الثورة والتفاؤل المسئول

لعل أحد أهم نتائج الثورة المصرية هو الطفرة المفاجئة في اهتمام المواطنين بالشأن العام. فقد بدا الأمر وكأن المصريين قد أفاقوا من سبات عميق بعد استقالتهم السابقة من الحياة العامة نتيجة لعجزهم شبه الكامل عن تغيير الأوضاع البائسة القائمة آنذاك. وجاءت الثورة لتعيد البسمة إلى وجوههم والأمل إلى قلوبهم. فأجمل نتائج الثورة هو عودة التفاؤل بالمستقبل وإعادة امتلاك المصريين لمصيرهم. فبعد غياب طويل بدا فيه أن قهر الحاكم لا خلاص ولا مفر منه، فاجأت الثورة أبنائها بنجاحها ومعها عادت الثقة بالنفس، مؤكدة بأن الحلم يمكن أن يصبح حقيقة. وكرد فعل لما كان يشبه اليأس الكامل، جاءت عودة السياسة عارمة غامرة، فكل فرد يريد المشاركة الكاملة في رسم المستقبل، ولكل منهم آراءه وتصوراته عما يعتقد أنه المجتمع الأفضل. ومن هنا جاء التنوع والاختلاف وأحياناً الاختصام بين الأفراد والاتجاهات، لأن الجميع اكتشف أن البلد بلده، وأنه مسئول عن مستقبلها. فحالة السيولة بل والاختلاط واللخبطة والتناقض في الأفكار والدعوات ليست سوى نتيجة طبيعية لاستعادة شعب كامل ممارسة حرية الرأي في الشؤون العامة، مع اندفاع الجميع لممارسة هذه الحرية في نفس الوقت. وبذلك فأهم فضائل الثورة علينا هي عودة الثقة والتفاؤل بالمستقبل. وهي ظاهرة عرفتها مصر الحديثة لفترات مؤقتة خلال حركة عرابي قبل أن تجهض، ثم ثورة 1919 قبل أن تستهلك، وأخيراً ثورة 1952 قبل أن تنتكس. ومع الفرحة باستعادة الحق في التفاؤل بالمستقبل، فإن الأمر لا يخلو من بعض ممارسات المراهقة الفكرية في تعصب هنا أو تعسف هناك. وهي ظواهر طبيعية لصدمة النجاح المفاجئ.

وأود في هذا المقال أن أتحدث عن أهمية التفاؤل بشرط أن يكون تفاؤلاً مسئولاً. والتفاؤل المسئول يعني أن ندرك أن ما تتحقق من انتصار لم يكن تطيراً لغيبيات مجهولة أو نتيجة لخبطة حظ بقدر ما كان نتيجة طبيعية لتراكم أحداث وتفاعلها. فالأحداث لا تقع بقوى المجهول من ضربات الحظ، وإنما تخضع لعلاقات السببية لمقدمات أدت إلى نتائج، حتى وإن لم نكن على وعي كامل بهذه العلاقات السببية.فالحياة تخضع لقوانين ونواميس طبيعية وثابتة. وقد أودع الله الإنسان العقل والإرادة والخيال ليكتشف هذه القوانين حتى يستطيع أن يغير الواقع ويتقدم ويبني الحضارات. والطريق إلى ذلك هو العلم والمعرفة. وليس معنى ذلك أن الإنسان قد عرف جميع قوانين الطبيعة أو أنه سبر كل أسرارها، ولكن تطوره وتقدمه جاء نتيجة لعلاقات سببية بين مقدمات ونتائج. فلم تقم ثورتنا بالصدفة ولكنها اندلعت لأن هناك أسباباً حقيقية استندت إليها، وجهوداً فعلية وراءها. فقد كان هناك ظلم استشرى وفساد عم وفشل في تحقيق حلم الأمة. ولكن كان هناك أيضاً شباب آمن بحقه في التغيير وأدرك حقائق العصر وأجاد استخدامها. وإذا كنا نتفاءل بقيام الثورة فإننا لا نتفاءل لأن الحظ وقف معنا، بقدر ما نتفاءل لأن شبابنا، ومن وراءه الشعب بكافة أطيافه، قد استوعب بؤس الحاضر وانسداد أفق المستقبل أمامه فقرر الخروج إلى الشارع. ولكنه لم يكتف بذلك بل طوع البيئة التكنولوجية المتاحة لتعبئة الجهود وتوحيد الكلمة حول شعار أن “الشعب يريد إسقاط النظام”. والتف الشباب، والشعب من خلفه وراء هذا الشعار، وكان لا بد للقوات المسلحة أن تختار الوقوف مع الشعب. وقد كان ما هو معروف. ولذلك فإن ثورتنا ليست ضربة حظ بل هي نتيجة ضرورية لمقدمات مهدت لها ولجهود بذلت وتضحيات قدمت في إطار الواقع الاجتماعي والتكنولوجي المتاح. وإذا كانت الثورات لا تتم بالصدفة وإنما نتيجة لأسباب حقيقية ومحددة، فإن صناعة المستقبل لا تتحقق، بدورها، بالتمني وإنما بالعمل الجاد من أجل تحقيق مستقبل أفضل.

وإذا كان التفاؤل بنجاح الثورة يفتح الباب للتفاؤل لصنع مستقبل أفضل، فيجب أن نتذكر أن التفاؤل الوحيد المقبول هو التفاؤل المسئول الذي يدرك أن التغيير لا يتحقق بانتظار هدايا من السماء. والمستقبل الأفضل ليس خروجاً على قوانين الطبيعة أو انقلاباً على علاقات السببية، وإنما هو نتيجة لفهم أفضل لهذه القوانين وتسخيرها لخدمة البشر. والتغيير لا يتحقق إلا عندما تتوافر أسبابه ومقدماته. فالتقدم لا يتحقق بالنوايا الطيبة وحدها، وإنما بالفهم الأكثر عمقاً للقوانين الطبيعية والاجتماعية، وفي مقدمتها المعرفة الفنية والتكنولوجية والاجتماعية القادرة على تغيير الواقع.

ربما يكون الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف التفاؤل والتشاؤم، لسبب بسيط هو أنه الكائن الوحيد الذي يصنع مستقبله حين يبحث عن قوانين الطبيعة والمجتمع، لكي يستخدمها لتغيير ظروفه وأوضاعه. أما ما عدا الإنسان من كائنات فإنها تخضع للقوانين الطبيعية وتنصاع لها دون محاولة لفهم هذه القوانين أو سبر أعماقها أو استخدامها لمصلحتها لتطوير الواقع الذي تعيش فيه. ومن هنا أصبح الإنسان وحده صاحب حضارات. حقاً، قد تعرف بعض الكائنات تنظيمات اجتماعية متقدمة كما في حالة النحل والنمل، ولكنها غير قادرة على التطور، لأنها لا تحاول أن تستكشف القوانين الطبيعية وأن توظفها، بقدر ما تقتصر على الخضوع لها والتلاؤم معها بشكل غريزي دون تفكير. وهكذا فإن معظم هذه الكائنات خاضع للطبيعة، وذلك بعكس الإنسان الذي يوظف الطبيعة لمصلحته بعد أن يكتشف قوانينها. وسلاح الإنسان في سيطرته على الطبيعة وتطويعها هو مكوناته النفسية في حب الفضول والرغبة في كشف المستور، وقدراته العقلية في البحث لمعرفة قوانين الطبيعة، وبواسطتها يتمكن من تغيير البيئة المحيطة لتناسب حياته وترتقي بأوضاعه. فقوة الإنسان لا ترجع إلى قوته العضلية أو الجسمانية وإنما إلى عقله وقدرته على اكتشاف قوانين الطبيعة واستخدامها لمصلحته. ومن خلال هذه المعرفة وتسخيرها لمصلحته، استطاع الإنسان أن يصبح الكائن الوحيد الصانع للحضارات.

وفكرة صناعة الحضارة تجعل الإنسان الكائن الوحيد ذا النظرة المستقبلية الواعية وبالتالي المهيأ للتفاؤل والتشاؤم. فصناعة الحضارة تعني أن نعمل من أجل مستقبل أفضل، أي العمل الذي يتيح فرصاً أكبر أمام الإنسان، ومع مزيد من أفق الاختيار يتسع مجال الحرية أمامه. ولذلك فإنه ليس من الغريب أن تتوافر عناصر التفاؤل بشكل عام في المجتمعات الأُقرب إلى استيعاب ثقافة العصر والقادرة على التطور في المستقبل وتحقيق التقدم.

ويرتبط بمفهوم صناعة الحضارة وبالتالي القدرة على تحقيق التقدم وتوسيع الخيارات أمام الإنسان، عدة حقائق لا بد من التنويه إليها. فالاعتراف بإمكانية التقدم يعني أن الحاضر، مهما كان متقدماً فهو غير كامل، وأن هناك بالتالي مجالات للتحسين والتقدم. فالجنة أو مفهوم الكمال لا وجود لأيهما في الدنيا. الواقع القائم دائماٍ قاصر في جانب أو جوانب، وهناك دائماً فرص لتحسين الأحوال. فالكمال لله وحده. وهذا في نهاية الأمر، نعمة من الله علينا، لأنه يعني أن هناك دائماً مجالاً للتحسين والتقدم. ودون ذلك فإن الحياة تصبح قاحلة ومملة بلا أمل. ويترتب على الاعتراف بأن الحاضر قاصر وغير كامل، ضرورة الاعتراف بأن هناك مشاكل معاصرة لم تجد حلاً، وأن على الإنسان أن يبحث عن حلول لها. وهذه الحلول لا تأتي إلا بمزيد من المعرفة والخيال. كذلك فإن التجربة أثبتت، على مر الزمان، أن الإنسان قادر، بشكل أو بآخر، على اكتشاف حلول لهذه المشاكل. كما أثبتت التجربة أيضاً أننا حين نصل ـ عن طريق المعرفة ـ إلى بعض هذه الحلول فقد تظهر مشاكل جديدة تحتاج، بدورها إلى حلول جديدة. وهكذا نستمر في سلسلة مستمرة من مواجهة مشاكل متجددة ثم عن طريق المعرفة نصل إلى حلول لبعض المشاكل، ونتقدم خطوة لنجد أنفسنا أمام مشاكل أٌخرى جديدة. ولذلك فإن النجاح في حل المشاكل لا يتحقق، عادة، بالصدفة وإنما بالجهد والعمل لاكتساب مزيد من المعرفة. فرحلة التقدم في صناعة الحضارة هي رحلة مستمرة بلا نهاية وهي رحلة شاقة بقدر ما هي ممتعة. ومفهوم التفاؤل المسئول يتضمن إدراك هذه الحقائق، والتي يمكن تلخيصها على النحو الآتي:

? هناك دائماً مشاكل ولا يوجد مجتمع كامل تخلص من جميع مشاكله. فالمجتمع المثالي أو الكامل وهم لا وجود له. والقصور هو من طبيعة الحياة البشرية وهو ما يفتح باب التقدم والنهضة.
? رغم استمرار وجود المشاكل في كل وقت، فإن معظم هذه المشاكل تجد تدريجياً حلولاً لها على مراحل، وأن كان حل بعض المشاكل قد يصاحبه ظهور مشاكل جديدة، وهكذا. فالحياة كفاح مستمر من أجل الأفضل.
? الوسيلة الوحيدة لحل المشاكل هي مزيد من المعرفة بالحياة الطبيعية والاجتماعية سواء بالتجربة العملية والممارسة أو بالتأملات الفكرية لنظريات جديدة تثبت التجربة صحتها. وبذلك فإن الطريق الوحيد لحل المشاكل يتم من خلال المعرفة وسواء أكنت هذه المعرفة تجريبية أو كانت معرفة نظرية مجردة.
? هناك فاصل زمني بين إدراك المشكلة وبين اكتشاف الحل المناسب لهذه المشكلة، ومن باب أولى حتى تطبيق هذا الحل على أرض الواقع لعلاج هذه المشاكل. وقد يطول هذا الفاصل الزمني أو يقصر ، ولكن ليس هناك حلول آنية في التو واللحظة. فلا توجد عصا سحرية لإلغاء المشاكل وحلها فوراً.
? وأخيراً فإن اكتشاف الحلول لا يتم بلا تكلفة بل أن هناك جهداً لا بد وأن يبذل، وليس من الضروري أن نصل دائماً إلى الحل السليم دفعة واحدة، بل الغالب أن يتم ذلك من خلال التجربة والخطأ. وليس في هذا ضياع أو خسارة، فنحن نتعلم من أخطائنا ويصعب أن نصل إلى الطريق الصحيح من أول محاولة، وعادة ما يتحقق ذلك من خلال تجارب غير ناجحة. فالنجاح كحل لمشاكلنا لا يتم مجاناً وبدون تكلفة. وأحد مظاهر هذه التكلفة هو التجربة والخطأ. ولا أحد يتعلم دون أخطاء.

وإذا كان الشعب المصري قد استعاد تفاؤله بعد قيام الثورة، فالمطلوب أن يكون هذا التفاؤل مسئولاً، يؤمن بأن المستقبل سوف يكون أفضل، ولكن ذلك لن يكون سهلاً أو ممهداً، بل لا بد من اكتشاف الحلول وذلك بمزيد من المعرفة. فليس هناك حلول جاهزة وإنما وجهات نظر متعددة، وأن هذا يتطلب أفقا زمنياً معقولاً للتحقق من صحة هذه الحلول واختبارها. كما أن الحلول لمشاكلنا لن تكون مجانية بل هناك تكاليف ليس أقلها ارتكاب بعض الأخطاء. فالطريق إلى التقدم ليس مفروشاً بالورود. ولكن مع الثقة في النفس والعمل الجاد والتفاؤل بالمستقبل والتسامح مع مختلف الآراء، فكل شيء يصبح ممكناً. التفاؤل لا يعني زوال مشاكلنا الآن وحالاً، ولكنه يعني أن الغد سيكون أفضل، إذا كان لدينا الصبر والجهد والرغبة والتسامح والثقة في قدرة الإنسان المصري. والله أعلم.

الشروق 18 يونيو 2011

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *