التفكير” خارج الصندوق”

 ليس المقصود من هذا العنوان الإشارة، بوجه خاص، إلى صندوق النقد الدولى، وإنما المقصود هو التفكير عن حلول غير تقليدية لمشاكلنا والبحث عن أفكار جديدة إبتكارية وخارجية على المألوف. فهناك إتهام، صريح أو ضمنى، بأن المسئولين ينتهجون عادة أساليب تقليدية مستقرة بلا خيال أو إبداع. وهو إتهام، وإن كان فى أحيان كثيرة، مبرراً، فإنه فى أحيان أخرى لا يخلو من مبالغة. ولا شك أن التفكير الإبداعى هو أحد أهم عوامل التقدم. فقدرة الإنسان على الخيال، وعلى “التفكير خارج الصندوق”، بالمعنى المتقدم، هو السبب فى ظهور الحضارات وتقدم الأمم. كل هذا صحيح ولا اعتقد ان هناك خلافاً حوله. إذن أين المشكلة؟

المشكلة أن هناك عدد غير قليل من الكتاب، وقد زادت أعدادهم فى الفترة الأخيرة، الذين ينتقدون العديد من السياسات القائمة مطالبين بضرورة التفكير “خارج الصندوق”، دون تقديم أية بدائل مبتكرة وإقتراحات محددة بدلاً من تلك الأفكار التقليدية. وقد كان موضوع الإقتراض من صندوق النقد الدولى ومحاولة جذب الإستثمارات الأجنبية من أكثر الموضوعات التى أثارت إعتراضاً، بإعتبارها نوعاً من التفكير من “داخل الصندوق” فى حين أن المطلوب هو البحث عن أفكار جديدة مبتكرة.

 ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الإعتماد على مصادر خارجية مثل صندوق النقد الدولى أو الإستثمارات الأجنبية لا تخلو من العديد من القيود والأعباء، ولكن البدائل ـ إذا كانت موجودة ـ لا تخلو هى الأخرى من قيود واعباء أخرى قد تفوقها ألماً وصعوبة. فنحن دائماً إزاء خيارات ولكل منها مزايا وأعباء، ولا يوجد خيار واحد بلا تكلفة أو تضحية. والسؤال هو كيفية الإختيار لتقليل الأعباء والتكاليف وليس إلغائها. فلا شىء فى الحياة بلا تكلفة، وليس هناك وجبات مجانية! فالخيار عادة ليس بين الحسن والسىء، بل هو غالباً خيار بين المر والأمر منه.

كذلك فليس الأمر دائماً مجرد “وجهات نظر” يمكن أن تختلف بين كاتب وآخر، بل هناك أحياناً قيود حديدية على القرارات ولا يمكن تجاوزها. فكما أن عمليات الحساب من جمع وطرح أو ضرب وقسمة، ليست مجالاً لإختلاف الأراء بل هى قيود حديدية على قواعد الحساب، فكذا العديد من العلاقات الإقتصادية. فكما أنه ليست هناك وجهات نظر متعددة حوا حاصل ضرب عددين، فلا تستطيع دولة ـ أو فرد ـ أن ينفق بأكثر من دخله إلا بالإستعانة بالغير، وفى هذه الحدود فقط. كذلك فإن إنتاج الدولة يوزع على الإستهلاك والإستثمار، ولا يمكن زيادة الإستثمار دون ضغط على الإستهلاك. وبالمثل فإن النمو الإقتصادى وزيادة الإنتاج وحدها هى التى تسمح بزيادة الإستهلاك والإستثمار معاً، ولكن زيادة الإنتاج لا تتحقق فى التو واللحظة وإنما تطلب فترة زمنية يزيد فيها الإستثمار ويضبط معها الإستهلاك. كذلك لا يمكن بيع سلعة بأقل من تكلفتها، وإذا حدث وأن بيعت بثمن أقل، فإن الفارق فى التكلفة لابد وأن يتحمله آخرون. وإذا كانت بعض السلع المدعمة تباع فى السوق بأسعار أقل من تكلفتها، فليس معنى ذلك أن هذه التكلفة قد إنخفضت على المجتمع فى مجموعه مع الدعم، وإنما معناه أن فرق التكلفة قد تم تحميله على آخرين فى المجتمع فى شكل إرتفاع فى الأسعار، أو نقص فى الإستثمارات الممكنة أو الخدمات المقدمة، أو بإهدار فى صيانة المرافق العامة. فالتكلفة يدفعها دائماً المجتمع. كذلك فإنه ليس من الضرورى أن يصل الدعم فى أغلبيته للمستهلك بل أن أغلبه يبدد لصالح الوسطاء. فالدعم ليس دائماً نعمةعلى المستهلكين بل قد تكون له تكلفة عالية على مستقبل المجتمع بإهدار موارد هامة على الوسطاء وحرمان المجتمع من موارد كان يمكن تخصيصها للإستثمار وتحسين آفاق المستقبل. وأخيراً، وبصرف النظر عن فوائد وعيوب الدعم، فإن هناك إستحالة فى إستمرار عجز الموازنة إلى مالا نهاية. هذه كلها حقائق أشبه بالمعادلات الحسابية، وليست مجرد وجهات نظر يمكن الإختلاف حولها.

كذلك كثر الجدل فى إطار الحديث عن ضرورة “التفكير خارج الصندوق”، بالتأكيد على ضرورة الإعتماد على الذات. وهذه دعوة صحيحة وهامة، ولم يحدث أن تقدمت دولة إلا بجهود أبنائها. فلا يمكن أن يتحقق أى إنجاز كبير إعتماداً على الآخرين فقط. ولكن “الإعتماد على الذات” لا يعنى الإنكفاء على الذات ومعاداة “الغير”، فالشوفونية والعداء للأجنبى مرض خطير وضار. لقد عرفت البشرية تاريخاً مظلماً وظالماً للإستعمار، إستغلت فيه الدول الإستعمارية (إنجلترا وفرنسا بوجه خاص) مستعمرانها. ولكن ليس معنى ذلك أن كل معاملات العالم هى من قبيل الإستعماروالإستغلال. فكثيراً ما جاء تقدم الدول إقتصادياً من خلال التعاون الدولى. فالولايات المتحدة الأمريكية، طوال القرن التاسع عشر وجزء من القرن العشرين، كانت تتلقى إستثمارات خارجية ساعدتها على نهضتها الصناعية. وإذا نظرنا إلى التاريخ الحديث نجد أن معظم الدول التى حققت نهضة صناعية منذ نهاية القرن التاسع عشر وخلال القرن العشرين قد إستفادت من الإستثمارات الأجنبية. فتجارب اليابان ثم دول جنوب شرق آسيا، وأخيراً الصين وكذا الهند والبرازيل، قد إعتمدت بشكل كبير على الإستثمارات الأجنبية ثم على قدرتها على التصدير. فنجاح تجربة اليابان أو النمور الآسيوية أو الصين وأخيراً الهند إعتمدت كلها على الإنفتاح على العالم الخارجى وعلى التصدير. وحتى الإتحاد السوفيتى والذى إعتمد على سياسة الإكتفاء الذاتى والإنغلاق على الداخل، قد إستفاد هو الآخر بشكل كبير من العلاقات الإقتصادية الخارجية. ولعلنا نتذكر أن بداية برامج التخطيط الخمسية، والتى بدأت فى الإتحاد السوفيتى فى 1928 ، قد تزامنت مع الأزمة الإقتصادية العالمية مما مكن الإتحاد السوفيتى من الحصول على الكثير من التسهيلات الإئتمانية من البنوك الأمريكية والتى كانت تواجه بإنكماش إقتصادى محلى مما دفعها إلى زيادة التسهيلات الإئتمانية للإتحاد السوفيتى. وقد ساعدت هذه التسهيلات الإئتمانية على إستيراد العديد من وسائل الإنتاج الحديثة إلى روسيا. وبعد دخول روسيا الحرب ضد ألمانيا إستفادت من قانون الإعارة والتأجير فى أمريكا مما سهل عليها الحصول على أكثر من الواردات الصناعية الأمريكية وذلك بتسهيلات إئتمانية ساعدتها على نهضتها التكنولوجية. وهكذا فإن تجارب الدول للتصنيع فى القرن العشرين قد إعتمدت بشكل كبير على التصدير وعلى الإستثمار الأجنبى.

والخلاصة أنه يجب حقاً التفكير “خارج الصندوق”، ولكن هناك حقائق لا يمكن القفز عليها. فالدولة لا تستطيع أن تعيش بأكثر من مواردها، كما أن الدول الفقيرة تستهلك نسبة مرتفعة من إنتاجها، وإدخارها المحلى غير كاف، ولا يمكن تحقيق معدلات عالية من النمو دون زيادة الإستثمار المحلى، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون ضغط على الإستهلاك أو بالإستعانة بإستثمارات أجنبية. وبهذه المناسبة، فإن معدل الإستهلاك فى مصر يبلغ حوالى 85% من الناتج القومى أى أن الإدخار يدور حول 15% فقط، وهو معدل غير كاف لتحقيق نهضة إقتصادية. وقد نجحت دول النمور الآسيوية ثم الصين فى تحقيق مثل تلك النهضة لأنها إستطاعت أن تقوم بإستثمارات بمعدل يفوق 30% من الناتج القومى على مدى حوالى ثلاثة عقود. فمصر فى حاجة إلى إستثمارات خارجية. وأخيراً، فإنه ينبغى التذكير بأن التقدم لا يتحقق إلا بنوع من التضحيات، كما أنه لا يتحقق بين يوم وليلة، ولذا فلا بد من الصبر والمثابرة. وفى النهاية ليس هناك ما هو أكثر ضرراً من الإنكفاء على الذات ومعاداة الآخرين.

مصر، أحوج ما تكون للإنفتاح على العالم. ولكن ليس معنى الإنفتاح التبعية والخضوع، وهذا بالضبط ما فعلته البرازيل وتركيا وكوريا ومن قبلها الصين وغيرها من الإقتصادات الناجحة. لا بأس من “التفكير خارج الصندوق” وإنتهاج أساليب جديدة وغير تقليدية بشرط أن تكون هذه الدعوات محددة وواقعية وقابلة للتنفيذ وليست مجرد عبارات مرسلة أو تمنيات غير واقعية. والله أعلم.

الاهرام 11 مارس 2013

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *