الجرائم الفضفاضة

ولد الإنسان حرا، ولذلك فالأصل في الأمور هو الإباحة. ولكن الحرية المطلقة غير ممكنة، وهي تقيد باحترام حقوق وحريات الآخرين. ومن هناجاءت القيود على هذه الحرية – طبقاً للقانون – ومع ذلك تظل القيود استثناء، والحرية هي الأصل.

وإذا كان القانون قد يفرض بعض القيود على ممارسة الحريات، فإن سلطته ليست مطلقة، فالقانون يظل مقيداً، بضرورة عدم العبث بجوهر هذه الحريات أو بإهدارها. القانون ينظم الحريات ولكنه لا يملك إلغائها.

ويترتب على ذلك ضرورة الوضوح الكامل في كل ما يتعلق بالقيود المفروضة على الحرية. ويصبح الأمر أكثر خطورة إذا تعلق بالتجريم وفرض العقوبات الجنائية. فالقانون لا يستطيع أن يفرض جريمة دون أن يكون تعريفها واضحاً لا لبس فيه. أما أن يجرم القانون عن أفعال هائمة غير محددة بشكل واضح فهذا يمثّل اعتداء على حريات الأفراد، ويفتح الباب للمظالم والتحكم، ويصبح مخالفاً لروح الدستور إن لم يكن لنصوصه. فإذا كان الدستور يقضي بأنه لا جريمة إلا بنص، فالمقصود أن يكون تعريف الجريمة وموضوعها واضحاً ومحدداً، لا خلاف عليه بين العامة والخاصة.

وقد لجأ عدد من الدول والنظم الشمولية إلى الخروج على هذه القواعد العامة لمبادئ الحرية، بأن جرمت أفعال فضفاضة غير واضحة المعالم، مما أصبح معه التهديد بالعقاب الجنائي سيفاً مسلطاً على رقاب البشر. وقد عرفت مصر شيئاً من ذلك عندما توسع قانون العقوبات في إدخال عدد من الجرائم غير المحددة والمعرفة بشكل واضح ودقيق. وليس هنا مجال التفصيل في هذا الشأن.

وقد قرأت في صحف اليوم أن مجلس الشعب بصدد إصدار قانون بعقاب الأفراد عن “ترويج الشائعات أو تحبيذها”، وهو أمر يمكن أن يفتح الباب لكثير من العسف على حقوق وحريات الأفراد الأساسية، وغير قليل من التحكم فيما يعتبر “شائعة” وما لا يعتبر، وما يعتبر “ترويجاً” أو “تحبيذاً”. والسؤال ما هي الشائعة؟ هل هي كل خبر كاذب يتبين عدم صدقه؟ وهل “الإشاعة” هي الخبر الكاذب في أساسه، أم يكفي “المبالغة” فيه؟ فإذا نشر خبر بأن حادثاً وقع وأن الإصابات قد جاوزت المائة، وتبين – بعد ذلك – أن الإصابات لا تتجاوز العشرة أشخاص، فهل هذه إشاعة؟ وإذا ترددت الأقاويل، بأن فلاناً قد اختلس مائة مليون جنيه ثمّ تبيّن أن حجم الاختلاس لا يتجاوز الثلاثة ملايين. فهل هذه إشاعة أم لا؟ وهل لابد أن تتعلق الإشاعات بالأمور العامة فقط أم يمكن أن تنصرف أيضاً إلى العلاقات الشخصية؟ وما هو المقصود “بالترويج”؟. هل مجرد ترديد ما سمعه أحد يعتبر ترويجاً، أم لابد من مظاهر أخرى غير مجرد الترديد؟ وأين الحد الفاصل؟ وهل ناقل الكفر بكافر؟ وهل يتطلب الأمر قصداً جنائياً بأن يعرف المروج كذب الخبر، أم أنه يعتبر مروجاً حتى لو كان حسن النية؟ وماذا عن “المحبذ”، هل إذا استمع أحد لإشاعة وظهرت على وجهه ابتسامة دون أن ينطق بكلمة، فهل يعتبر “محبّذاً” لأنه ابتسم؟

وماذا لو سمع أحد خبراً في محطة إذاعة أجنبية أو شاهده على محطة تلفزيونية فضائية أو قرأ شيئاً في صحيفة أجنبية، هل يعتبر “مروجاً” و”محبّذاً” للإشاعات إذا ردد هذا على أسماع الآخرين؟ وهل يمكن أن تعتبر ابتسامته أو تعليقه “تحبيذاً”؟. وهل على كل فرد قبل أن يتحدث مع صديق أو قريب أن يقوم بعملية استقصاء وتحقيق للتأكد من صحة الخبر قبل الحديث عنه؟

أليس صحيحاً أن معظم الحقائق ظهرت من وراء شواهد لم تكن مؤكدة ثمّ يتبيّن، بعد البحث والتحقيق، صحتها. صحيح أن العديد من الإشاعات يتبيّن بعد ذلك عدم صحتها، ولكن، أليست وسيلة التقدم الوحيدة هي “التجربة والخطأ”، أليس هذا هو طريق البحث العلمي؟ البدء بافتراض نظري ثمّ محاولة التحقق من صحته. أليس صحيحاً أن محاولات الحيلولة دون وقوع “الأخطاء”، لم تؤد في الواقع إلى منع الأخطاء بقدر ما أدت إلى إجهاض “التقدم”. أليس ما يظهر على السطح من إشاعات إنما هي دعوة للتحقق من صحة هذه المقولة والوصول في النهاية إلى الحقيقة. الإشاعة ليست نهاية المطاف إلا حيثما يتم السكوت عليها. فالرد على الإشاعات لا يكون بتكميم الأفواه وإنما ببيان بهتانها وتفنيد ادعائها.

وهل يطبق هذا القانون على أفراد الشعب وحدهم أم أن المسئولين يمكن أن يحاسبوا على أساسه أيضاً، عندما يتبين أن الكثير من البيانات المعلنة غير دقيقة تماماً؟ فماذا عن تصريحات المسئولين مثلاً، بأن مصر خالية من إنفلونزا الطيور وذلك قبل أن تتكشف الحقيقة؟ فهل يقدم المسئول للمحاكمة، رغم حسن نيته وأن ما أعلنه كان في حدود ما تتوافر له من معلومات، تبيّن فيما بعد أنها لم تكن كاملة.

وهل تساءل واضعو هذا المشروع لماذا تكثر الإشاعات في بعض البلدان دون غيرها. وهل تنتشر الإشاعات إذا كانت هناك حرية للإعلام ومساءلة جادة، فهل المشكلة هي الإشاعات أم عدم الشفافية؟

الإشاعات ليست مرضاً، وإنما المرض الحقيقي هو عدم الشفافية وعدم المساءلة. الإشاعة مجرد عرض، والعلاج يجب أن يتجه إلى جوهر المرض وليس لأعراضه.

وإذا كان ترويج الإشاعات وتحبيذها سوف يعتبر جريمة، فهل يؤدي هذا إلى إلغاء الفكاهات و”النكت” من حياة الشعب المصري، الأمر الذي مارسه هذا الشعب – على مر العصور – للتخفيف من معاناته؟ فهل يعتبر إلقاء نكتة من قبيل الإشاعات أيضاً؟ أم أن “النكت” سوف تستثنى من هذا القانون؟ وماذا عن إزجال بيرم التونسي وأحمد فؤاد نجم؟ هل هذا تراث شعبي أم جرائم إشاعات؟

وهل هناك دولة أخرى في العالم – غير عراق صدام حسين – حرمت الإشاعات وجرمتها؟

فرض العقوبات وتجريم الأفعال ليس بالأمر السهل، وإنما هي قيد على الحريات لا ينبغي الالتجاء إليه إلا في حالات الضرورة، وبقدر وميزان. تقييد الحريات أمر بالغ الجسامة لا يتم بخفة وعدم مسئولية.   والله أعلم

المصري اليوم 17 يونيو 2006

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *