الجلباب الإسلامي في الجامعة

تصلني بين الحين والآخر رسائل الكترونية متعددة، وفي إحدى هذه الرسائل، وهي مرسلة من مجموعة تعمل ضد التمييز بأشكاله المختلفة، الإشارة إلى واقعة حدثت في جامعة القاهرة (كلية الآداب؛ مدرج 202). وملخص الواقعة أنه نتيجة لتأخر أحد الأساتذة عن موعد محاضرته، تقدم أحد الطلبة وهو يرتدي ما يطلق عليه “الجلباب الإسلامي”، وهو جلباب قصير، واعتلى المنصة وبدأ في إلقاء موعظة دينية مع تلاوة آيات من القرآن الكريم. وفي خلال هذا المشهد خرجت بعض الطالبات من القاعة، فما كان من زميلهم الخطيب إلا أن عنفهن على خروجهن مع توجيه اللوم لهن لأن ملابسهن غير محتشمة ولا تتفق مع الزي الإسلامي. فردت إحدى الفتيات بأنها مسيحية وأنها تلبس ما تراه مناسباً، مما أدى إلى جدل ومشاحنة تدخل على أثرها الحرس الجامعي لفض هذه المشاحنة. ولا أدري عن أسباب الخشونة والفظاظة في التعامل مع الزملاء. “ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك” صدق الله العظيم.

وأيا ما كان الأمر، فلا أستطيع أن أجزم بصحة الواقعة أو بدقة تفاصيلها. فقد تكون صحيحة أو قد يشوبها بعض المبالغات. ولكن الذي لا شك فيه هو أن مثل هذه الظاهرة تتكرر بأشكال مختلفة في المدارس والمعاهد حيث تتعدد ـ فيما يبدو ـ أساليب الضغط المادي أو النفسي وخاصة بالنسبة للفتيات وذلك للالتزام بشكل أو آخر بما يطلق عليه الزي الإسلامي. ولا أود التعليق في هذا المقال على استخدام قاعات الدرس لغير ما خصصت له من تقديم العلم والمعارف للتلاميذ والطلبة مع درجة عالية من الثقافة الإنسانية في احترام حقوق الآخرين وحرياتهم. وكل هذه القضايا تحتاج إلى مناقشة مستقلة. ولكن ما أود التركيز عليه هنا هو ما يطلق عليه الجلباب الإسلامي، وهو ينحصر ـ بالنسبة للرجال ـ في شكل جلباب قصير لا يصل إلى أدنى القدمين وإنما يرتفع قليلاً، فهو أدنى من الركبة وأعلى من القدم. وأنا شخصياً لا أدعى أنني أعرف ماذا كان يرتدي الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا ما كان عليه ملبس المسلمين الأوائل، وسوف أكون شاكراً لو تفضل أحد العلماء بإرشادنا في هذا الشأن.

ولكن جهلي بهذه التفاصيل لا يمنعني من طرح عدد من التساؤلات التي أعتقد أنها مشروعة. فبصرف النظر عن شكل ملابس الرسول ـ عليه السلام ـ فإن سؤالي هو هل غير الرسول من شكل ملابسه بعد نزول الوحي عليه وتقبله لدين الإسلام، أم أنه استمر في ارتداء ما لديه من ملابس قبل نزول الوحي؟ وإذا كان الرسول لم يغير ملابسه بعد نزول الوحي، فهل معنى ذلك أن ملابس فترة الجاهلية قد استمرت بعد ظهور الإسلام؟ ويرتبط بهذا السؤال تساؤل آخر عما إذا كان الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ قد طلب من الصحابة وغيرهم ممن دخلوا الدين الجديد تغيير ملابسهم حتى تتفق مع عقيدتهم الجديدة، أم أنهم استمروا على ما كانوا عليه؟ وماذا فعل الرسول ـ عليه السلام ـ عندما دخل يثرب (المدينة)، هل طلب من أهلها تغيير ملابسهم؟ والسؤال هو هل كان هناك تمايز في ملابس المسلمين في مكة عن تلك التي يرتديها كفار مكة. هل كانت ملابس مختلفة تميز المسلمين عمن ظل على جاهليته؟ وماذا كان يرتدي أبو جهل مثلاً؟ هل كان يلبس “الشورت” مثلاً، في حين أن امرأته كانت تتسكع “بالبيكيني”؟

لا أريد أن أقطع، ولكني أرجح ـ وأرجو أن يصححني أهل العلم ـ أن الملبس السائد في الجزيرة العربية لم يتغير بدخول الإسلام، واستمر العربي ـ من أسلم منهم ومن لم يسلم ـ على ملبسه. فالإسلام تغيير في العقيدة وفي القيم وفي السلوك، وليس تغييراً في الملبس أو المظهر. والعقيدة في القلوب وليست في الرداء. كذلك أرجح ـ ولا أقطع ـ بأن معظم العرب كانوا يطلقون اللحية، وأتصور ـ وإن كنت غير متأكد ـ أن أبا جهل وغيره من عتاه الكفار كانوا يطلقون اللحي أيضاًَ. وهكذا فأغلب الظن أن إطلاق اللحية كما شكل الملبس لم يكن يختلف بين العرب من سكان الجزيرة في مكة أو في يثرب وفقاً لعقيدتهم. فإذا كان الطالب المشار إليه في هذه الواقعة يصر على أن الجلباب القصير هو ملبس المسلمين الأوائل، فالاحتمال كبير أن أبا جهل وربما كعب بن الأشرف ـ عدو النبي عليه السلام ـ وربما جميع أبناء بني قريظة كانوا يلبسون ملابس متشابهة. وإذا كان طالبنا ملتحيا ـ وأغلب الظن أنه كذلك ـ فليس مستبعداً أن يكون معظم الصحابة والمسلمين ملتحين أيضاً كما هو شأن معظم رجال قريش وسائر العرب يستوي في ذلك من دخل الإسلام أو من ظل على جاهليته مثل أبو جهل أو من كان نصرانياً أو قريباً منهم ومناصراً للرسول مثل ورقة بن نوفل أو كان يهودياً معادياً للرسول عليه السلام مثل كعب بن الأشرف. فلا اللحية ولا الجلباب القصير كانا قاصرين على المسلمين، وإنما هي مظاهر ثقافة عصر كانت سائدة آنذاك أخذ بها من عايشها مؤمناً كان أو كافراً.

وإذا قلنا بأن الملبس واللحية من مظاهر الإسلام وأن علينا أن نتشبه بما كان يفعله المسلمون الأوائل، فماذا عن الطعام؟ هل لا نأكل إلا مع عرفته الجزيرة العربية آنذاك من مأكولات؟ فماذا عمّا نأكله اليوم من بطاطس أو طماطم أو حتى ذرة هي نباتات عرفها العالم القديم بعد اكتشاف أمريكا أي بعدما يقرب من ألف عام على مولد الرسول عليه الصلاة والسلام. بل أن القطن نفسه كان نباتاً متوطناً في أمريكا وانتشر بعدها في بقية العالم. ولذلك فأغلب الظن أن الجلباب الذي كان يرتديه طالبنا مصنوع من القطن أو من الألياف الصناعية وبالتالي هو مصنوع من مواد غريبة عن أهل الجزيرة. فإذا أصر صاحبنا على التشبه بملابس فترة المسلمين الأوائل، فربما كان عليه أن يختار جلباباً من وبر الإبل.

ولست أشك في أن طالبنا قد ذهب بجلبابه القصير إلى محاضرته، وكانت في يده غالباً ساعة وربما في اليد الأخرى تليفون محمول، وقطعاً في جيبه قلم جاف، ومن المحتمل أنه كان ينتعل حذاء وليس خفاً. ولعله يكتب محاضراته في دفتر أو كرّاس ولا يسجلها على جلد الماعز أو صحائف زعف النخيل وهو ما كان سائداً في عصر المسلمين الأوائل. لقد أمرنا الرسول عليه السلام بالبحث عن المعرفة أينما كانت. “واطلبوا العلم ولو في الصين”. والغرض من ذلك هو أن نكتشف جديداً ومفيداً ونتجاوز ما نحن فيه. فالعلم هو البحث عن الجديد الذي لا نعرفه. وبقبول هذا الجديد وتطويعه في حياتنا نتقدم ونتطور. أما البقاء على القديم في الملبس والمأكل وأسلوب الحياة فهو نقيض طلب العلم الذي هو بحث عن المجهول وكشف أسراره.

إننا نقتفي مسلك الرسول في كيفية تفكيره، ونتعلم منه حلو الحديث وعمق الإيمان وصدق الكلمة والرحمة بالعباد. أما التشبه بملابس المسلمين الأوائل، فقد كانت على الغالب هي أيضاً ملبس معظم أهل الجزيرة وربما لا يستثنى منهم أبو جهل ولا كعب بن الأشرف. والله أعلم.

الأهرام: 15/03/2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *