التكنولوجيا قد تكون أيضاً ضد الديمقراطية

لا أحد يستطيع أن ينكر تأثير التكنولوجيا على المجتمعات قديماً وحديثاً. فالتطورات الكبرى في حياة البشرية قد صاحبها – أو سببها في رأي البعض – اكتشافات أو مخترعات مهمة في أساليب التكنولوجيا المستخدمة. فاكتشاف النار مع الإنسان البدائي ساعد على نجاحه في صنع الأدوات، ومعها تغير وضعه من خاضع وتابع للطبيعة إلى مؤثر فيها، وبدأت رحلته في تطويع البيئة وتطويرها بما صنعه من أدوات وآلات. ولا يقل أهمية عن ذلك تهجين وترويض الحيوان ومعرفة سر النبات مما ساعد على ظهور الزراعة وانتقال البشرية من الترحال والانتقال المستمر بحثاً عما يقتات به إلى حياة الاستقرار وبناء الحضارات. وصاحب هذه الثورة الزراعية أو لحقها اكتشاف الكتابة مما ساعد على تسجيل الأحداث وتوسيع ذاكرة الإنسان والجماعات. وكان اكتشاف العجلة خطوة رئيسية ساعدت على مزيد من سيطرة الإنسان على الطبيعة وتوسيع انتشاره على أرض المعمورة. واستمرت الاكتشافات والاختراعات، مع تسخير مختلف مظاهر الطاقة وقورة البخار واكتشاف الكهرباء وظهور الآلة البخارية واكتشاف البوصلة والسيطرة على البحار والمحيطات واكتشاف العالم الجديد واختراع المطبعة والانتقال إلى الثورة الصناعية. وهكذا يمكن أن نستمر في سرد قائمة طويلة من المخترعات والاكتشافات التكنولوجية التي كان لها أثر عميق على شكل وطبيعة الحياة البشرية. هذا كله قديم ومعروف، وليس الغرض من هذا المقال إعادة مناقشة هذه القضايا، ولكن ما نقصده هو الإشارة إلى ما يعرفه العالم المعاصر من تغيير مهم في التكنولوجيا السائدة، والأمر المعروف بثورة المعلومات والاتصالات وتأثير ذلك على جانب معين من جوانب الحياة الاجتماعية وهو ديمقراطية الحكم. فالسؤال المطروح هو هل تساعد مظاهر التكنولوجيا المعاصرة على دعم اتجاهات الديمقراطية في العالم أما أنها – على العكس – قد تدعم مظاهر الحكم التسلطي والديكتاتورية خاصة في دول العالم الثالث.

وقد يكون من المفيد أن نبدأ بالإشارة إلى أن الأمر الظاهر من خلال تطور التاريخ هو أن تقدم التكنولوجيا وفنون الإنتاج ساعد بشكل عام على تحرير الإنسان، وكانت مسيرة هذا التقدم التكنولوجي هي في الوقت نفسه مسيرة تحرر الإنسان من كل أشكال القيود المفروضة يستوي في ذلك القيود المفروضة من الطبيعة والبيئة المحيطة بالإنسان، أو القيود الذهنية والعقلية الراجعة إلى غلبة الخرافات والخزعبلات، أو القيود الاجتماعية من التميز الطبقي أو تسلط الحكام أو غلبة التقاليد أو سيطرة الثروات. وهذا هو الخط العام لمسيرة التقدم، مزيد من التحرر بشكل عام، وإن كان ذلك لا يتم عادة بشكل خطي ومستقيم، بل كثيراً ما يعرف ردات وتراجعات هنا أو هناك قبل أن يسترد مسيرة التقدم والتحرر، فضلاً عن أن التحرر من نوع من القيود أو قد يفرض أنواعاً أخرى لم تكن معروفة في الماضي. فالإنسان البدائي – مثلاً – كان عبداً لأهواء ونزوات الطبيعة، يعيش على ما تجود به من حين لآخر، وقد يموت جوعاً أو ظمأ ولا رحمة ولا شفقة عليه. وهو ليس فقط في صراع دائم مع الطبيعة بل هو في صراع مستمر مع غيره من الأفراد من أجل العيش فهو – كما يقول هوبز – يعيش حياة قصيرة وحشية منحطة في حالة حرب من الكل ضد الكل. وفي مثل هذه الأحوال لا يكاد الإنسان يتمتع بأي حق، حينما كان حق الحياة نفسه مهدداً في كل لحظة ومن كل جانب. ومع ذلك فقد صاحب هذا المجتمع البدائي نوع من المساواة شبه المطلقة، فالجميع مهدد لا يعرف أمناً ولا استقراراً، ولكنهم جميعاً في الهم سواء. وجاء استقرار الجماعات مع الثورة الزراعية توفيراً لحق الحياة الآمنة مع قدر معقول من إشباع الحاجات الرئيسية من غذاء أو كساد أو سكن. وهو تقدم – بلا شك – بالمقارنة مع خط الإنسان البدائي، وإن كنا مازلنا بعيدين عن الحرية الحقيقية فهو غالباً مكبل بنظام اقتصادي محدود الكفاءة يكفل – بالكاد – الحاجات الأولية للأفراد، وهو خاضع لنظام اجتماعي صارم يفرض – عادة – قيوداً على حركته وحريته بل وفكره، والحاكم أو الرئيس هو – غالباً – حاكم أو رئيس مطلق أقرب إلى الإله منه إلى البشر، ونسبة كبيرة من البشر تعيش في حالة عبودية أو أقرب إلى العبودية. وبدأت المساواة بين الأفراد في التراجع كما بدأ ظهور الطبقات والتمايز الاجتماعي مع التقدم الاقتصادي، بعد ذلك خاصة مع ظهور الآلة وانتشارها مع الثورة الصناعية، أصبحت العبودية عبئاً على الاقتصاد، وتحرير الإنسان مطلباً لزيادة الإنتاجية، بل وأصبحت – ومنذ منتصف القرن التاسع عشر – زيادة دخول الطبقات العاملة شرطاً للرواج الاقتصادي، وليس فقط مطلباً للعمال وهكذا كان التقدم التكنولوجي بشكل عام مصاحباً لتحسن الأحوال المعيشية للبشر، وإن وجدت – دائماً – جيوب واسعة أو ضيقة للفقر أو البؤس هنا وهناك، وفي الوقت نفسه تحسنت – أيضاً بشكل عام – الظروف الصحية بل والتعليمية لأعداد متزايدة، وارتفعت متوسطات الأعمار وتناقصت الوفيات. ولم تكن مسيرة الحريات السياسية مختلفة تماماً – وإن كانت – أقل وضوحاً – فزاد الاهتمام بحقوق الإنسان وزاد عدد الدول الديمقراطية هذا كله معروف، ولا داعي لإعادة الكلام عنه.

ما نود الحديث عنه اليوم هو أنه مع الاعتراف بهذه المسيرة العامة لمنطق التطور البشري مع التقدم التكنولوجي، فإن ذلك لا يمنع أيضاً من الاعتراف بأن التكنولوجيا ورغم هذا التوجه العام، كثيراً ما تكون، أيضاً، عقبة في سبيل تقدم الديمقراطية على الأقل في المدة القصيرة وللأسف فإن هذه المدة القصيرة قد تمتد إلى أجيال. ويظهر ذلك بصدده أوضح في دول العالم الثالث.

المشهور أن ثورة التكنولوجيا المعاصرة – المعروفة باسم ثورة المعلومات والاتصالات – ساعدت وتساعد على انتشار المعلومات فيما بين أجزاء المعمورة عن طريق التقدم في وسائل الاتصالات الحديثة وقد أدى ذلك إلى زيادة الوعي العام بين الدول. ولم تعد الحدود السياسية مانعاً لانتقال هذه المعلومات من مكان إلى آخر – مهما بعد – في لمح البصر. ولم يعد بالتالي لأية دولة القدرة على عزل شعبها عما يدو من أحداث في مختلف أجزاء المعمورة ومن هنا جاء الحديث عن القرية الكونية وقد لعب سلاح وسائل الإعلام – بمختلف أشكاله – دوراً بارزاً في الصراع بين الكتلتين الغربية والشرقية في أثناء الحرب الباردة، وكانت دعاية دول الغرب عن نموذج الديمقراطية ومقارنتها بما يدور وراء الستار الحديدي من أهم الأسباب التي ساعدت الغرب في صراعه مع الشيوعية، وما لبث هذا النظام الأخير أن أنهار وتحلل تماماً في نهاية الثمانينات من القرن العشرين. وكانت مطالبة الجماهير ورغبتها في الديمقراطية والتطلع إلى مستويات المعيشة في الغرب أحد أهم معاول هدم ذلك النظام وهكذا كانت التكنولوجيا المعاصرة أحد أهم وسائل نشر الوعي العام بين الشعوب.

كذلك لا يخفي أن مستوى التعليم ومدى انتشاره مؤهل للتحسن المستمر مع زيادة استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة، فضلاً عن أن هذه التكنولوجيا باتجاهها العالمي وما يرتبط به من فتح الأسواق ودمج الاقتصاديات المختلفة في اقتصاد عالمي من شأنها – مع توافر الزمن اللازم – أن تؤدي إلى زيادة الكفاءة على مستوى العالم ومن ثمّ يرتفع مستوى المعيشة بين الأفراد ويزداد تطلعهم إلى الديمقراطية. هذا كله صحيح، ولكن هل هذه هي الصورة الكاملة، أليست هناك تفاصيل أخرى داخل هذه الصورة العامة تبرز عكس ما تقدم، وبحيث تكون وسائل التكنولوجيا الحديثة – في ثورة المعلومات والاتصالات – أداة القهر والتسلط وليس للتحرر والانطلاق؟! للأسف الشديد الحقيقة أكثر تعقيداً وتركيباً من الصورة العامة المبسطة عن أثر التكنولوجيا على تحرر الإنسان. حقاً أن المسيرة العامة تؤكد أن تطور التكنولوجيا يؤدي إلى مزيد من تحرر الإنسان، تحرره من العوز والخوف وتفتح أمامه باب الأمل والإبداع ولكن في هذه المسيرة الطويلة هناك تعرجات وحواري وأزقة تنزلق فيها الإنسانية – أي على الأقل أجزاء منها – حيث أدت هذه التكنولوجيا الحديثة إلى حروب ومظالم عانت منها الشعوب خلال الحروب العالمية أو الإقليمية!، كذلك فإن أدوات التكنولوجيا نفسها والتي ساعدت على تحقيق أكبر مظاهر التقدم والثراء في الدول المتقدمة، أدت في الوقت نفسه إلى الاستغلال والبؤس – من خلال الاستعمار بأشكاله المختلفة ظاهراً سافراً حيناً، ومتخفياً ومقنعاً في أحيان أخرى وبالمثل فإن أدوات التكنولوجيا المعاصرة في صورة المعلومات والاتصالات وهي تعمل على زيادة الوعي العام ونشر أفكار الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإنها في ظروف أخرى تصبح أدوات الظلم والقهر وتأييد الحكم الديكتاتوري والتسلط. ومن أسف فإن مجال هذه الاستخدام المنحرف لأدوات التكنولوجيا الحديثة يكون عادة في دولنا النامية أو المختلفة. ولنتأمل بعض الأمثلة.

من الحقائق المستقرة أنه في كل زمن يسود كل مجتمع مستوى معين للثقافة والتقدم التكنولوجي يشمل الحكام والمحكومين معاً ويتحقق بالتالي توازن معقول في العلاقة بين الاثنين وبقدر ما يحدث من تقدم بقدر ما يرتفع هذا المستوى العام لدى كل من الحكام والمحكومين ومع ذلك فإن العصر الحديث قد أتى بشيء جديد وهو أن مجتمعات متخلفة تماماً في كل مظاهرها المادية والثقافية ثم تأتي أدوات التكنولوجيا الجديدة لتوضع في يد الفئة الحاكمة وتعطيها بالتالي تفوقاً ساحقاً بالنسبة إلى الغالبية من المحكومين مما يمكنها من الحكم المطلق أو شبه المطلق دون مقاومة تذكر أو بمقاومة عديمة الفاعلية. وقد عرف النظام الاستعماري في القرنين الثاني والتاسع عشر شيئاُ من ذلك حيث استطاعت أقلية استعمارية – ولكنها تتمتع بتكنولوجيا متفوقة تفوقاً ساحقاً – من إخضاع المحكومين وهم الغالبية الكبرى خضوعاً كاملاً. وقد نجحت إنجلترا مثلاً خلال ما يقرب من ثلاثة قرون من إخضاع شبه القارة الهندية للحكم البريطاني بعدد من الحكام ومعاونيهم – من عسكر ومدنيين – لم يجاوز في أي وقت من الأوقات العشرة آلاف للسيطرة الكاملة على حياة مئات من الملايين من الهنود. وقل مثل ذلك في معظم المستعمرات الأخرى بل وهناك المثال الشهير للاستعمار الأوروبي للقارتين الأمريكيتين حيث زال أو كاد أهل البلاد الأصليين رغم تفوقهم العددي بسبب اختلاف المستوى التكنولوجي المتاح لكل ممن الفئتين. وقد كانت هذه الظاهرة قاصرة حتى وقت ليس بعيداً على علاقة الحاكم المستمر والشعوب المستعمرة، ولكنها بدأت تنتشر كنموذج جديد بعد استقلال العديد من دول العالم في الستينات من القرن فرغم أن الحكام الجدد قد جاءوا بين أهل البلد، فقد وضعت تحت تصرفهم آخر منجزات التكنولوجيا الحديثة مما جعل العديد من المستعمرات القديمة تخضع لأحكام لا تقل قهراً – بعد الاستقلال السياسي – عما كانت عليه قبل الاستقلال السياسي. فهذه الدول تكون عادة مختلفة في جهازها الإنتاجي ونمط معيشتها وعلاقتها الاجتماعية، ولكن حكومتها تتمتع بأحدث ما تخرجه المصانع من العالم من ترسانات عسكرية وبوليسية وإعلامية وهكذا أدت التكنولوجيا الحديثة ليس إلى التحرر، وإنما الاستبعاد الكامل في دول بوليسية يتمتع جهازها الحاكم ليس فقط بأدوات القهر المادي من أسلحة وأدوات للقهر المادي بل وللتسلط المعنوي على عقول الأفراد من خلال أجهزة الإعلام ونظم التعليم وغيرها من وسائل التسلط. فالحاكم من خلال هذه الأجهزة يستطيع أن يدرك كل واردة أو شاردة ويملك حرية حركة تمكنه – في لحظات – من القضاء على أية بادرة للمقاومة وهي في مهدها ولا يقتصر أمر التكنولوجيا وما توفره من تفوق ساحق للحاكم أو الأقلية الحاكمة على الغالبية الغارقة في ثقافتها وأدوات معيشتها التقليدية – وأحياناً البدائية – بل أنها أيضاً توفر مزايا ومصالح هائلة ما كان يحلم بها الملوك في الماضي لهذه الطبقة الحاكمة وأعوانها. فالتكنولوجيا الحديثة ليست مجرد أسلحة وأدوات للقهر بل إنها حققت في الوقت نفسه ثورة في الميدان الاقتصادي فيما عرف باسم الثورة المالية فقد أدت الثورة التكنولوجية في المعلومات والاتصالات إلى تغيير في مفهوم الثروة ففي الماضي كانت الثروة تتكون أساساً من أشياء عينية – عقارات ومبان – فإذا بها مع الثورة التكنولوجية تصبح أساساً ثروة منقولة، ثروة مالية وهي ثروة تنتقل من مكان إلى آخر في شكل أوراق مالية من أسهم وسندات، وعملات تنتقل عبر الأثير من مكان إلى آخر دون أن تلحظها العين أو تدركها يد، فثروة لويس الرابع عشر أو محمد علي كامن في أحسن الأحوال عبارة عن أراض وقصور، وهو لا يستطيع أن ينقلها أو يخفيها، أما الآن فالثروات تقدر بالمليارات ولا أحد يعرف مكانها أو يدرك حجمها. وقد تداولت الألسن عن ثروات تقدر بالمليارات حققها حاكم في إفريقيا مثل موبوتو أو في آسيا مثل سوهارتو أو ماركوس في أمريكا اللاتينية مثل أباطرة الأفيون في كولومبيا أو غيرهم. وإذا كان أحد أسباب الحكم المطلق هو حب السلطة والجاه والثروة، فقد أدت الثروة التكنولوجية الحديثة إلى إمكان تكوين ثروات بالغة حتى في دول فقيرة. وهذه القدرة المالية الفائقة لم يكن من الممكن الحصول عليها والاستيلاء عليها دون هذه الثورة التكنولوجية المعاصرة وهذه هي ظاهرة الفساد المرتبط بالنظم غير الديمقراطية والفساد المالي بهذا الشكل ليس فقط دافعاً وحافزاً رهيباً على التمسك بأساليب الحكم المطلق، ولكنه وسيلة أيضاً لشراء الذمم وكسب التأييد من بعض العناصر المؤثرة لإبقاء النظم المتسلطة فانعدام الديمقراطية والمساءلة قد يوجد في ظل التكنولوجيا المعاصر إغراء يصعب الفكاك منه للتشبث بالحكم المطلق، وهو أيضاً وسيلة ناجحة لإسكات بعض عناصر المقاومة بإشراكها في هذا الكسب الحرام. ومن هنا فقد ساعدت التكنولوجيا المعاصر ليس فقط على استمرار حكومات غير ديمقراطية بل وعلى انتشار الفساد المالي أيضاً.

وما تقدم ليس دعوة ضد التكنولوجيا بل العكس، فإن تقدم الإنسان وتحرره رهن بتقدم التكنولوجيا وانتشارها ولكن الغرض من هذه الإشارة هو فقط للتذكر بأن مسيرة التقدم ليست مستقيمة ومطردة، وأن أسباب التقدم قد تخفي أيضاً آلاماً ومظالم، والعلاج هو مزيد من التمسك بأهداب التكنولوجيا في إطارها الثقافي الواسع على ألا يقتصر ذلك على القشور من المظاهر المادية بل ينعكس في الوقت نفسه في النظم والمؤسسات والقيم ورغم الانحرافات هنا وهناك فإن انتشار الوعي لابد وأن يقضي على هذه التشوهات.   والله أعلم

الأهرام: 30.9.2001

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *