التربـص وعدم الثقة

نشرت منذ أكثر من خمس عشرة سنة مقالين عن «الثقة» (الأهرام فى 9 و16 سبتمبر 1996)، وذلك بمناسبة ظهور كتاب المؤلف الأمريكى فوكوياما عن «الثقة»، وكان الفرنسى آلان بييرفيت قد أصدر بدوره كتابا حول أهمية الثقة لتحقيق التقدم الاقتصادى.

كان الهدف من المقالين هو التأكيد على أن التقدم الاقتصادى لا يعتمد فقط على العناصر الاقتصادية من استثمار وادخار، بل إنه يتطلب أيضا نوعا من «رأس المال الاجتماعى» المتمثل فى توافر عناصر الثقة والاطمئنان فى علاقات الأفراد ببعضهم البعض وفى المؤسسات القائمة، وصلاحيتها بشكل عام فضلا عن الثقة والتفاؤل بالمستقبل. وهكذا فإن تحقيق التقدم الاقتصادى والاجتماعى ليس مجرد عملية مادية بتراكم رأس المال الفنى «المادى»، وإنما هناك جانب نفسى اجتماعى يقوم على الثقة والتفاؤل. وبطبيعة الأحوال، فإن توافر عنصرى الثقة والتفاؤل فى المجتمع لا يمنع من وجود نظرة نقدية للأوضاع ودعوات للتغيير والإصلاح. فالثقة والتفاؤل ليسا وصفة للجمود وعدم التغيير، بل على العكس ونظرا للتفاؤل بالمستقبل فإن هذه الثقة نفسها تتطلب مزيدا من التغيير للإصلاح. فمع التفاؤل تزيد الرغبة فى مزيد من النجاح بالاستمرار على طريق الإصلاح.

●●●

وليس هنا محل إعادة ترديد ما أوردته فى المقالين، ولكن ما أردت التأكيد عليه اليوم هو أن الأزمة السياسية التى نعيشها هذه الأيام إنما ترجع فى الأساس إلى حالة التربص وعدم الثقة التى تسود المجتمع المصرى حاليا. وجاءت مناسبة اختيار أعضاء اللجنة التأسيسية لإعداد الدستور، تأكيدا لهذه الحالة من التربص وعدم الاطمئنان التى تسود المجتمع السياسى المصرى فى اللحظة الحالية.

لاشك أن الحياة السياسية ستصاب بالركود، إن لم يكن بالموات. إذا غلب عليها فكر واحد. فالحياة تتطلب الحركة والتغيير والابداع وانتقاد القديم والبحث عن الجديد. ولكن كل هذا يتم فى إطار من الاطمئنان حول «وجود» الآخرين وعدم حرمانهم من التعبير عن آرائهم المعارضة. فالحياة السياسية وهى تتطلب التنوع والتجديد المستمرين، فإنها لا تسعى إلى إلغاء الآخر. فالجميع يعترف بأن مختلف النظم السياسية قاصرة وليس من سبيل إلى الوصول إلى الكمال، وإن كان من خلال «التجربة والخطأ» نتقدم دوما درجة أو درجات، كما قد نتراجع أيضا، ولكن مسيرة البشرية هى بوجه عام نحو الأصلح. فكلنا بشكل أو آخر قاصر ومحدود، والتقدم مسيرة بلا نهاية، كما أن طريق هذه المسيرة ليس ميسرا دائما. ورغم كل هذا فالتاريخ البشرى كان غالبا نحو الأفضل. وليس هناك من وسيلة للتعليم سوى «التجربة والخطأ». والطفل لا يتعلم المشى إذا لم يقع، وهكذا فالاختلاف فى الرؤى ليس نقمة، إنما يفتح الباب لمزيد من الفرص للتعلم، ومع مزيد من الخيارات المتاحة تزيد فرص النجاح.

●●●

كل هذا صحيح، وتتوافق عليه غالبية الأطراف السياسية. فالجميع يتحدث عن التعددية وتنوع الافكار والتوجهات وحق الجميع فى العبير عن آرائه. فأين المشكلة إذن؟

أعتقد أن مصر تمر حاليا بمرحلة استقطاب خطيرة. فلم يعد الأمر مجرد اختلاف فى الرؤى السياسية، وإنما هناك نوع من عدم الثقة وربما التخوف بأن الطرف الآخر لا يسعى إلى الأخذ بأفكار مختلفة بقدر ما يسعى إلى إلغاء الطرف المخالف. حقا، هناك تنوعات سياسية متعددة، ولكن ذلك لم يمنع من الاستقطاب. فما يطلق عليه اسم «الإسلاميين» ليس فرقة واحدة بل هناك رؤى متعددة وفى غير قليل من الأحوال اختلافات غير قليلة. كذلك، فإن ما يطلق عليه الليبراليون أو أصحاب الفكر المدنى ليسوا على قلب رجل واحد بل هناك اختلافات عديدة بينهم. كل هذا صحيح، ولكن هناك فارقا مهما، وهو أن ما يميز ما بين «الإسلاميين» وما بين أصحاب الفكر المدنى ليس مجرد الاختلاف فى المفاهيم بقدر ما هو عدم الثقة والتربص بالآخر، فليس الأمر خلافا فى الآراء أو التوجهات بل تخوفا من النوايا «بإلغاء الآخر». فالقضية لم تعد قضية آراء متعارضة بل تكاد تصل لتصبح قضية «وجود». ففى العقل الباطن لكل من الفريقين القضية ليست اختلافا فى «الرؤية» بقدر ما تصور بأنها محاولة «للإلغاء». فالثقة مفقودة بين الطرفين، وكل منهما يتربص بالآخر أو يتصور أن الآخر يتربص به.

وترجع حالة التربص والخوف إلى أوضاع نفسية وأحداث تاريخية أثرت فى النفوس. فقد عانت جماعة الإخوان المسلمين ومعها العديد من أصحاب التوجهات الدينية خلال أكثر من نصف قرن من التعذيب والتهميش، وذلك رغم دعاوى الحكومات المتعاقبة على احترام القانون وحقوق الإنسان. كذلك فرغم أن معظم الاتجاهات المدنية من ليبرالية ويسارية كانت ترفض التعذيب والتهميش، فإنها أيضا لم تأخذ مواقف قوية للدفاع عنهم، ربما لأنهم أيضا كانوا معرضين لنفس المخاطر. ومن هنا نفهم بعض العتاب المكتوب من جانب الإسلاميين إزاء أنصار الفكر المدنى. وعلى الجانب الآخر، فإن المخاوف من سيطرة الإسلاميين ترجع إلى ما يستمعون إليه من بعض الآراء المتطرفة التى تكفر كل ما جد من مظاهر الحياة المعاصرة، كما يستحضرون تجارب دول أخرى مثل إيران وأفغانستان مع طالبان أو معاملة النساء فى السعودية. وهكذا فإن القضية بين الطرفين ليست مجرد اختلاف فى الرأى والرؤية، ولكنها تجاوز ذلك إلى الخوف وانعدام الثقة والخوف من التهميش أو حتى الإلغاء الأبدى.

هكذا، فإن ما يجرى على الساحة السياسية فى مصر ليس مجرد اختلافات فى الرأى بقدر ما هى حالة تربص وعدم ثقة إن لم تكن خوفا. وأين الحل؟ من السهل أن يؤكد كل من الطرفين أنه لا يسعى إلى إلغاء الآخر. ولكن هل يكفى هذا؟ لا أعتقد. فمع انعدام الثقة لا أهمية كبيرة للكلام وما يقوله أى من الطرفين. ولابد إذن من عمل لإعادة الثقة، وأنه لا توجد نية للإلغاء، وان مصر تتحمل بل وتستحق أن تتعدد فيها الرؤى، وأن هذا مصدر ثراء وحيوية. ولكن من يستطيع أن يأخذ الخطوة الأولى؟

أعتقد، أن المسئولية تقع دائما على الأغلبية، وان عليها أن تتصرف بأكبر قدر من المسئولية. فالأقلية دائما فى قلق، وسعة الأفق والسماحة لا تتفقان مع القلق، أما الأغلبية، فلديها من مبررات الثقة ما يدعوها إلى أخذ مواقف أكثر جرأة وشجاعة. ولذلك، فقد كنت أرى، دائما، أنه فى قضايا الاحتقان الطائفى فإن المسئولية الأولى تقع على الغالبية، لأنها، وبحكم هذه الأغلبية أكثر قدرة على اتخاذ مواقف شجاعة.

●●●

وهكذا، فإنه فى الأزمة الأخيرة لتشكيل اللجنة التأسيسية لإعداد الدستور، فإن المسئولية الكبرى تقع على الغالبية من البرلمانيين، لأنهم لم يتصرفوا بدرجة كافية من الشجاعة والعطاء بإعطاء المثال بأنها أكبر من الإصرار على تحقيق الأغلبية العددية فى هذه اللجنة. فلجنة إعداد الدستور هى فى نهاية الأمر لجنة فنية سوف تقترح صياغة لمواد الدستور الذى سيعرض من خلال البرلمان على الشعب لإبداء رأيه فيه. ومن هنا فإنه لا خوف من الانحراف بنصوص الدستور المقترح عما تتطلع له الجماهير. وفى هذا المناخ من التربص وعدم الثقة، فقد كان المأمول هو أن ترتفع الأغلبية لمستوى الحدث وتتعالى عن الصغائر وتحقيق أغلبية فى عدد الأعضاء. فربما كان الأجدر بهذه الأغلبية. أن تختار أكبر الأسماء فى مصر من داخل أو من خارج البرلمان دون تقيد بأغلبية هنا أو أقلية هناك. هذا مسلك لا يملك القيام به إلا الغالبية الواثقة فى نفسها. فهى وحدها القادرة على تجاوز مخاوف الآخرين، ومع ثقتها من نفسها فإنها لابد وأن تكون قد تجاوزت مخاوفها الماضية. هذا اختبار، والفائز فيه ليس من حصل على أكبر عدد من المقاعد بل من أعطى لبلده أكثر باختيار أفضل العناصر. أرجو أن تكون الأغلبية البرلمانية على مستوى المسئولية التاريخية. والله أعلم

الشروق: 3 أبريل 2012

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *