الحرب ضد العراق والمأزق العربي

 

 

أعود إلى الكتابة بعد إجازة حاولت فيها الإبتعاد – قدر الإمكان – عن الأحداث، ولكن هيهات! الأحداث تشير من كل جانب إلى أن الوضع العربي في مأزق. وهو مأزق بالغ الصعوبة، يرجع من جانب غير قليل منه إلى قصور وأخطاء من ناحيتنا، ولكنه ينطوي في نفس الوقت على ظلم وعدوان علينا من الآخرين. فنحن ضحية بقدر ما نحن مذنبون. نحن مذنبون في حق أنفسنا. كما أننا ضحايا ظلم وغطرسة الآخرين.

 

أشرت في آخر مقال لي في هذا المكان، إلى تقرير التنمية الإنسانية العربية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وكيف كشف الغطاء – وبأقلام عربية – عن مدى تردي الأوضاع في عالمنا العربي، سواء في النقص والقصور في الحريات العامة أو في مدى ضعف مشاركة المرأة في الحياة العامة أو في مدى التخلف في ميدان المعرفة والتكنولوجيا. وفي تقرير نُشر منذ أيام في جنيف عن العالم العربي، تقرير التنافسية لعام 2002-2003 الصادر عن منتدى الإقتصاد العالمي، أشار إلى أن متوسط الدخل الفردي في الوطن العربي في هذه السنة قد إنخفض عما كان عليه عام 1980. فالعالم يتقدم، ونظل نحن مكانك سر، بل ونتراجع أحياناً. ومن هنا فشلنا، وهو فشل لا نستطيع أن نُلقي باللوم فيه على الآخرين – رغم أننا لم نكف يوماً عن التهرب من المسؤولية وإلقاء التبعة فيه على الغير. لقد تحقق الإستقلال الوطني لمعظم دولنا العربية خلال نصف القرن السابق، وتوفرت للمنطقة ثروة نزلت من السماء – أموال النفط – فماذا فعلنا؟ لا زالت مستويات التنمية البشرية متدنية، وما زال الفقر متربعاً في بقاع واسعة من وطننا العربي. ويشعر الإنسان بالأسى عندما يتذكر أن ما كان يتردد في بداية القرن الماضي من شعارات للقضاء على “الفقر والجهل والمرض” ما زالت قائمة بنفس القوة، ولم نتقدم خطوة واحدة إلى المستقبل. في وقت ظهرت دول جديدة وفرضت نفسها على خريطة العالم، ولم يكن لها وجوداً على هذه الخريطة في ذلك الوقت. فعندما قامت الثورة المصرية قبل العشرينات من القرن الماضي مطالبة بالإستقلال والدستور، كانت الهند مجرد مستعمرة بريطاينة والصين نائمة بين صراعات داخلية وإدمان للأفيون وأمية طاغية. وكانت باقي دول المنطقة تنطوي تحت إسم الهند الصينية أو جزر الملايو. وانظر الآن إلى الصين، وهي ليست فقط قوة نووية بل هي نواة لعملاق اقتصادي، وتسعى الهند، وقد إنضمت هي الأخرى إلى النادي النووي، لكي تصبح قوة إقتصادية يُقتدى بها. وظهرت في الأُفق أسماء كوريا وتيوان وماليزيا وهونج كونج وسنغافورة. وهي أسماء لم يكن لها وجود على الخريطة السياسية للعالم وأُطلق عليها منذ عقد السبعينات أو الثمانينات ألقاب الدول الصناعية الجديدة أو النمور الإقتصادية. وما زالت الأمة العربية على ما هي عليه. والنجاح الوحيد الذي حققته هو الزيادة السكانية، هذا إذا كانت هذه الزيادة نجاحاً وليست وبالاً. وقد حققت في نفس الوقت ما اعتقدنا أنه نجاح آخر، وهو استقلالها الوطني، وأصبح لها جيوش وأعلام وأناشيد وطنية ورؤساء وملوك وطنيون. ومع هذا الإستقلال الوطني تحققت أكبر النكسات. فازدادت المديونية، وتراجعت الحريات، وازداد عدد الفقراء. هذه جريمتنا في حق أنفسنا. هذا عن الشق الأول للمأزق العربي.

 

ولكن المصيبة لم تقف عند هذا الحد. فكأنما لم يكفي ما فعلناه بأنفسنا حتى نقع ضحية لعدوان ظالم من الخارج. المنطقة العربية في مجموعها محاصرة. فليس هناك الآن على الساحة العالميـة من حديث – فيما يبدو – إلا أمران، الإرهاب العربي أو الإسلامي من ناحية والعراق ونظام صدام حسين من ناحية أخرى. والإرهاب وقتل المدنيين سياسة لها تاريخ طويل ولم يكن ابن الأمس القريب. فالحركات الفوضوية قامت منذ القرن التاسع عشر وهي تدعو إليه. وعرفت روسيا القيصرية قبل الثورة البلشفية نماذج له، وقامت الحرب العالمية الأولى عندما قتل ولي عهد النمسا على يد متعصب صربي. وبعد الحرب العالمية الثانية كانت أشهر مظاهر الإرهاب في ايرلنده مع الجيش الجمهوري، وفي أمريكا اللاتينية في جواتيمالا وكولومبيا والأرجنتين وتشيلي، وفي إسبانيا مع الباسك، وفي يوغسلافيا في البوسنة وفي البانيا في كوسوفو، وفي سيرلانكا مع التاميل، والقائمة طويلة جداً. ولكن بعد 11 سبتمبر بدا كما لو كان الإرهاب وقتل المدنيين لأغراض سياسية هو إختراع عربي أو إسلامي. ورغم أن عداء بن لادن الأول هو تجاه العائلة الحاكمة في السعودية، فقد استقر في الأذهان أن الإسلام دين للتعصب يتضمّن دعوة للعنف، وأن الإرهاب وثيق الصلة به. وفي هذا الجو المتوتر خرجت حكومة جورج بوش بضرورة القضاء على نظام الحكم في العراق، لأنه يسعى إلى امتلاك أسلحة الدمار الشامل ويهدد بالتالي استقرار المنطقة بل والعالم.

 

ويرى كثير من المحللين أن التهديد بالحرب على العراق يهدف إلى أمور أبعد من مجرد حظر امتلاك أسلحة الدمار الشامل، وأن هذه مجرد تكئة لتبرير إحتلال العراق والتدخل العسكري في الشرق العربي. هناك من يشم رائحة البترول وراء هذه الدعوة. فهناك قلق في الولايات المتحدة تجاه مستقبل الطاقة، والإدارة الأمريكية تعمل على البحث عن مصادر مضمونة من الطاقة، وخاصة من الطاقة المتجددة. وفي سبيل مواجهة ما يمكن أن يخبؤه المستقبل في هذه القضية، فإن الولايات المتحدة تريد أن تدعم موقفها من مصادر البترول في الشرق الأوسط، وتضعف من الدور المركزي للمملكة العربية السعودية بإقامة حكومة موالية في العراق مع زيادة الإنتاج العراقي وتطويره. ويذهب البعض إلى أن زيادة النفوذ الأمريكي قد تتطلب ليس فقط احتلال العراق وإقامة حكم موال، بل قد تذهب إلى حد تقسيم العراق، وبالتالي التعامل مع دويلات صغيرة غير قادرة على الوقوف أمام النفوذ الأمريكي. وتذهب آراء أخرى إلى أنه إذا كان من الصحيح أن أسلحة الدمار الشامل مجرد غطاء لأهداف أخرى بعيدة، فهذه ليست البترول بقدر ما هي إيجاد موطىء قدم للوجود الأمريكي في المنطقة وتغيير الثقافة السياسية السائدة. فهناك إتجاه فكري في الولايات المتحدة يرى أن الإرهاب ليس بالضبط وليد الثقافة السياسية والإسلامية بشكل عام بقدر ما هو وليد النموذج القائم للحكم في معظم الدول العربية. فنظم الحكم غير الديمقراطية وأساليب تعليم الإسلام تدعو – في نظر هذا الإتجاه – إلى تدعيم مظاهر التعصب والكراهية للغير. ولذلك فإن إجتساس جذور الإرهاب يكون بتغيير النُظم السياسية القائمة وتعديل نُظم التعليم ونشر الثقافة العامة المعاصرة. ومن الممكن أن تكون العراق هي نقطة البداية، وبحيث يقام نظام موال، ويُعتمد بعد ذلك، كنموذج ليتم تعميمه على مختلف دول المنطقة. وربما كان هذا الإتجاه هو الدافع وراء الحملة المنظمة أخيراً في الولايات المتحدة الأمريكية ضد المملكة العربية السعودية، وإلى حد ما ضد مصر. وإلى جانب هذه الإتجاهات وتلك، فإن أنصار إسرائيل ومن اليمين المسيحي الجديد، يندفعون في تأجيج نار الدعوة إلى الحرب ضد العراق . فهناك خوف من اسرائيل – وهو خوف حقيقي – من احتمالات نجاح العراق أو ايران في وقت ما، في المستقبل، من امتلاك أسلحة الدمار الشامل. وهكذا فإن الحرب ضد العراق قد تكون بداية لمسلسل حروب ضد أعداء إسرائيل، في المستقبل القريب أو البعيد. وربما تجد إسرائيل في حرب جديدة مع العراق ما يُبعد الأنظار عن أوضاع الضفة الغربية وغزة في فلسطين، وبالتالي، يؤجل أو حتى يلغى حاجة اسرائيل لإتخاذ قرارات صعبة “بالتنازلات” عندما تحل لحظة الحقيقة لوضع حد للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي.

 

وقد لا يكون أياً من هذه التحليلات صحيحاً بالكامل، بل لعلها تتكامل كلها في نفس الوقت، فالصحيح قد يكون أن كلاً من هذه التفسيرات يمثل جزءاً من الأسباب الدفينة وراء الدعوة للحرب على العراق. وفي إطار تبرير الدعوة إلى الحرب في العراق أمام الشعوب الغربية، فإنها تغلف بحملة مركزة ترسم خلفية عامة عن المنطقة، تعطي صورة مظلمة عن الأوضاع فيها. فهي منطقة تحكم بأشكال قمعية لا تحترم حقوق الإنسان فيها، وهي تستند إلى نظم لم تنجح في تحقيق التنمية الإقتصادية أو الإجتماعية لأبنائها، فما زال معظم أفراد المنطقة يعيشون في ظروف بائسة، والأفكار السائدة بينهم تستند إلى التعصب والدعوة إلى إستخدام العنف وكراهية الغير. وهكذا تغلف الحملة إلى الحرب- وأياً كانت أسبابها البعيدة – وراء دعوة إنسانية لتخليص أبناء المنطقة من أوضاعهم السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية المتردية. هذه هي الصورة، كما تبدو، للمواطن الأمريكي أو حتى الغربي بشكل عام.

 

هذا هو الوضع العربي، أزمة في الداخل وتهديد من الخارج، حصار بين المطرقة والسندان. فالوضع العربي متأزم في الداخل نتيجة أخطاء مزمنة وفشل خلال ما يقرب من نصف قرن في تحقيق النجاح في جوانبه الإقتصادية والإجتماعية، بعد الإستقلال الوطني. وعلى الناحية الأخرى تهديد بالحرب من أغنى الدول لإحتلال جزء غال وعنصر رئيسي من الجسم العربي لإدعاءات واهية ولأسباب بعيدة تنال من المستقبل العربي. وهكذا يعيش الوطن العربي أزمة مزدوجة، فشل في الداخل وعدوان من الخارج أو تهديد به. وهو تهديد يحمل كل أسباب القلق والإنزعاج. فماذا نفعل؟

 

لا بأس من الحديث عن الشرعية الدولية، أو التنديد بالتدخل الأجنبي في النُظم الداخلية للشعوب. لا بأس من محاولة دحض أدلة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل أو حتى رغبتها في ذلك. لا بأس من قبول عودة المفتشين من الأمم المتحدة بشروط مقبولة. ولكن هل يغير ذلك شيئاً كثيراً من تصميم الإدارة الأمريكية على شن العدوان على العراق، للأسباب التي أشرنا إليها أو لغيرها من الأسباب، لا يبدو أن ذلك سيكون فعالاً أو مؤثراً.

 

لقد بلغت الولايات المتحدة بعد إنتهاء الحرب الباردة وزوال الإتحاد السوفييتي درجة من الهيمنة السياسية والعسكرية والإعلامية ما لم تعرفه قوة سابقة ربما منذ الدولة الرومانية. ويغلب على الإدارة الأمريكية، وقطاع يعتد به من الرأي العام الأمريكي، درجة من الغرور والغطرسة بما يجعل النقاش بالحجة والمنطق غير مفيد. وهل تصلح الحجة القوية أو المقنعة في تثبيط اندفاع ثور هائج؟ أمر مشكوك فيه. فحتى المعارضة الأوروبية أو الروسية أو من الصين أو من العالم الإسلامي، فهي معارضة لفظية لن تجاوز في أحسن الأحوال، عدم المشاركة في العدوان، ولكنها تقصر، حتماً، عن التصدي أو المواجهة لإيقاف هذا الإندفاع. الرأي العام الأمريكي هو الوحيد الذي يمكن أن يوقف العدوان. وأهمية المعارضة الأوروبية أو الروسية أو الإسلامية هي بالقدر الذي تؤثر فيه على الرأي العام الأمريكي. ودون ذلك سوف تظل هذه التنديدات مجرد حروب لفظية تحدث أصواتاً وغضباً “Sound and Furry“، ولكن لا شيء بعد ذلك.

 

فهل انغلقت الأبواب؟ كلا. لم تنغلق تماماً. نستطيع نحن العرب إذا قدمّنا موقفنا على نحو مقنع أن نغير من اتجاه الرأي العام العالمي والأمريكي. لا يكفي أن نندد بالعدوان أو التهديد بالعدوان على العراق أو على أي بقعة من الأرض العربية، هذا ضروري، ولكنه غير كاف. لا بد أن نقدم موقفاً للعالم يفيد بأننا ندرك حجم المشكلة وأبعادها المختلفة. أننا نقاوم الظلم الواقع علينا ونقف ضده، ولكننا نعترف بأخطائنا وأوجه القصور في بيتنا الداخلي، وندرك أن هناك حاجة للعمل على الجبهتين معاً. إيقاف الظلم الخارجي، والقيام بالإصلاح الداخلي.

 

إذا كنا نتحدث عن نظام عربي، فيجب أن نكون قادرين على تقديم حلول مقنعة للعالم ومنصفة لحقوقنا ومصالح شعوبنا. إذا كان الإعتداء على نظام العراق هو انتهاك لحرمة الوطن العربي في مجموعه وبالتالي يجب الوقوف ضده بحسم وقوة، فإننا نعترف، في نفس الوقت، بأن النظام العربي لم ينجح خلال نصف قرن في توفير التنمية أو تحقيق العدالة أو صيانة الحرية. وبوجه خاص فإن نظام صدام حسين لم يكن مثالاً للأنظمة السليمة القادرة على حماية مصالح شعبها واحترام جيرانها وحسن استخدام مواردها. ومن هنا فلا يكفي التنديد بالعدوان بل يجب أن يصاحب ذلك الدعوة إلى إجراء إصلاحات داخلية في النظام العراقي وأن تتكفل الدول العربية بالضغط على النظام العراقي لإجراء مثل هذه الإصلاحات. ولن يكون لدعوة الدول العربية للإصلاح في العراق من مصداقية ما لم تقم هذه الدول نفسها ببداية الإصلاح الداخلي فيها أيضاً. ويجب أن تكون الدعوة العربية صادقة ومخلصة في جانبي المأزق، الوقوف ضد الإعتداء على العراق من ناحية، وفي ضرورة إجراء إصلاحات في النظام الداخلي العراقي والعربي بشكل عام من ناحية أخرى. لن تتحقق مصداقية النظام العربي إلا بتحمله المسؤولية في التنديد بالعدوان بالقدر الذي نعترف به بأخطائنا ورغبتنا وقدرتنا على العمل على الإصلاح الداخلي. المأزق العربي الجديد يضع مصداقية النظام العربي على المحك. فهل ينجح. الله أعلم.

 

الأهرام: 15.9.2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *