التصرف في الأملاك الخاصة للدولة

 

           التصرف في الأملاك الخاصة للدولة

نشرت الجرائد المصرية خبراً مفاده أن محافظة القاهرة تطالب شركة “أعمار” الإماراتية بمبلغ 500 مليون جنيه كنصيبها من صفقة البيع لهذه الشركة والتي تمت مع وزارة الإسكان، وأنه دون ذلك فإن المحافظة لن توافق على إصدار التراخيص بالبناء لهذه الشركة المشترية. وذكر الخبر أن الشركة اشترت الأرض بواقع 90 جنيه للمتر المربع في حين أنها تبيع الأراضي بثمن يجاوز مائة ضعف لثمن شراء المتر المربع.

وليس الغرض من هذا المقال مناقشة موضوع هذه الأرض أو تلك الشركة، لأن تفاصيل العملية لم تنشر وبالتالي فإنه يصعب إبداء رأي في هذا النزاع. ومع ذلك فإن الموضوع برمته يثير أحد العناصر الهامة المتعلقة بكل من إدارة أموال وأملاك الدولة من ناحية وتوفير المناخ المناسب للاستثمار من ناحية أخرى.

ولنبدأ بجانب مناخ الاستثمار الذي يبدو أنه يحتل مكانة هامة في أولويات الحكومة الحالية خاصة إذا تعلق الأمر بمستثمرين أجانب. هناك اتفاق عام بين معظم الاقتصاديين بأن “اقتصاد السوق” ليس مجرد عمليات بيع وشراء أو طلب وعرض بين الأفراد، ولكنه نظام متكامل يتطلب بنية أساسية من نظم قانونية تضمن وضوح المراكز القانونية للمتعاملين وتوفير الحماية الكافية لها، فضلاً عن المتطلبات الأخرى من ضرورة توافر المعلومات والبيانات السليمة، والأخذ بسياسات تحقق استقرار قيمة النقد مع القدرة على التنبؤ المعقول بالأوضاع الاقتصادية دون مفاجآت غير متوقعة. ومن هنا الدور الرئيسي للدولة. فاقتصاد السوق لا يقوم إلا في إطار دولة قوية توفر مقومات النشاط الاقتصادي للأفراد وتضمن حقوقهم وتوفر الحماية الكافية لهم مع تقديم الخدمات العامة سواء من متطلبات البنية الأساسية في الطرق والمواصلات والاتصالات  الآمنة والسليمة أو مصادر الطاقة أو من الموارد البشرية المؤهلة والمنضبطة. كل هذا أصبح من البديهيات المستقرة والتي لا تحتاج إلى مزيد من التأكيد. والإخلال بهذه المتطلبات يجهض “اقتصاد السوق” ويفسد “مناخ الاستثمار” مهما تعددت تصريحات المسئولين عن تشجيع الاستثمار وتحفيز المستثمرين.

ونود أن نركز هنا على أهمية الوضوح القانوني عندما يتعلق الأمر بالتعامل بالبيع والشراء مع الحكومة، وخاصة فيما يتعلق بالأراضي والتي يبدو أنها أصبحت في ظل الحكومة الحالية محور “التنمية الاقتصادية”. فنحن نعيش هذه الأيام ما يمكن أن يطلق عليه عصر “التنمية العقارية”. فالاستثمارات العقارية تتزاحم على مصر بدءاً من الساحل الشمالي، إلى سيناء وشواطئ البحر الأحمر وفي أطراف القاهرة وعلى طريق الإسكندرية الصحراوي  وطريق السويس الصحراوي وطريق الإسماعيلية الصحراوي. والقائمة طويلة. ورغم أن هناك الكثيرين الذين يشكون في جدوى “تنمية اقتصادية” قائمة على “التنمية العقارية” خاصة إذا كانت موجهة لأصحاب الدخول العالية، فعلى أي حال لا أقل من أن يتوافر لهذه السياسة التنموية الحد الأدنى من شروط الاستقرار، وهو تحديد المراكز القانونية للمتعاملين في هذه الاستثمارات على نحو واضح لا لبس فيه. وتقام هذه الاستثمارات –عادة- على أراضي مملوكة للدولة، وهي تباع أو توزع على المستثمرين سواء من مواطنين أو أجانب أو جمعيات تعاونية أو نقابات أو غيره. وذلك بشروط مختلفة ودون إطار عام واضح ومستقر.

ولكن من هي “الدولة” التي تملك البيع والتصرف؟ هنا نجد أنفسنا أمام قائمة غريبة ومتنوعة من الوزارات والمؤسسات الحكومية والمحافظات والهيئات المحلية. فالبائع لهذه الأراضي قد يكون وزارة الإسكان أو وزارة الزراعة أو الجيش أو الشرطة أو المحافظ أو غير ذلك. وبعضها يبيع بأسعار السوق لمستثمرين مصريين أو أجانب، والبعض لآخر يقوم بالبيع من خلال مزايدات، والبعض الثالث يبيع بأسعار رمزية، وأحياناً يتم البيع لجمعيات تعاونية أو لنقابات أو للعاملين في وزارة أو أخرى. وليس هناك من وضوح أو مساواة في التعامل كما لا يوجد سند قانوني محدد لبيان الاختصاصات والإجراءات المتبعة. ولذلك ليس غريباً أن تتم الصفقة مع أحد هذه الهيئات العامة ويبرم العقد، وقبل أن يبدأ التنفيذ يفاجأ المشتري بهيئة عامة أخرى- قد تكون المحافظة أو وزارة أخرى- بالإدعاء بأنها المالك أو أن موافقتها لازمة لإتمام الصفقة. وهذا ما يبدو أنه حدث في الواقعة المنشورة في الجرائد. والسبب في ذلك هو الفوضى الكاملة السائدة فيما يتعلق بمفهوم الملكية الخاصة للدولة وخاصة فيما يتعلق بالأراضي والعقارات. وبوجه خاص ليس هناك تحديد واضح لمن له الحق في التصرف القانوني باسم “الدولة” في هذه الأراضي والعقارات.

وقد سبق أن تناولت شيئاً من ذلك على صفحات هذه الجريدة تحت عنوان “الدومين العام” و”الدومين الخاص”. وأعتقد أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الاهتمام، وخاصة في الوقت الحالي حيث تتجه الدولة –كما أشرنا- إلى التوسع في ميدان التنمية العقارية على أراضي الدولة.

ولا يقتصر الأمر على أهمية الوضوح والاستقرار في المراكز القانونية للمتعاملين مع الدولة في صدد هذه الأراضي، بل أن الأمر يتجاوز ذلك إلى إعادة رسم خريطة الثروات في مصر نتيجة لظهور اتجاه خطير بإعادة توزيع الثروات من خلال التصرفات في أملاك الدولة العقارية. فقد عرفت مصر خلال العقدين الأخيرين اتجاهاً مقلقاً نحو تركيز الثروات في أيدي عدد محدود من كبار رجال الأعمال، ليس بسبب اقتحام مجالات جديدة في الصناعة أو الخدمات أو زيادة الكفاءة الإنتاجية للاقتصاد الوطني، وإنما بسبب الإفادة من عمليات المضاربة بشراء أراض مملوكة للدولة بأسعار وشروط متميزة تمكنهم من تحقيق مكاسب هائلة خلال سنوات قليلة. ويكفي نظرة سريعة إلى أصحاب الثروات الجديدة –وكلها ثروات هائلة- لنكتشف أن نقطة البدء كانت الإفادة من عمليات شراء لأراضي الدولة. وليس هذا بغريب على التاريخ المصري الحديث. فعندما جاء محمد علي إلى مصر وضع كل أراضي مصر الزراعية في ملكية الدولة (الوالي)، وبذلك اختفت تماماً الملكية الخاصة العقارية في مصر. ولكنه عمد بعد ذلك إلى توزيع جزء من هذه الأراضي على كبار الموظفين وخاصة من الشركس والأتراك فيما عرف “بالإبعاديات”. وكانت هذه “الإبعاديات” هي أول “ملكية خاصة” تظهر في مصر الحديثة، قبل أن يضطر الوالي –سعيد باشا ثم إسماعيل باشا- بمقتضى قانون المقابلة إلى الاعتراف بالملكية الخاصة في الزراعة لمن يدفع الضريبة مقدما لسبع سنوات. وجاء بيع أراضي الدائرة السنية من أملاك الخديوي اسماعيل مما أدى إلى إعادة ظهور الملكيات الزراعية بين المصريين. وبصدور القانون المدني المختلط ثم الأهلي في السنوات 1875، 1883 على التوالي، توفر للملكية العقارية أساس قانوني واضح.

ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه. فإذا كانت الثروات الزراعية الكبيرة قد بدأت في مصر “بالإبعاديات” في عصر محمد علي، فها هي تعود الآن في شكل أراضي البناء ومشروعات التنمية العقارية وبما يشبه الإبعاديات التي تقدمها مختلف الوزارات وبشروط متفاوتة للمنتفعين. فكيف السبيل إلى وضع أسس سليمة لهذه الملكيات المشتراة من الحكومة؟

لامناص من العودة إلى المبادئ المستقرة في تعريف ملكية الدولة. وقد سبق في مقالي السابق أن أشرت إلى أن ملكية الدولة تنقسم إلى ملكية عامة (الدومين العام)، وملكية خاصة (الدومين الخاص). أما الملكية العامة فهي الأموال –عقارات أو غيره- مما هو مخصص للمنفعة العامة. وهذه لا يجوز التصرف فيها على نحو يخالف الغرض الذي خصصت له. فالطرق والمطارات والموانئ وغيرها من العقارات المخصصة لخدمة عامة لا يجوز التصرف فيها طالما ظلت مخصصة لهذا الغرض العام. ويقوم بالإشراف على إدارتها الوزارة أو المؤسسة المعنية بإدارة هذا المرفق العام. أما “الملكية الخاصة” للدولة فهي لا تختلف عن الملكية الخاصة للأفراد، ويجوز التصرف فيها بكل التصرفات القانونية من بيع وإيجار وغير ذلك . ولكن الممثل الوحيد للدولة في إجراء التصرفات القانونية في أصول الدولة الخاصة هو وزارة المالية، فهي الوزارة المسئولة عن إدارة أموال الدولة، وكل حصيلة تترتب على هذه التصرفات لا بد وأن تعود للخزانة العامة. فالوزارات ليست لها شخصية قانونية مستقلة، فهي لا تملك إجراء تصرفات قانونية في غير ما هو منوط بها فنياً أو وظيفياً في إدارة شئون الحكومة. والدولة وحدها هي التي تتمتع بالشخصية القانونية وبالتالي بحق الملكية، ويمثل الدولة في المجال المالي وزارة المالية، فهذا هو دورها التنفيذي. أما الوزارات الأخرى فهي أجهزة فنية ممثلة للدولة، ولكل منها اختصاص في مجال محدد. فوزارة الزراعة مسئولة عن أمور الزراعة ووزارة التربية عن التعليم ووزارة الدفاع عن الأمن القومي، وهكذا. فوزارة المالية هي ذراع الدولة في إدارة موارد الدولة المالية.

وبالمثل فإن الهيئات المحلية تتمتع هي الأخرى بالشخصية القانونية وبالتالي يجوز لها التملك، ويحدد القانون الجهة في كل هيئة محلية التي تمثل المحافظة، وتعود حصيلة البيع إلى موازنة الهيئة المحلية. وفي كل هذا لا بد وأن يصدر قانون موحد يبين كيفية التصرف في الأموال الخاصة للدولة، وإلا اختلط الحابل بالنابل.

 وهكذا فنحن في حاجة إلى تنظيم واضح لملكية الدولة الخاصة وبيان من يجوز له التصرف فيها، والقيود والضوابط التي ترد على هذه التصرفات، وشكل المحاسبة على ما يتم من تصرفات. ودون هذا التنظيم الواضح فسيظل مناخ الاستثمار معرضاً للقلق والمطالبات المفاجئة من كل صوب وحدب من إدارات حكومية تتدخل في أي وقت للمطالبة بحقوق مالية وبأثر رجعي.

ولعل من المناسب أن نتذكر أن المستثمر يستطيع أن يتعايش مع كافة الظروف باستثناء عدم اليقين. ولذلك فإن الاضطراب وعدم الوضوح في عمليات بيع أراضي الدولة ومعرفة مركز المستثمر القانوني على وجه التحديد هو أحد أخطر مصادر عدم اليقين وبالتالي يمثل أهم المعوقات الأساسية للاستثمار العقاري السليم. ولكنه أيضاً وربما لنفس السبب هو أيضاً أحد أسباب الفساد ومكافأة المحاسيب وتكوين الثروات غير المشروعة. والأكثر أهمية في كل هذا هو أن عائد التصرف في الأملاك الخاصة للدولة من أراضي وعقارات إنما هو جزء ملكية المواطنين وبالتالي لابد وأن يضاف إلى موارد الخزانة العامة لمصلحة الجميع، وألا يُترك في أيدي مختلف الإدارات والوزارات بعيداً عن الرقابة والإشراف- كما في الميزانية.

 و الله أعلم.

الأهرام 9  ديسمبر 2007

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *