما الفاعل الحقيقى أو المحرك لهذه الأحداث فما زال مجهولاً تحت إسمه الحركى: “اللهو الخفى” أو “الطرف الثالث”.

وما أود الحديث عنه اليوم هو نوع آخر من “البلطجية”، فهو شىء من “البلطجة الإدارية” التى تقوم بها أجهزة إدارية حكومية أو خاضعة لها، حيث تجمع الأموال من المواطنين، بدون وجه حق ودون أساس من القانون إستناداً إلى قهر السلطة. فإذا كان “البلطجى” هو شخص يحصل لنفسه أو لغيره لمصلحة مالية أوميزة سياسية أو غير ذلك من المنافع بغير حق، نتيجة لإستخدامه القوة المادية أو المعنوية، فإن ما تفعله بعض أجهزة الدولة أو التابعين لها من فرض الإتاوات المالية على الأفراد لا يعدو وأن يكون نوعاً من “البلطجة الإدارية”. وهناك أمثلة كثيرة لهذه البلطجة الإدارية لفرض إتاوات مالية على المواطنين بلا سند من القانون.

وكمثال لهذا النوع من “البلطجة الإدارية” أود أن ألخص تجربتى مع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة والتى إشتريت منها فيلا فى مارينا منذ أكثر من عشرين سنة (ديسمبر1989)، وقد رأيت أن أدخل بعض التعديلات (الداخلية أساساً) فى المبنى المشترى، وقدمت طلباً للترخيص بإجراء هذه التعديلات. فماذا كانت النتيجة؟ ألخص فيما يلى تجربتى فى هذه المغامرة.

طلبت من المهندس الذى كلفته بإجراء بعض التعديلات المعمارية، وهى أساساً داخل المبنى بإتخاذ ما يلزم من إجراءات للبدء فى العمل. فبعد مرور أكثر من عشرين عاماً على الشراء، وجدت أن المكان يحتاج إلى تعديلات وإصلاحات. ومن المفروض وفقاً لعقد الشراء الذى أبرمته مع هيئات المجتمعات العمرانية ضرورة الحصول على ترخيص من الهيئة عند إجراء أى تعديل، وذلك حماية للطابع العام للمكان. وبعد أن قدرت اللجان الرسوم المستحقة لإجراء هذه التعديلات، إكتشفت لجنة المعاينة أننى أقمت بالحديقة الخلفية حجرة للسائق، ومن هنا طلبت ضرورة دفع الرسوم المستحقة لإجراء هذا التعديل. وعندما أبلغنى المهندس بذلك أفدته بأننى تقدمت بطلب الترخيص فى حينه لبناء هذه الغرفة (منذ ثمانى سنوات) وأننى دفعت الرسوم المستحقة فى ذلك الوقت. وعندما ذكر مندوبو المهندس هذه الحقائق للمسئولين فى الجهاز تم إحضار الملف الخاص بالمبنى ولم يجد فيه المسئول أى بيان عن طلب الترخيص من جانبى ومن باب أولى لم توجد فى الملف أى إشارة إلى دفع الرسوم المستحقة. وعند إبلاغى بذلك حاولت البحث فى أوراقى، حيث وجدت إيصالاً بدفع مبلغ للجهاز “مقابل أعمال”.وقدمت هذا الإيصال بنفسى للموظف المسئول الذى طلب إعادة النظر من جديد فى ملف المبنى حيث إكتشف فيه ،هذه المرة، أننى كنت قد طلبت بالفعل الترخيص وسددت المبلغ المطلوب آنذاك (أكثر من عشرة آلاف جنيه). ولكنه إكتشف أمراً آخراً لا يقل خطورة، وهو أننى أقمت فى ممر المدخل الخلفى للمبنى ستاراً خشبياً لإلقاء الظل على سيارتى. وهنا، أفهمنى أنه فى حالة إقامة مثل هذا الستار فى الحديقة فإن الأمر كان يتطلب ضرورة الحصول على موافقة مسبقة، أما إقامته فى الممر فإنه يتطلب سداد “إتاوة” سنوية للجهاز. وكان من الضرورى أن أقابل رئيس الجهاز فى اليوم التالى الذى وجدت فيه سعة صدر ومحاولة لتسهيل الأمور فى إطار التعليمات والقواعد المفروضة عليه من الجهات الحكومية المسئولة. ولست فى حاجة إلى التأكيد هنا على أن إنتقاد الأجهزة الإدارية فى فرض هذه الأعباء المالية على الملاك، لا يعنى الإعتراض على سلوك الموظفين أنفسهم، فهم ينفذون الأوامر والتعليمات الإدارية. وأخيراً صدر الترخيص، ودفعت الرسوم المقررة (أكثر من ثلاثين ألف جنيه).

وإذ أعتذر للقارىء عن ذكر التفاصيل المتقدمة، فإننى أتساءل ما هو الأساس القانونى الذى يستند إليه الجهاز الإدارى المشار إليه  لمطالبة مالكى العقارات فى مصيف مارينا أو غيره بمبالغ مالية لإصدار تراخيص التعديل فى المبانى المذكورة. وهل هذه المبالغ مقابل خدمة أم أنها رسوم وضرائب؟ هناك عقد تم التوافق عليه بين المشترى وبين هيئة المجمعات العمرانية لشراء فيلا، مقابل ثمن معين، ونص العقد على أن إلتزام المشترى ببعض الضوابط لحماية الشكل العام للمصيف ولضمان توفير الخدمات وتحمل أعبائها، ولكن ليس من بين هذه الشروط ما يخول البائع فرض الرسوم والإتاوات على أصحاب العقارات فى هذا المصيف عند كل تعديل أو تغيير.

فالملكية قد إنتقلت إلى المشترى، وعلى هذا المشترى أن يحترم شروط التعاقد. وينص أحد بنود الإتفاق على أن “إتفق الطرفان على أن البيع يشمل الوحدة موضوع هذا العقد وما يخصها من نصيب فى الأرض المقام عليها البناء مشاعاً، ويمتلك المشترى الأجزاء الخاصة بالوحدة المبيعة ملكية مفرزة”. فالعلاقة هى -أساساً- علاقة تعاقد بنقل الملكية إلى المشترى. ومن المفهوم والمقبول أن توضع بعض القيود والضوابط على المشترى فى إستخدامه للمبنى وبما يحمى الطابع العام للمنطقة ولا يخرجها عن طبيعتها كمنتجع صيفى. وبالفعل فقد تضمن العقد بنداً يشير إلى أنه “فى حالة رغبة الطرف الثانى (المشترى) فى إجراء أية تعديلات داخلية فيتم الحصول مقدماً على موافقة كتابية من الطرف الأول أو من الجهة التى يحددها.” والمفهوم طبعاً أن الحصول على هذه الموافقة هو بغرض التأكد من أن هذه التعديلات لا تخل بالطابع العام للمنطقة، وليست بغرض توفير مصدر مالى جديد للشركة البائعة. ولم يتضمن هذا البند الإشارة إلى أية مصاريف أو رسوم تحصل مقابل إعطاء الموافقة. وأما فرض “إتاوة سنوية” على بعض التركيبات الخشبية، فهو أمر غريب، إذ يصبح مالك العقار مستأجراً لجزء من ملكيته بأن يدفع عنه إيجاراً أو “إتاوة” سنوية عن أجزاء من ملكيته! والسؤال من هو المالك؟ هل لازالت الجهه الإدارية هى المالك للمبنى بعد بيعه؟

أفهم أن ترفض الجهة الإدارية الموافقة على التعديلات إذا كان من شأنها الإخلال بالطابع العام للمنطقة أو الإضرار بالجيران، وعليها فى هذه الحالة إما الموافقة أو الرفض، وذلك طبعاً دون تعسف. أما أن توافق بما يعنى أنه لا إخلال بالطابع العام أو بمصالح الجيران، فإنه لا يجوز لها أن تقتضى مقابل ذلك رسوماً أو إتاوات عن ذلك. لا بأس من أن تطلب الهيئة مقابلاً لخدمات الموظفين فى المعاينة والتقدير. ولكن هل يتطلب هذا دفع أكثر من ثلاثين ألف جنيه لمعاينة لم تتجاوز عشر دقائق؟

لا بأس أن تفرض الدولة ضرائب على العقارات، وهو ما يحدث حالياً مع إصدار القانون الجديد للضريبة العقارية، وبذلك تؤول حصيلة هذه الضرائب إلى الموازنة العامة. ولكن أن تفرض هذه الرسوم لمصلحة البائع وليس للخزانة العامة ودون مقابل من خدمات واضحة، فهو أمر غير مقبول. وهذا كله جزء من تراث قائم لمفهوم الصناديق الخاصة والخروج على مبدأ وحدة الميزانية. فكل جهة إدارية تحاول الحصول على أكبر قدر من الإيرادات لصالحها من المواطنين المضطرين للدفع.

لا أحد يجادل فى  حق الدولة والسلطات العامة  فى فرض أعباء مالية على المواطنين، ولكن ذلك لا بد وأن يتم فى حدود القانون. فالضرائب لا تفرض إلا بقانون، كما أن الرسوم لا تفرض إلا بناء على قانون، وماعدا ذلك لا يصح إلا إستناداً إلى إتفاق أو مقابل خدمات حقيقية. وغير هذا يكون تعسفاً فى إستخدام السلطة  إزاء المواطنين وفرض أعباء مالية عليهم دون سند من القانون. ولذلك فليس من الغريب أن تقفز إلى الأذهان فكرة “البلطجة الإدارية”، حين يضطر المواطن فى مثل هذه الحالة إلى الدفع إزاء سلطة تمنح وتمنع التراخيص.

ولا تقتصر هذه الممارسات على الحالة المتقدمة وما يشابهها، فهناك أمثلة أخرى فى الإدارة المصرية حيث تقوم السلطات بفرض ما يشبه الإتاوات على الأفراد دون سند من القانون. ففى العديد من المحافظات يطلب المحافظ من كبار الأعيان ورجال الأعمال التبرع  لبعض الأنشطة أو لتغطية مصاريف زيارة مسئول كبير (الرئيس مثلاً). من الطبيعى دعوة القادرين على التبرع فيما يعود بالخير على أبناء المحافظة. ولكن هل يتم مثل هذا التبرع دائماً بقناعة أم أن هناك تلويحاً بأن عدم الإستجابة سوف يعرض مصالحهم للتعطيل والمضايقة. ألا يشير ذلك، على نحو أو آخر، إلى مفهوم “البلطجة”؟

“للبلطجة” أنواع وأشكال وحيث يستخدم “البلطجى” سلطتة للحصول على منافع غير مبررة نتيجة لما يتمتع به من أدوات للقهر المادى أو النفسى أو السلطوى. “فالبلطجى” العادى يستخدم عضلاته وأسلحته، “والمحتكر” يستخدم إحتكاره للسلعة، و”السلطة العامة” تستخدم سلطات الموافقة والرفض. فالبلطجة ليست فى الشوارع فقط، وإنما هى أيضاً فى الأسواق كما فى دواوين السلطة. والله أعلم

الأهرام 23 ابريل 2012

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *