التنمية بالمؤتمرات

عقدت منذ أيام اجتماعات محافظي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في مدينة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة. وهذا أول اجتماع من نوعه يُعقد في دولة عربية. وربما تعتبر اجتماعات محافظي الصندوق والبنك الدوليين أهم اجتماعات دولية على المستوى الاقتصادي والمالي. فهي لا تجمع فقط وزراء المالية والاقتصاد ورؤساء ومحافظي البنوك المركزية في كل أو معظم دول العالم، ولكنها تضُم أيضاً معظم المسئولين عن المؤسسات المالية والبنوك فضلاً عن العديد من مراكز البحوث والدراسات وعدد من منظمات المجتمع المدني، وبطبيعة الأحوال رجال الإعلام. ويقدر عدد الحضور في هذا الاجتماع الأخير بأكثر من خمسة عشر ألف مشارك من مختلف البلدان. وعادة لا تقتصر هذه الاجتماعات على الاجتماعات الرسمية للمحافظين في المؤسستين، بل تنظم حولها العديد من المحاضرات والدوائر المستديرة لمناقشة أهم القضايا الاقتصادية التي تشغل بال الرأي العام. وأهم من هذا وذاك، فإن هذه المؤتمرات هي فرصة للالتقاء بين المسئولين عن الاقتصاد العالمي في حل المشاكل المعلقة وعقد الصفقات وإجراء المناقشات وتبادل الآراء. ولذلك فإن عقد مثل هذا الاجتماع في مدينة دبي يمثّل حدثاً لدولة الإمارات العربية المتحدة، كما أنه حدث على مستوى الوطن العربي.

وقد كان عقد الاجتماعات في دبي بالمستوى الذي ظهر مفاجأة مذهلاُ للعديد من المشاركين والمراقبين الذين أخذتهم دقة التنظيم وتوافر الإمكانيات والتسهيلات وكفاءة العاملين مما كان محل إعجاب وتقدير الجميع. فأكثر من خمسة عشر ألف مشارك موزعين على عشرات الفنادق، يجدون وسائل الاتصال ميسرة ومتوافرة بدقة هائلة، فضلاً عن فخامة الفنادق وسهولة التعامل. وعندما يتعلق الأمر بالأمن، وخاصة في هذه الظروف الصعبة، فقد كانت اجتماعات دبي مظهراً راقياً لأعلى درجات الكفاءة في ضبط الأمن دون أن تلحظ هذه الإجراءات عين، ولذلك في دقة وصرامة دون غلاظة. ولعلي أشيد إلى تجربة محددة، حيث يعاني منها عادة المشتركون في مثل هذه المؤتمرات وذلك عند التسجيل، حيث تتدافع الجموع بين البحث عن اسم المشترك والحصول على الوثائق، وإرساله لأخذ صورته ثم استلام بطاقة دخول. ولكن الأمر كان سهلاً في دبي. فلم يأخذ الانتهاء من هذه الأحداث سوى دقائق، كل شيء مُعد مسبقاً، ومع استخدام أحدث التقنيات، فالمشترك يضع إمضائه الذي يتم التحقق منه إلكترونياً.

وهكذا كانت تجربة التسجيل ميسرة وسريعة. ولم يشعر أحد طوال فترة الاجتماع بازدحام في أي مكان رغم المشاركين. وأخيراً فقد كان هناك عدد من المرشدين والمعاونين للإجابة عن الاستفسارات وتوجيه الإرشادات، وكانت البسمة تعلو وجوههم. ولعلهم خضعوا لتدريبات عملية سابقة في كيفية التعامل مع المشاركين في الاجتماع.

ونظراً لأن اجتماعات البنك والصندوق يُنظر إليها، عادة، باعتبارها مظهراً من مظاهر العولمة، فإنها تتضمّن غالباً مظاهرات وإضرابات لمناهضة العولمة. أما في دبي، فإننا لم نلمح مثل هذه المظاهرات حتى كادت تفتقد الاجتماعات لأحد معالمها الأساسية. ولحسن الحظ، قامت في اليوم الأخير مظاهرة مكوّنة من سيدة واحدة بريطانية للاحتجاج على صندوق النقد الدولي. وبذلك استكمل الاجتماع كافة جوانبه.

واجتماعات الصندوق والبنك الدوليين ليست الاجتماعات أو المؤتمرات الوحيدة التي تُعقد على المستوى العالمي. فالمؤتمرات الدولية تتعدد وقد أخذت في الفترة الأخيرة اتجاهاً متعاظماً للزيادة والانتشار. ولم يعد الأمر مجرد اجتماعات دولية تضم آلافاً مؤلفة من المشاركين، بل ظهرت موجة من مؤتمرات القمة العالمية، فهذا مؤتمر للمرأة، ولذلك للسكان، وثالث لحقوق الإنسان، ورابع لحماية البيئة، وهكذا. وهي مؤتمرات يحضرها إلى جانب المتخصصين والفنيين، رؤساء الدول والحكومات ومئات الوزراء وآلاف المسئولين ورجال الصحافة ومنظمات المجتمع المدني. فظاهرة الاجتماعات والمؤتمرات قد أصبحت أحد معالم العصر الحديث.

وعندما يتعلق الأمر بمؤتمرات المؤسسات الدولية، وهي عادة مؤسسات ثرية، فإن الأمر لا يقتصر على الاجتماعات والندوات والمناقشات والصفقات، بل يتطلب الأمر أيضاً إقامة حفلات الاستقبال من قبل مختلف هذه المؤسسات. ولم تكن اجتماعات دبي خروجاً على هذه التقاليد. وبطبيعة الأحوال فقد أتيح لي، حضور عدد من هذه الحفلات والتي تجمع العديد من المشاركين. وكان يقام في الليلة الواحدة خمسة أو ستة حفلا وربما أكثر بحيث ينتقل المشارك من حفلة إلى أخرى ليقابل نفس الوجوه. وهذه الحفلات تتسم عادة بالفخامة وأحياناً بالإسراف في الشراب والطعام. ويقدر عدد الحاضرين في حفل استقبال البنك والصندوق الدوليين بأكثر من عشرة آلاف مدعو. وكانت كميات الطعان والشراب تكفي، بطبيعة الأحوال، لضعف هذا العدد. والحاضرون هم دائماً من الوزراء ورؤساء البنوك والمؤسسات المالية ورجال الأعمال والعاملين في المجالات الدولية وفي الإعلام، وهم يحضرون في أناقة لا تخفى عن الناظرين، وكثيراً ما تصحبهم زوجاتهم وقد تحلين في أحلى زينة وترصّعت صدورهم بأغلى المجوهرات.

وعندما تتذكر بأن الاجتماع قد عُقد من أجل “القضاء على الفقر”، وكانت جميع الكلمات من رؤساء الوفود تدور حول خطورة تفاقم ظاهرة الفقر في العالم، وضرورة العمل، بكل جهد، للقضاء على الفقر أو على الأقل تخفيف وطأته. وبعد هذه الكلمات والأحاديث تنتقل إلى هذه الحفلات للاستقبال، فإنك لا تملك إلا أن تشعر بشيء من الغرابة، بين ما تسمع وما ترى. أحاديث عن الفقر في قاعات الاجتماع، ومظاهر للغنى الفاحش، وأحياناً الإسراف المبالغ فيه، في صالات احتفالات الاستقبال. أي تناقض هذا. هل ينبغي لكي نقضي على الفقر، أن نسافر إلى أبعد نقطة في الخريطة، وعادة بالدرجة الأولى، وأن نقيم في أحسن الفنادق، وأن نستمتع بأفخر أنواع الغذاء والشراب، ما دمنا نتحدث ونخطب بأعلى الأصوات وأقوى العبارات، عن ضرورة القضاء على الفقر. أليس هذا غريباً؟

راودتني، وأنا في أحد حفلات الاستقبال، فكرة مجنونة، ماذا لو ألغينا لسنة اجتماعات القمم، ومؤتمرات التنمية، ووفرنا ما ننفقه على الإعداد لهذه الاجتماعات والمؤتمرات، ونقدمه هدية لدولة فقيرة. موريتانيا مثلاً أو الصومال. وتمثّل المصاريف المباشرة وغير المباشرة لأي من هذه الاجتماعات بمبالغ ليست بالقليلة، وإذا أخذنا ما ينفق على السفر والإقامة، والإعداد للأمن، وشراء الأجهزة وإقامة التسهيلات، والتأثيث وربنا بناء قصور المؤتمرات. فإن رقم التكلفة لا بد وأن يزيد. وإننا نعقد هذه المؤتمرات منذ خمسين سنة وكلها لأهداف نبيلة وباسم الإنسانية، يحضرها الموظفون والمسؤولون دون أصحاب المصلحة الحقيقية من الفقراء والمكدوحين. فأنت تعقد مؤتمراً من أجل الفقراء، ولا ترى فقيراً واحداً. وهكذا جال فكري، لماذا لا نخصص هذه الأموال، كل سنة لدولة فقيرة. ألم يكن من الممكن أن ينتهي الفقر تماماً من موريتانيا والصومال وبروندي، وتشاد، إلى آخر هذه القائمة، فيما لو منح لكل منهم ما يُصرف على هذه الاجتماعات أو في الأقل ما يُصرف على الحفلات لإقامة المدارس والمستشفيات والطرق دون اجتماعات وحفلا استقبال!

ولكن، وبعد قليل من التفكير، عدت للصواب وأدركت أن الفكرة رومانسية وغير واقعية. كيف نعمل دون اجتماعات ومؤتمرات وحفلات أيضاً، ماذا نفعل بشركات الطيران، وكيف تمتلئ الفنادق، وماذا يفعل جيش من موظفي العلاقات العامة، وكيف نطلب من الوزراء والمسئولين أن يقضوا طوال الوقت في حل مشاكل الناس دون أن تتاح لهم فرصة السفر والالتقاء مع رجال الأعمال والمؤسسات الدولية للخروج من دوامة العمل الثقيل. وماذا يفعل الخبراء والمستشارون الذين يكتبون الأوراق ويعدون الأبحاث لمثل هذه الاجتماعات والمؤتمرات؟ هل نتركهم للبطالة؟

البيروقراطية لها طريقها في تحويل الأفكار النبيلة إلى مجموعة من الممارسات تكون فيها هذه البيروقراطية هي أول المستفيدين، وأحياناً آخرهم أيضاً يستوي في ذلك بيروقراطية الحكومات أو المؤسسات الدولية أو المؤسسات المالية وغيرهم.

لقد جاءت الأديان هداية للناس، فإذا بعض رجال الدين يحولونها في كثير من الأحوال إلى مزايا وطقوس تفيدهم قبل أن تحقق الهداية. وقد اكتشف المفكرون في منتصف القرن العشرين قضية التنمية للارتفاع برفاهية الناس، وهم الآن، بمساعدة البيروقراطية الدولية، يحولوها إلى مزايا وطقوس جديدة من المؤتمرات والاجتماعات والتي تفيدهم، ونأمل أن تفيد الآخرين أيضاً. وفي نهاية يظل اجتماع دبي نقطة مضيئة في وقت اشتدت فيه الحملة على الأمة العربية والإسلامية.   والله أعلم

 الاهرام: 28.9.2003

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *