الجاسوسية بين العمالة والبطولة

متابعة لحديث المخابرات، فلا شك أن الجاسوسية وخاصة في مواجهة الدول الأجنبية هي أحد أهم أساليب الحصول على المعلومات عن أوضاع هذه الدول ونياتها وبرامجها السياسية والعسكرية. وكان قد استرعى انتباهي مقال هام نشر بالأهرام منذ عدة أسابيع بقلم الصديق الدكتور عبد المنعم سعيد عن “بطولة أشرف مروان”.

والدكتور عبد المنعم سعيد ليس مجرد صديق عزيز ولكنه أحد كتاب الرأي المتألقين حيث يتميز بوضوح في الفكر واستقلال كبير في الرأي ودرجة عالية من العقلانية. فهو كاتب له سمعة طيبة وتقدير كبير عند الكثيرين. ولكل ذلك فقد كان حديثه عن “بطولة أشرف مروان” في علاقته بإسرائيل محل اهتمام وتساؤل.

وحديثي اليوم عن هذا الموضوع لايرجع إلى معرفة خاصة بالموضوع أو معلومات جديدة عنه، فأنا لم أعرف السيد أشرف مروان شخصياً، وربما لم ألتق به إلا عرضاً مرة أو مرتين في مناسبات عامة، ولم يدر بيننا أي حديث. كذلك لا أدعي أنني تابعت بدرجة كافية ما نشر حول ظروف وفاته المأساوية، وإنما جاء اهتمامي بالموضوع إثر ما قرأته في مقال الدكتور سعيد المشار إليه. وقد وجدت أن المقال يثير تساؤلات بأكثر مما يقدم إجابات، ورأيت أنه قد يكون من المناسب أن أضع هذه التساؤلات تحت نظر الدكتور سعيد.

وبعد أن انتهيت من كتابة التعليق فوجئت بأن الدكتور عبد المنعم سعيد قد نشر في أهرام 7 يوليو مقالاً جديداً عن “قضية السيد أشرف مروان”. ولم أجد في هذا المقال الثالث ما يتطلب تغيير ما أوردته في التعليق، وقبل إرسال التعليق قرأت في الأهرام 14 يوليو مقالاً رابعا حول نفس الموضوع به مزيد من التفصيلات دون أن يبدد الشكوك حول دور السيد اشرف مروان، ولذلك قررت إرسال التعليق بحالته.

ذكر الدكتور عبد المنعم سعيد في مقال “البطولة” أنه تناول نفس الموضوع في مقال سابق له، متسائلاً عن “الوجوه الخمسة للسيد أشرف مروان” ؛ هل هو عميل، هل هو وطني، هل هو انتهازي؟…الخ. وانتهى إلى أنه يعتقد أن الصورة الأقرب إلى الحقيقة هي أنه بطل وطني، غرر بالعدو الإسرائيلي، بإعطائه معلومات مضللة عن حرب أكتوبر، وذلك بإبلاغ السلطات الإسرائيلية بأن الحرب ستقوم يوم 6 أكتوبر (كما حدث بالفعل) ولكن في الساعة السادسة مساءً لبدء العمليات، وذلك بدلاً من الساعة الثانية بعد الظهر. وذهب الدكتور سعيد إلى أن هذه “الأربع ساعات ” كانت حاسمة في تضليل العدو وإحباط مخططاته في مواجهة مفاجأة الحرب.

ورغم ما جاء في المقال من تأكيد على خطورة هذه “الساعات الأربع” والتي حرمت الإسرائيليين – آنذاك – من تدارك خطر المفاجأة، هكذا أكد المقال، فأعترف بأنني لم أستطع – وربما الكثيرون غيري- فهم خطورة هذا “التضليل” عن ساعة الصفر، بالرغم من إبلاغهم – وبدقة- عن نية المحارب المصري والسوري في بدء الحرب في هذا اليوم بالتحديد!

وأعتقد- وأرجو أن يصححني في ذلك الدكتور سعيد- أن الأمر الأكثر خطورة هو إبلاغهم أن قرار الحرب قد اتخذ بالفعل، وأن اليوم المحدد لذلك هو 6 أكتوبر. أما تحديد الساعة والدقيقة لبدء العمليات العسكرية، فإنها مجرد تفاصيل عملياتية أقل خطورة بكثير من قرار الحرب ذاته لذلك اليوم. فالرأي السائد في الأوساط العسكرية الإسرائيلية آنذاك هو أن العرب فقدوا الإرادة والقدرة على الحرب. ولعله من المفيد أن نتذكر هنا أن أشرف مروان لم يكن المصدر العربي الوحيد لمعلومات المخابرات الإسرائيلية عن حرب أكتوبر، فالملك حسين –رحمه الله وغفر له- أبلغ بدوره رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدامير –حسبما ذكرت مختلف التقارير- بأن الحرب سوف تبدأ يوم 6 أكتوبر الساعة السادسة صباحاً. وهكذا، فالقيادة الإسرائيلية كان لديها في فجر 6 أكتوبر تقارير من مصادرها في الأردن ومصر بأن الحرب ستقوم 6 أكتوبر بين السادسة صباحاً والسادسة مساءً. كذلك كان هناك سحب الخبراء السوفيت من القاهرة ودمشق. فالمؤشرات عن الحرب كانت متعددة. والقول مع ذلك بأن القيادة العسكرية الإسرائيلية كانت تثق في مصدرها المصري ( مروان) إلى درجة جعلتها عاجزة عن اتخاذ قرار التعبئة وتأخيره لمدة أربع ساعات حتى تتأكد منه عن موعد الحرب بالضبط فيه كثير من حسن الظن.

وبافتراض أن القيادة الإسرائيلية قد وقعت بالفعل في فخ التضليل بأن الحرب سوف تبدأ الساعة السادسة مساءً بدلاً من الثانية ظهراً، فإن السؤال الحقيقي هو هل إبلاغ إسرائيل بهذه المعلومات “المغلوطة” يفيد أم يضر الموقف العسكري المصري؟ ألم يكن من المحتمل أن تؤدي هذه الرسالة “المضللة” إلى نتائج ضارة بالقوات المصرية نفسها؟ فماذا كان يمكن أن يحدث فيما لو قررت إسرائيل – نتيجة لهذه المعلومات- استباق الهجوم المتوقع، بأن تبدأ الطائرات الإسرائيلية في ضرب المواقع المصرية قبل الموعد “المحدد” بأربع أو خمس ساعات مثلاً. ألم يكن ذلك كافياً لإلقاء الاضطراب في صفوف المحاربين المصريين والسوريين؟ ألم يكن هذا  أمراً محتملاً؟ السؤال ماهو المكسب الذي يعود على القوات المصرية من إبلاغ العدو بأن الحرب قادمة خلال ساعات حتى وإن كانت هناك مغالطة في الساعة؟ ألم يكن من الأفضل تركه في حالة من الشك؟

ويظل التساؤل الجوهري مع ذلك قائماً. فحسبما نشر عن وقائع القصة، فإن اتصال المرحوم أشرف مروان بالسلطات الإسرائيلية بدأ في لندن في عام 1969، أي في ظل حياة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وهنا يثور التساؤل هل تم هذا الاتصال بمعرفة وموافقة من الرئيس عبد الناصر، أم أن الأمر قد تم بعيداً عن الرئيس السابق؟ هذا سؤال جوهري، تتوقف على الإجابة عليه كثير من النتائج التي يمكن الوصول إليها.

ولاتوجد – فيما أعلم – أية معلومات منشورة عن هذا الأمر،. ومع ذلك فإذا لم يكن لدينا معلومات محددة حول الموضوع، فإننا نستطيع –بالمنطق- أن نتصور عدداً من السيناريوهات الممكنة وبالتالي استبعاد بعضها –بالمنطق أيضاً.

السيناريو الأول، هو أن يكون اتصال المرحوم أشرف مروان بالسفارة الإسرائيلية قد تم بمعرفة أجهزة المخابرات المصرية ولكن دون علم أو معرفة من الرئيس السابق. وهو أمر بالغ الصعوبة والغرابة ويصعب تصديقه، لأنه يعني ببساطة توريط زوج ابنة الرئيس في مغامرة كبيرة غير محسوبة وقد يترتب عليها أبعاد سياسية خطيرة على مكانة الرئيس نفسه. ومثل هذا التصرف إذا تم من جانب المخابرات دون علم الرئيس فإنه يكون أشبه بانقلاب على الرئيس نفسه بإخفاء أمر يمس سلامة البلاد مع تعريض عائلة الرئيس للمخاطر وبدون مبرر. إذن نستبعد هذا الاحتمال.

والسيناريو الثاني، هو أن يتم توظيف السيد مروان لهذا العمل بعلم الرئيس السابق وموافقته. وللوهلة الأولى يبدو أن هذا أمر بعيد الاحتمال وقد يشكك في حكمة الرئيس السياسية بل وفي مسئوليته تجاه أسرته. فماذا إذا استغلت إسرائيل الموقف واستخدمت اتصال السيد مروان بها لتوريط أسم الرئيس نفسه بالإعلان عن استعداد زوج ابنته للتعامل مع السفارة الإسرائيلية، وبمقابل مالي؟ ماذا إذا أخذت السلطات الإسرائيلية صوراً فوتوغرافية له في السفارة الإسرائيلية أو مع موظف إسرائيلي عند إعطائه شيكات أو نقوداً مع النشر في الصحافة وبالتالي تلطيخ اسم عائلة الرئيس، وهو الذي كان يرفض كل محاولات الاتصال السري المباشر مع إسرائيل؟ وماذا عن تعريض حياة زوج ابنة الرئيس للخطر، ونعرف جميعاً أنه كثيراً ما تنتهي أعمال التجسس بالاغتيال! فهل يعرِّض الرئيس –كإنسان وأب – زوج ابنته لمثل هذا الخطر. ورغم هذه المحاذير فقد جاء مقال الدكتور سعيد الثالث مؤكداً أن “المهمة المستحيلة” قد عهد بها رئيس الدولة بالفعل إلى السيد أشرف مروان وذلك دون معرفة من “رجال الصف الثاني في القيادة”. ولذلك فهو لايجد أية غرابة في إنكار مدير مكتب الرئيس ووزير شئون الرئاسة أو مدير المخابرات ووزير الحربية في عهد عبد الناصر لهذه الوقائع، لأنهم ببساطة لايعرفون! ولابد كذلك أن عبد الناصر قد أسر بهذا السر الكبير إلى نائبه السادات الذي احتفظ بالسيد مروان لهذه المهمة الخطيرة بعد توليه السلطة. قائمة طويلة من الافتراضات الصارخة! ولاشك في أن للدكتور سعيد مصادر خاصة تؤكد صحة روايته، وياحبذا لو أماط اللثام عنها. فالحقيقة أنه بغير مصادر معلومات موثوق بها، فإن السيناريو كله يبدو متهافتاً.

ويبقى السيناريو الثالث والأخير، وهو أن المرحوم مروان قد اتصل بالسلطات الإسرائيلية بعيداً عن علم المخابرات المصرية ودون معرفة الرئيس أو خلفه. وإذا كان هذا هو الاحتمال الأرجح، فهل يظل الاتصال مع ذلك بإسرائيل – أثناء الحرب – عملاً بطولياً؟ وهل يكون بالضرورة لمصلحة مصر؟ أمر ممكن، ولكنه بعيد الاحتمال، وبعيد عن المنطق أيضاً!

وأخيراً ملاحظة عابرة ولكنها تكمل الصورة. عندما تقدم المرحوم أشرف مروان لأسرة الرئيس عبد الناصر لطلب يد ابنته قيل وقتها أنه جاء من أسرة “مستورة” وليست ثرية، وأن والده كان موظفاً بالحكومة المصرية بدرجه تقل عن وكيل وزارة. ومع ذلك يقال أن المرحوم مروان قد توفي عن ثروة تجاوز المليار دولار أو ربما إسترليني. ومن المعروف أنه على مسار التاريخ قلما كانت أعمال البطولة الوطنية مصدراً للثراء الفاحش. ولكن هناك دائماً استثناءات، فهل يكون هذا أحدها؟ الله أعلم.

الاهرام  20 يوليو 2007

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *