التعويضات العراقية للكويت: هل هي قنبلة زمنية

يعتقد البعض ـ وأنا منهم ـ أن مصير الأمة العربية متشابك ومترابط، وأن ما تحققه بعض دولها من خير أو ما يصيبها من شر ما يلبث أن ينعكس على بقية أجزاء الأمة خيراً أو شراً. ولست أشك أن أكبر خسارة منيت بها الأمة العربية المعاصرة في مجموعها جاءت في أعقاب واقعتين، الأُولى هي هزيمة 1967، والثانية غزو العراق للكويت في 1991. ولم تنجُ دولة عربية واحدة من التداعيات السيئة لهاتين الواقعتين، وأكاد أقول أننا لم نفق من وقعهما بعد. فإسرائيل خرجت من حرب 67 باحتلال كامل الأراضي الفلسطينية وتشريد سكانها فضلاً عن احتلال سيناء والجولان. وها نحن ما نزال نراوح أنفسنا لإزالة آثار ذلك العدوان بالكفاح المسلح تارة ـ حرب 1973 ثم أعمال المقاومة ـ وبالتفاوض تارة أُخرى، للخلاص من آثار تلك الهزيمة. وجاء غزو العراق للكويت في عام 1991 فأوقع العرب في صراع فيما بينهم مما استدعى تدخل القوات العسكرية الأجنبية، وبدأت القواعد العسكرية الأجنبية في العودة إلى مواقع كان قد تم إجلاؤها منها منذ عقود، وما زال الوجود العسكري الأجنبي والنفوذ السياسي متزايداً على الأراضي العربية مما يحد من حقيقة استقلال دولها. وبعد إخراج العراق من الكويت في حرب الخليج الأُولى، ضعف النظام العراقي وأصبح مطمعاً للتدخل الأجنبي في شؤونه وفرضت العقوبات الاقتصادية عليه، وانتهى الأمر بإعلان الحرب عليه واحتلاله في حرب الخليج الثانية بمئات الآلاف من القوات الأجنبية مع تدمير معظم عناصر بنيته الأساسية فضلاً عن مئات الآلاف من القتلى والجرحى. وقد تم كل ذلك لأسباب ومبررات تبين أنها مزيفة وغير حقيقية، وأن السبب الحقيقي هو الضعف العام للنظام العربي الذي شجع الأطماع الخارجية.

والآن، وحيث بدأت القوات الأمريكية بالانسحاب من العراق وفقاً لوعود الرئيس أوباما، بدأت تطفو على السطح من جديد قضية التعويضات التي فرضت على العراق لدولة الكويت، وهي تعويضات اعتمدت بقرارات من الأمم المتحدة بناء على ضغوط شديدة من الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها أداة ضغط على نظام صدام حسين القائم في العراق في ذلك الوقت. والسؤال، هل هناك حاجة لإعادة النظر في الموضوع في إطار الظروف الحالية والتي تختلف جوهرياً عما كانت عليه الأمور عند فرضها؟ لقد اختفى صدام حسين وانتهى نظامه، ويعيش العراق الآن وضعاً قلقاً وممزقاً بعد حرب جاوزت الستة أعوام مورست فيها أعمال وحشية للتدمير والقتل وإثارة النعرات الطائفية. فهل مازالت التعويضات مطلوبة بنفس القوة وبنفس المشروعية؟ ألا يكفي ما تعرض له هذا الشعب من شتى أشكال التنكيل من حكومات ظالمة وطاغية ثم حرب دامية وتدمير لمعظم مرافق الحياة وتمزيق لمختلف فئات الشعب وطوائفه وخضوعه لاحتلال أجنبي فضلاً عن ممارسات للتعذيب وانتهاك لحقوق الشعوب والإنسان؟ هل ما تزال هناك ضرورة لفرض مزيد من العقوبات على هذا الشعب لأجيال قادمة؟ هذه أسئلة مشروعة.

لقد كانت دولة الكويت ضحية لغزو بربري غير مشروع، وكان من الواجب الوقوف إلى جانبها، كما فعل معظم العرب ودول العالم آنذاك. ولكن بعد مضي ما يقرب من عقدين على تلك الأحداث، تغيرت كل معالم الصورة. لقد سقط نظام صدام حسين وانتهى، وعرف العراق أياماً قاسية مزقت شعبه وفرضت عليه آلام وتضحيات شديدة وغالباً ظالمة. والحقيقة الوحيدة الدائمة هي أن الكويت الجارة الصغيرة ستظل قائمة على حدود العراق الجنوبية، أما الخلافات السياسية بين القطرين فأمور عارضة تجيء وتذهب. ويظل الشعبان العراقي والكويتي جارين لهما مصالح مشتركة ومستمرة في نقاء العلاقات بينهما وإبعاد كل أسباب الظلم والكراهية. وإذا كان الغزو العراقي الظالم للكويت قد دمر العديد من منشأتها وخرب آبارها للبترول وعطل إنتاجها، فإن ذلك لم يمنع من أن تنجح الكويت في السنوات التالية من تحقيق وفورات مالية هائلة تجاوز بكثير ما ضاع عليها نتيجة غزو صدام وعدوانه عليها.

السؤال هو كيف ننظر الآن إلى تلك التعويضات؟ هل يكفي أن نتذكر ماضي أليم واعتداء وحشي غير مبرر، أم يجب أن ننظر لمستقبل دولتين جارتين سوف تعيشان دائماً وأبداً في ظل هذا الجوار؟ أليس من المصلحة أن تصفو النفوس، خاصة وأن الشعب العراقي نفسه كان ضحية لأوضاع مأساوية حيث خضع لحكم قاسي أيام صدام ثم عانى من نكبة بعده لاتقل ضراوة، ومازالت المعاناة أمامه طويلة. فكيف يكون التصرف الرشيد؟

المسألة ليست أخلاقية بحتة بل أنها في صلب السياسة، وتاريخ العالم الحديث يخبرنا بتجربة مماثلة كان التعنت والتشدد في فرض العقوبات وخاصة التعويضات على الطرف المعتدي وبالاً على العالم كله، وليس على الجاني فقط. ولنا في تجربة التعويضات الألمانية التي فرضت على ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأُولى درس ينبغي أن نعيه تماماً.

بدأ مسلسل العداء الفرنسي/الألماني في بداية القرن التاسع عشر حين مزق نابليون الولايات الألمانية وجمعها في اتحادات هزيلة خاضعة للنفوذ الفرنسي، فانتهز بسمارك ضعف الحكومة الفرنسية مع نابليون الثالث في 1870 واستدرجه إلى الحرب وهزمه بعد أيام. وفرض على فرنسا تعويضات مالية باهظة وسلخ منها الألزاس واللورين. ولم ينسى الفرنسيون الهزيمة أو التعويضات، فدخلوا مفاوضات السلام بعد الحرب العالمية الأولى بعقلية الثأر والانتقام. ولذلك أصرّ الحلفاء ـ بضغط من الفرنسيين ـ على فرض تعويضات هائلة في معاهدة فرساي على ألمانيا مع إعادة الالزاس واللورين لفرنسا.

وقد كان الدافع الأساسي لطلب هذه التعويضات ـ خاصة لدى الفرنسيين ـ هو الرغبة في الانتقام وتوقيع العقوبات على الشعب الألماني دون مراعاة لحدود ما يمكن الحصول عليه. وقد وصف الاقتصادي الإنجليزي المعروف كينز ـ وكان عضواً في الوفد البريطاني في هذه المفاوضات – كليمنصو (الرئيس الفرنسي) بأنه رجل عجوز ووقور وإن “كان يعيش في وهم Illusion، اسمه فرنسا، مع خيبة أمل disillusion اسمها البشرية”. وهكذا تغلبت عواطف الانتقام والثأر على هدوء العقل ورجاحته. وفي هذا الجو من التعنت والتشدد لم يملك كينز ـ وكان موظفاً صغيراً ـ إلا أن يقدم استقالته تعبيراً عن الاستياء والاشمئزاز. وأصدر كتاباً بعد ذلك عن “النتائج الاقتصادية للسلام” تنبأ فيها بفشل هذه الجهود في تحقيق الاستقرار في أوربا أو العالم.

وقد بدأت تلك المفاوضات بمطالبات مبالغ فيها من الفرنسيين، واستقر الأمر على تحديد التعويضات بمبلغ 12.5 مليار دولار بالإضافة إلى الفوائد (وهو ما يعادل الناتج الإجمالي لألمانيا) وبحيث تدفع ألمانيا ما بين 600-800 مليون دولار سنوياً للحلفاء لمدة سبعة وثلاثين سنة ثم أقل من 400 مليون دولار سنوياً لمدة اثنين وعشرين سنة تالية. وبمعنى آخر أراد الحلفاء إلزام الألمان بدفع تعويضات لمدة 70 سنة بعد انتهاء الحرب، تنتهي في 1988، أي لثلاثة أجيال بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.

وما حدث بعد ذلك معروف. فقد عرفت ألمانيا في بداية العشرينات تضخماً فادحاً hyperinflation حيث انخفض سعر المارك من 4.2 بالنسبة للدولار قبل الحرب 1914 إلى 65 مارك للدولار في 1920، ثم انهار إلى 620 ألف مارك للدولار الواحد في أغسطس 1923 ثم إلى ما يعادل 630 بليون مارك للدولار في نوفمبر من نفس السنة، أي أن الأسعار ارتفعت في أربعة شهور مليون ضعف. وبعد ذلك عين الدكتور شاخت رئيساً للجنة العملة حيث أصدر عملة جديدة Rentenmark  ليحل محل المارك القديم بواقع تريليون مارك قديم لكل مارك جديد. وبعد ذلك استقر الوضع المالي وعرفت ألمانيا نوعاً من الانتعاش. وجاءت الأزمة المالية في نيويورك في 1929 فعرفت ألمانيا انهياراً اقتصادياً في الإنتاج الصناعي وزيادة عدد العاطلين على نحو لم تعرفه الدول الصناعية الأخرى، حيث بلغ عدد العاطلين في ألمانيا 6 مليون عامل. وبذلك عانت ألمانيا فيما بعد الحرب العالمية الأولى على التوالي أكبر أشكال التضخم ثم أشد أنواع الركود الاقتصادي.

وإزاء هذه التقلبات العنيفة في أوضاع الاقتصاد الألماني، توقفت ألمانيا عن دفع التعويضات أكثر من مرة، مما أدى إلى  تشكيل لجنة دولية عرفت بلجنة داوز Dawes في 1923، قررت إلزام الألمان بدفع التعويضات مقابل تقديم قروض لها من الولايات المتحدة. فأمريكا تقرض ألمانيا، ولكن ألمانيا لا تأخذ هذه الأموال وإنما تدفعها للحلفاء كأقساط للتعويضات، والحلفاء بدورهم لايأخذون هذه الأموال وإنما يسددوا بها قروضهم لأمريكا. فالعملية كلها حيلة محاسبية لإعطاء الانطباع بأن ألمانيا توفي التزاماتها عن التعويضات وأن الحلفاء يوفون ديونهم لأمريكا، رغم أن النقود لم تنتقل عملياً من أي مكان إلى مكان آخر. وبعد الأزمة الاقتصادية في الثلاثينات وانهيار الاقتصاد الألماني شكلت لجنة دولية أخرى برئاسة أوين يونج Yong الذي عمل على تخفيض التعويضات المدفوعة من ألمانيا. وهنا أيضاً لم تستطع ألمانيا أيضاً الانتظام في الوفاء.

وهكذا يتبين أن فرض التعويضات على ألمانيا عند نهاية الحرب، لم يحقق نتائج عملية من ناحية السداد الفعلي بل أدى فقط إلى زيادة أشكال التوتر والتطرف والعداء بين الدول. ولم يكن غريباً في مثل هذه الأجواء أن ينجح هتلر في الانتخابات الألمانية بأكبر قدر من الأصوات ، ما دعا رئيس الجمهورية إلى تكليفه بتشكيل الحكومة. وكان أول أعماله هو تمزيق معاهدة فرنسا وإلغاء التزامه بالتعويضات، مع البدء في الإعداد لحرب جديدة للانتقام من أذلال الحلفاء للشعب الألماني. وسعد الجميع بمجيء النازي لأن هتلر خلصهم من ورطة التعويضات التي لم تتمكن ألمانيا من الوفاء بها ولم تجرؤ دول الحلفاء الأخرى على إعفائها منها. فألمانيا لم تسدد بالفعل أكثر من عشرة في المائة مما فرض عليها من تعويضات بعد الحرب، ولم يختلف الأمر مع دول الحلفاء نفسها ـ إنجلترا وفرنساـ فإنها قد توقفت بدورها عن سداد ديونها لأمريكا، ولم تلتزم دولة واحدة بالوفاء بديونها الناجمة عن الحرب العالمية الأولى سوى فنلندا.

وباستيلاء النازي على الحكم في ألمانيا بدأ الاستعداد لحرب جديدة، وقامت الحرب العالمية الثانية وهزمت ألمانيا مرة أخرى، ولكن الحلفاء كانوا قد وعوا الدرس فحرصوا على عدم فرض أية تعويضات على ألمانيا المهزومة وإنما، على العكس، جاء مشروع مارشال لإعادة بناء ألمانيا وأوربا، والتي أصبحت الحليف الأكبر للولايات المتحدة. هذا ليس كرماً ولكنه سياسة وبعد نظر.

فماذا عن الكويت والعراق؟ هل لنا أن نتعلم من عبرة التاريخ وتجارب الآخرين؟

أليس في العرب عقل راجح لمساعدة هذين البلدين الشقيقين على الوصول إلى تفاهم مقبول ينظر إلى المستقبل وآماله ويتجاوز الماضي بآلامه. المشكلة تهم العالم العربي واستقراره في مجموعه. أليس من الممكن أن يعاد النظر في هذه التعويضات ليس بإعفاء العراق كلياً، وإنما بتحويل التعويضات المعقولة أو جزء منها ورصدها لمشروع عربي قومي يخدم الأمة العربية في مجموعها. لقد كانت الكويت دوماً مثالاً في العطاء لأشقائها العرب، وكانت أول دولة عربية تنشئ صندوقاً للتنمية الاقتصادية العربية، فهل غريب عليها أن تعيد النظر في رقم التعويضات وتخصص حصة لأمتها العربية.

لماذا لا تشكل الجامعة العربية مجموعة من عقلاء الأمة لدراسة الموقف وتقديم تصورات واقعية ومقبولة من الشعبين دون مزيد من الانفعال والتشنج ومن أجل حماية مصالح العرب. فما بين الشقيقين في العراق والكويت يهم الأمة العربية في مجموعها. والأمة العربية تستحق من عقلائها أكثر من ذلك. والله أعلم.

الأهرام : 5 يوليو 2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *