الجمود عدو الاسلام

قرأت فى إحدى الصحف خبراً عن سؤال فى الإمتحان، وضعه أحد الأساتذه لطلبة الحقوق فى الجامعة المفتوحة متعلقاً بقضية ضباط الشرطة الملتحيين بالقول بأن “إطلاق اللحى ـ فضلاً عن كونه واجباً شرعياً على المسلمين من الرجال بوصفه سنة عن المصطفى، صلى الله عليه وسلم ـ فهو حق من حقوق الإنسان التى تحميها المعاهدات والمواثيق الدولية.. “. ولست فى صدد مناقشة حق الإنسان فى إختيار ملبسه أو مظهره، وحريته فى هذا الشأن. فلا شك أن مبادىء حقوق الإنسان تفترض أن يتمتع الفرد ـ كل فرد ـ بمجال خاص له حرمته دون تدخل من الآخرين أو من الدولة، طالما لا يؤذى بأفعاله هؤلاء الآخرين. ولذلك فالأصل، أن يتمتع الفرد بحريته فى إختيارالملبس وفى مظاهره الخارجية. ومع ذلك، فهناك قيود تتعلق بما قد يترتب على ممارسته لحريته من إيذاء مادى أو معنوى للآخرين. فلا يستطيع فرد أن يخرج مدججاً بالمفرقعات فى ملابسه ويهدد أرواح الآخرين بمقولة أنه حر فى أن يلبس ما يشاء أو يحمل ما يرغب فيه، فمثل هذا السلاح يمثل تهديداً لأرواح الآخرين. وبالمثل لا يليق أن يخرج أحد فى الطريق العام عارياً بالقول بأنه حر يلبس ما يشاء أو يتعرى حسبما يحب، فهناك ذوق عام يختلف بإختلاف الأزمان والأماكن. فإذا كان من المقبول أن يتجول الفرد بلباس البحر على الشواطىء والمصايف، فإنه لا يجوز ذلك فى القطارات أو وسائل النقل العام.

وبالمقابل فإنه من المقبول أن تفرض بعض القيود فى هذه المجالات وذلك فى حدود معقولة، ولتحقيق أهداف مشروعة. فأفراد الجيش ـ أثناء تأدية واجبهم ـ يلبسون ملابس مميزة حتى يسهل التعارف على بعضهم البعض خلال الإشتبكات العسكرية، فضلاً مما يوفره ذلك من شعور بالإنتماء لمؤسستهم. وبالمثل فإن رجال الشرطة والذين يفوضهم القانون بممارسة بعض السلطات على الأفراد لضبط الأمن، فإنهم يلبسون كذلك ملابس مميزة لكى يتعرف عليهم أفراد الشعب ويتقبل أوامرهم. وكذا يضع رجال القضاء وشاحاً على ملابسهم فى مجلس القضاء تأكيداً لتمثيلهم لمعنى العدالة. كذلك قد يكون فرض الملابس الخاصة، فى فترات العمل، راجعاً لأسباب نفسية مثل تأكيد الشعور بالإنتماء للمؤسسة كما يحدث فى الفرق الرياضية أو العديد من طلاب المدارس.

على أى الأحوال ليست هذه قضيتى هنا، ولكن مشكلتى الحقيقية هى مع ما ورد فى سؤال الأستاذ الممتحن عن أن إطلاق اللحى للرجال هو “واجب شرعى على المسلمين من الرجال بوصفه سنة عن المصطفى، صلى الله عليه وسلم.. ” والسؤال هو هل السنة هى فى الإقتداء بأفعال الرسول، عليه السلام، فى الشكل أم فى الجوهر؟ وهل من لا يطلق لحيته يكون مخالفاً للشرع؟ وأخيراً هل يجوز لنا أن نختصر الإسلام فى المظاهر والشكليات، أم أن العبرة هى بالمعانى والمقاصد؟

لقد عاش الرسول، عليه السلام، فى القرن السابع الميلادى فى الجزيرة العربية، وكان يعيش عصره، يأكل كما يأكل الأغلبية من الناس، ويلبس كما يلبسون، ويتنقل على بغلته أو ناقته كما يتنقلون، وكان يطلق لحيته ويضم شعر رأسه فى ضفيرة كما يفعل الآخرون. فهل كانت هذه المظاهر الخارجية سنة لرسول الله، عليه السلام، وهل إختص بها بعد نزول الوحى، أم أنها كانت من خصائص العصر الذى عاش فيه؟ وهل هذه مظاهر للإسلام أم هى مظاهر للعصر الذى ظهرت فيه؟ وهل كان هناك ما يميز فى مكة بين ملبس أو مظهر من آمن بالدعوة الإسلامية ومن كفر بها من قريش؟ هل كان أبو جهل حليق اللحية مثلاً، فى حين كان المسلمون الأوائل ملتحين؟ لقد سبق أن نشرت مقالاً منذ عدة سنوات عن “الجلباب فى الجامعة”، عندما بدأت تظهر، فى السنوات الأخيرة، ظاهرة لبس “الجلباب” فى الأماكن العامة سواء فى الجامعات أو فى بعض مكاتب الحكومة، وتندرت يومها بالقول بأن أبو جهل لم يكن يلبس “الجينز” كما أن إمراته لم تكن تتجول “بالبيكينى” وعندما هاجر الرسول عليه السلام إلى المدينة، فقد كان يهود خيبر فى غالبيتهم ملتحين، بل أن الفرق الحديثة والأكثر تشدداً من اليهود المعاصرين يعتبرون اللحية والضفيرة لشعر الرأس هى من مظاهر التدين اليهودى.

وما دعانى اليوم للكتابة من جديد فى هذا الموضوع، أنه فى المرة الأولى عندما كتبت عن “الجلباب فى الجامعة” كان الأمر يتعلق بسلوك طلاب فى مقتبل العمر، ربما دعتهم الرغبة فى التشبه بالرسول، عليه السلام، إلى المبالغة فى إتباعه فى الشكل والمظهر أيضاً، تعبيراً عن الحب والرغبة فى الإقتداء به فى كل شىء. ولكن أن تجىء هذه الدعوة من أستاذ فى الجامعة، يجزم فيها بأن اللحية “واجب شرعى” ويضع حولها سؤالاً لطلبة كلية الحقوق، فإنه لأمر يستحق التوقف، وإعادة النظر. لقد كان الإسلام دعوة إلى التقدم وخروجاً على الماضى. فالإسلام هو فى جوهره “ثورة”. وهو ثورة فى القيم وليس فى المظاهر، هو نظرة إلى “المستقبل” وليس إنكفاء على “الماضى”،  وهو تغيير لما فى القلوب وليس تعديلاً فى المظهر أو الملبس.

إذا كان من المستحب الإمتثال بحياة الرسول، عليه السلام، ومحاولة التشبه به، فهل يكفى أن نتوقف على المظاهر الخارجية من ملبس أو مسكن؟ هل نزداد قرباً إلى الله تعالى إذا عدنا للعيش فى الخيام أو فى بيوت من الطوب اللبنى؟ وهل نرفض السيارة والتليفون؟ أم أن علينا أن نقتفى سلوك الرسول، عليه السلام، فى الإصرار على الحق، والعفو عند المقدرة، والحلم مع الحزم؟ ما أسهل إتباع المظاهر، وما أصعب التمسك بالقيم والحكمة.

لقد جاء الإسلام قطيعة مع الماضى وإنفتح على المستقبل بقلب وعقل سليم، تحريراً للنفوس غير مستلهم سوى قوة الإيمان ورجاحة العقل. ولذلك فإن الإسلام لم يعرف مفهوم الكنيسة أو رجال الدين، فعلاقة الفرد مباشرة بالرب دون واسطة، وقد منحه الله العقل والكتاب، لكى يعقلها وفق مقاصد الإسلام الرئيسية، وهى مقاصد تقوم على القيم والمعانى وليس على الطقوس والمظاهر. فالإسلام هو دين العقل. “إعقلها وتوكل”.

عندما إزدهرت الحضارات الإسلامية منذ العصر الأموى، وخصوصاً مع بدايات العصر العباسى ثم فى الأندلس،  فإن ذلك بنى على إتساع الأفق والبحث عن الحقيقة أينما كانت وعدم الإنكفاء على النفس. فإستفادت الخلافة الأموية بما ورثته عن التنظيم وأصول الحكم من بقايا الحكم الرومانى فى الشام ومصر، كذلك إنفتحت الخلافة فى العصر العباسى، وخاصة فى عصر المأمون، على مختلف الحضارات مما شجع على ترجمة أمهات الكتب فى الطب والرياضة والفلك أخذاً من الحضارات الإغريقية والفارسية والهندية. وليس إحتفاء ديننا الحنيف بالعلم والعقل إلا إستجابة لدعوة الإسلام لترجيح العقل والعلم. فما أكثر الآيات التى تدعو المسلمين إلى العقل، “أفلا تعقلون”.

وحديث العقل والعلم، هو حديث الرقى والتقدم والتسامح أيضاً. وكل من العلم والعقل هو إبن التطور حيث أن إكتساب الخبرات يكون بالتجربة والممارسة والتعديل والتغيير فى سلوك الإنسان وفقاً للظروف المستجدة. فالإنسان يتعلم من تجاربه، ويزداد كل يوم خبرة بمزيد من المعرفة بما لم يكن معروفاً عند الأقدمين. فالتجديد دائماً مطلوب، والجمود على القديم هو وصفه للتراجع والتخلف. ويجب أن يكون تفسيرنا للنصوص فى ضوء الحكمة والمقاصد العليا، وإن جاوز المعنى الحرفى، فاللفظ إشارة إلى معنى وحكمة. فمثلاً عندما يقول القرآن فى محكم أحكامه “أعدوا لهم ما إستطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم”، فإن المقصود هو الإعداد الحربى المعاصر من تسليح بالدبابات والطائرات والصواريخ والغواصات والترتيبات الإلكترونية والمخابراتية.. وغيرها من أدوات الحرب الحديثة. أما الوقوف عند المعنى اللفظى “لرباط الخيل” أو الرماح والنبال والسيوف والتى كانت مستخدمة فى عصر الرسول، عليه السلام، فهو من قبيل السخف غير المقبول.

الشكلية جمود وتخلف، وقد جاء الإسلام دعوة تحريرية وثورية، وينبغى أن يبقى كذلك. فالعصور تتغير، ووسائل الحرب تتبدل، وظروف الحياة تتطور، ولكن المبادىء والمعنى السامية تظل ثابتة، وإن تغيرت وسائلها. والإسلام هو دين مبادىء ومعانٍ وقيم، أما المظاهر من ملبس او لحى أو شوارب فإنها عادات وأذواق تتغير مع تغير العصور. فليس بالملبس أو المظهر يتقدم الإسلام، وإنما فقط بالعلم والعقل والقيم السليمة. والله أعلم.

 الاهرام 25 فبراير 2013

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *