الحرية شرط للعدالة

لعل أخطر القضايا التي واجهت البشرية في تطورها الطويل يتعلق بفكرتي العدالة (المساواة) والحرية، والعلاقة بينهما. وكنت قد نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 26 يونيو 1973 مقالاً بعنوان “في الحرية والمساواة”، وقد استعرت نفس العنوان لكتاب لي صدر عن دار الشروق في عام 1985.

وكان موضوع ذلك المقال هو التأكيد على أنه “لايكفي القول بأن الحرية والمساواة هما دعامة أي مجتمع راق ومتمدين، بل لابد من اتخاذ موقف محدد من كل منهما. حقاً إن الحرية تضيع في مجتمع اللامساواة والفروق الطبقية، كما أن المساواة لاتتحقق في مجتمعات الكبت والعبودية. ولكن ليس معنى ذلك أن الحرية هي المساواة أو أن المساواة هي الحرية”، بل هناك من الأحوال التي يثور فيها شبه تعارض بين الحرية والمساواة. و”الرأي عندي هو أنه مع الاعتراف بأن الحرية والمساواة معاً هما أعمدة أي نظام سياسي ناجح، إلا أن الحرية هي الأساس وينبغي أن يكون لها دائماً الأسبقية”. وكانت الحجة الأساسية لهذا الموقف تستند إلى التجارب التاريخية المتحققة في هذا المضمار والتي تجعل من الحرية أساس العدالة والمساواة. “فنظرة منصفة على النظم السياسية المختلفة تقطع بأن الدول التي قامت على مبدأ الحرية ودعت إليها لم تنجح فقط في توفير قدر كبير من الحرية ـ كل شيء نسبي طبعاً ـ ولكنها وفرت أيضاً مكاسب ضخمة على طريق المساواة. وعلى العكس من ذلك فإن النظم السياسية التي قامت أساساً على مبدأ المساواة، قد فشلت جميعاً ـ تقريباً ـ في تحقيق الحرية ولم تنجح في كثير من الأحوال في تحقيق المساواة”. وهكذا فقد كان الغرض من ذلك المقال التأكيد على ضرورتهما معاً، مع إعطاء الأولوية دائماً للحرية، فهي أيضاً السبيل إلى العدالة والأساس لوجودها.

والسبب في العودة إلى موضوع سبق أن تناولته منذ أكثر من ثلث قرن، هو صدور كتاب حديث عن “فكرة العدالة” (2009)، The Idea of Justice ، للاقتصادي الهندي أمارتيا سن A. Sen الحائز على جائزة نوبل، وهو كتاب يناقش قضية العدالة وبوجه خاص “نظرية العدالة” والتي قدمها المفكر والفيلسوف الأمريكي جون راولز J. Rawls في كتابه الشهير بهذا العنوان والصادر في 1971، حيث أصبح العمدة في تحديد مفهوم “العدالة” في معظم الأوساط الأكاديمية منذ الربع الأخير من القرن العشرين. وعندما نشرت مقالي سالف الذكر” في الحرية والمساواة”، لم أكن ـ آنذاك ـ على علم بهذا الكتاب الهام.

والآن، وبمناسبة قراءتي لمؤلف سن الجديد عن “فكرة العدالة”، ومناقشته لنظرية راولز
ـ وبصرف النظر عما بين الكاتبين من خلافات في المنهج ـ تأكد لي من جديد سلامة الموقف الذي اتخذته منذ نيف وثلاثين عاماً، في أن “الحرية” هي الأساس، وأنه لا قيام للعدالة بدون حرية، وأن مقولة “المستعبد العادل” هي وهم وتناقض.

 ولنبدأ بعرض أفكار راولز عن العدالة والتي أطلق عليها وصف “العدالة كإنصاف” Justice as fairness. فجوهر “العدالة” عنده هو الإنصاف، أي المعاملة المتساوية لجميع الأطراف بلا تمييز أو تحيز. ومن هنا ارتباط مفهوم العدالة بفكرة المساواة. فالعدالة هي، في نهاية الأمر، المساواة في المعاملة عند تساوي الشروط والظروف. والسؤال عند راولز هو كيف نحقق هذه “العدالة”؟ وهو يرى أن نقطة البدء هي ضرورة البحث عن تعريف “للمجتمع العادل”. فما هو هذا المجتمع؟

 يأخذ راولز ينفس المنهج الذي اتبعه العديد من المفكرين والفلاسفة السابقين، وذلك بتعريف هذا “المجتمع العادل” عن طريق البحث عن نوع من “العقد الاجتماعي” بين الإفراد لتحديد شكل المجتمع العادل. تماماً كما فعل هوبز ولوك وروسو من قبله. فمفهوم “المجتمع العادل” ـ عندهم ـ ينشأ كنتيجة لاتفاق أفراد المجتمع من خلال نوع من “العقد الاجتماعي” لتحديد خصائص هذا المجتمع العادل وهكذا يتم تعريف مفهوم “العدالة”. ويضع راولز عدداً من الشروط لضمان تحقيق هذا التوافق التعاقدي على مفهوم “العدالة” في “الإنصاف”. ولضمان “عدم الانحياز” لدى المتعاقدين ـ وبالتالي لتحقيق الإنصاف ـ يفترض راولز أن هذا “العقد الاجتماعي” يتم في لحظة للبراءة يطلق عليها “الوضع المبدئي” Original position، وحيث لايعرف الأفراد مستقبلهم ولا وضعهم في المجتمع، فهم لايعرفون إن كانوا سيكونون أغنياء أو فقراء، أصحاء أو مرضى، وهو ما أطلق عليه “ستار أو حجاب الجهل” Veil of ignorance. وهكذا يشارك الأفراد في “العقد الاجتماعي” في لحظة ليس لأحد مصالح خاصة واضحة يقصد حمايتها، وبذلك يناقشون شكل المجتمع المثالي في براءة كاملة نتيجة لهذا “الستار من الجهل” بأوضاعهم الفعلية في المجتمع، وبالتالي يأتي اتفاقهم مجرداً عن أي مصلحة أو انحياز. ويعتقد راولز أنه من السهل أن يتم التوافق على شكل “المجتمع العادل” بين هؤلاء الأفراد المجردين من المصالح الخاصة والتحيزات. وهو يرى أن هذا التوافق يتم على عدة مراحل، حيث يتم التوافق أولاً على “المبادئ” الأساسية “للمجتمع العادل”، وفي المرحلة الثانية يتم الاتفاق على “المؤسسات” التي تباشر نشاطها في ضوء هذه “المبادئ”. ومن هنا تتضح أهمية المرحلة الأولى التي تحدد “مبادئ المجتمع العادل” عند راولز. وهو يرى أن هذه المبادئ تتبلور حول مبدأين أساسيين:

المبدأ الأول  (أولوية الحرية)، ومقتضاه الاعتراف بالحقوق المتساوية لجميع الأفراد فيما يتعلق بالحريات العامة. والمبدأ الثاني (مبدأ الاختلاف)، وهو يتعلق بقبول بعض الفروق في الحقوق والمزايا الاقتصادية والاجتماعية في إطار قيدين، الأول أنه لايجوز التمييز في الفرص العامة بحيث ينبغي أن تتاح للجميع بلا تمييز، والقيد الثاني هو أن قبول التمييز في الحقوق والمزايا لابد أن يكون ضمن حدود من شأنها أن تؤدي إلى تحسين أوضاع المجتمع في مجموعه من حيث التقدم الاقتصادي والاجتماعي. وبعد أن حدد راولز هذين المبدأين الأساسين للعدالة، فإن انتقل بعد ذلك إلى اختيار المؤسسات التشريعية والقضائية اللازمة لضمان احترام هذين المبدأين في إطار من الديمقراطية في اختيار ممثلي الشعب في المجالس التشريعية ومع استقلال القضاء، وبما يؤكد مبدأ حكم المؤسسات وسيادة القانون.

وليس هنا مناط التفصيل في نظرية راولز عن “العدالة”، ولكن ما أردت أن التأكيد عليه هو أن المبدأ الأول في تعريفه للعدالة هو أولوية “الحرية”. فالحرية هي الخطوة الأولى والضرورية لمجتمعات العدالة. ولكن الحديث عن الحرية، وخاصة الحريات العامة والسياسية وحدها لايكفي بل لابد وأن تستكمل بإجراءات مكملة ليس فقط لضمان المساواة في الفرص أو المساواة أمام القانون، بل ـ على الأقل ـ لضمان توزيع المزايا الاقتصادية والاجتماعية على نحو يوفر للجميع، وخاصة المحرومين، الحدود الكافية للعيش الكريم مع إتاحة الفرص الكاملة للمجتمع للتقدم الاقتصادي والاجتماعي.

وجاء كتاب سن الأخير عن “فكرة العدالة”، متضمناً نقداً جوهرياً لمنهج راولز بالبحث عن “نموذج مثالي” Transcendental للمجتمع العادل، حيث يرى ـ على العكس ـ أن الأكثر واقعية هو البحث “المقارن” بين المجتمعات. فالمشكلة الحقيقية التي نواجهها في الواقع هي “الظلم” وبالتالي الحاجة إلى معرفة كيفية القضاء عليه أو التخفيف منه. فالطريق إلى تحقيق مجتمع “العدالة” يبدأ بالبحث في مظاهر “الظلم”. ومن هنا يرى سن أن تحقيق “العدالة” يتطلب التمعن في الظروف والأوضاع الفعلية للمجتمعات، واكتشاف ما تتضمنه من مظاهر “للظلم”، وبحث كيفية العمل على إزالة أو تخفيف هذه المظالم. وللظلم مظاهر متعددة وكثيرة ومتنوعة. ورغم أن سن ناقش في كتابه العديد من هذه القضايا، فقد احتل موضوع “الحرية” موضعاً مركزياً عنده في تحديد مفهومه للعدالة. فعند سن ـ كما عند راولزـ يمثل توفير الحريات العامة والسياسية للأفراد الخطوة الأولى والأساسية لتحقيق “العدالة”. فهذه الحريات هي تحقيق للمساواة بين الأفراد فيما يتعلق “بإنسانيتهم”، وبالتالي ضرورة تمتعهم بحقوقهم وحرياتهم العامة والسياسية على قدم المساواة وبلا تمييز، فليس للحكام على المحكومين بأكثر مما يفوضونهم فيه وتحت رقابتهم. فالاعتراف بحريات الأفراد واحترامها هو تطبيق لمبدأ المساواة (العدالة) في معاملة الأفراد باعتبارهم سواسية في الإنسانية. ويؤكد سن من ناحية أخرى أن ما يحتاجه الأفراد ليس مجرد توافر “الموارد” تحت إيديهم، وإنما تمتعهم “بالقدرات” capabilities المناسبة لحسن استخدام الموارد المتاحة لهم. ويخلص سن من تحليله إلى القول بأن “الاقتراب من العدالة لايتحقق إلا بالديمقراطية”، أي “بالحكم من خلال الحوار”.

وهكذا يتضح أن سن يبتعد عن منهج روالز “المثالي” في تحديد “المجتمع العادل”، ويرجح “المنهج المقارن” للمجتمعات الواقعية على نحو ما أخذ به آدم سميث وكوندورسيه وماركس وستيوارت ميل، وذلك بالتركيز على مظاهر “الظلم” في المجتمعات المختلفة ومحاولة استئصالها. ويؤكد سن أن التعرف على مظاهر الظلم تتوقف على “القيم” السائدة، و”المصالح” الغالبة فضلاً عن “العادات” المتأصلة في مختلف المجتمعات. وهو يستند في صدد التعرف على أوضاع العدل والظلم إلى فكرة آدم سميث عن “المراقب غير المتحيز” Impartial spectator. فلدى كل فرد ـ وفي داخله ـ نوع من”المراقب غير المتحيز”، أو الضمير، الذي يساعده على الحكم السليم على الأشياء. وهكذا يظهر في كل وقت نوع من الاتفاق العام حول ما هو “عادل” وما هو “ظالم”. وفي ضوء ذلك يمكن مقاومة الظلم والأخذ بمزيد من العدالة دون حاجة إلى البحث عن تعريف مجرد “للمجتمع العادل”.

يبدو مما تقدم أن المفكرين المعاصرين في تناولهم لقضية “العدالة”، وسواء أكانوا من أنصار التفكير “المثالي” كما عند راولز، أو كانوا من أنصار المنهج “التاريخي المقارن” كما مع سن، فإنهم يتفقون على أنه لاعدالة بدون حرية. وإذا كان فقهاء المسلمين يتفقون على أن “العدل أساس الملك”، فالطريق إلى العدل يبدأ بتوفير الحريات العامة. فالحرية شرط ضروري، وإن لم يكن كافياً، لتحقيق العدالة. وفي هذه الأيام وحيث يدور جدل سياسي حول الإصلاح السياسي في مصر، فإن نقطة البدء هي الحريات العامة والسياسية. فهذه هي نقطة البداية للإصلاح. والله أعلم.

الشروق:  23 نوفمبر 2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *