الحقائق المرة في أيدي الأعداء

 

من الأمثلة الشعبية المشهورة “إمشي دوغري يحتار عدوك”، وهي نصيحة غالبة. فالعدو يحتاج إلى اكتشاف المثالب والنقائص لكي ينفذ منها ويؤذيك. والأعداء أنواع. فهناك نوع ساذج، وهو الذي يثير حولك الأكاذيب ويفتري عليك بالباطل وبالإشاعات غير الصحيحة. وهذا النوع من الأعداء قليل الخطر نسبياً، إذ أنه ما يلبث أن يفقد مصداقيته عندما تظهر الحقائق وتتضح أكاذيبه وافتراءاته. ولكن هناك نوعاً آخراً من الأعداء أشد خطورة، فهو لا يطلق أكاذيب باطلة وإنما يتصيد أخطاء حقيقية ويبرزها لتعبئة الأجواء والتحريض ضدك. ولمثل هذا النوع الخطير من الأعداء يتوجه المثل الشعبي السابق، وهو أن الرد القوي والحاسم ضد هذا النوع من الأعداء هو إصلاح الأخطاء وتجنب الانحرافات، أي “المشي دوغري”. فهذا هو أقوى سلاح في مواجهة الأعداء. على أن هناك نوعاً ثالثاً من الأعداء أشد خطورة من الجميع، رغم أنه قد يكون عدواً بلا قصد. وهذا هو المنافق المصفق لكل شيء، فكل شيء جميل وليست هناك أخطاء أصلاً وإنما كلها انتصارات. وخطورة هذا النوع الأخير من العداوة غير المقصودة هو أنه رغم انتفاء نية الإيذاء لديه، فإنه بفعله قد يؤذي بشكل أكبر من أخطر الأعداء، فهو يساعد على إعطاء الانطباع بأن كل شيء على ما يرام وبذلك تستمر الأخطاء دون تصحيح.

وفي مقال حديث للمؤرخ البريطاني برنارد لويس عن “العالم العربي في القرن الحادي والعشرين” نشر في مجلة الفورين أفيرز (مارس ـ أبريل 2009) نجد نموذجاً حياً للنوع الثاني من الأعداء الذين لا ينشرون كذباً فاضحاً ولكنهم يقدمون حقائق مرة، تدس كالسم في الدسم. وبرنارد لويس أحد أشهر علماء الاستشراق الغربي، وهو يهودي بريطاني بدأ تعليمه في المدارس الدينية اليهودية قبل أن ينتقل إلى التعليم المدني ويتخصص في الدراسات التاريخية المشرقية إلى أن حصل على الدكتوراة من جامعة لندن ثم تابع دراسته في جامعة باريس تحت إشراف أحد كبار المستشرقين (ماسينيوه). وهو يجيد ستة أو سبعة لغات شرقية وغربية، تشمل العربية والعبرانية والفارسية والتركية وغير قليل من اللاتينية والإغريقية بالإضافة إلى عدد من اللغات الأوربية الحديثة. وقد عمل في أثناء الحرب العالمية الثانية بالجيش والمخابرات البريطانية ثم انتقل بعد ذلك إلى العمل الأكاديمي أستاذاً للدراسات الشرقية في الجامعات البريطانية قبل أن يستقر في الجامعات الأمريكية (برنستون).

ولا يمكن اعتبار لويس صديقاً أو حليفاً للعرب، وهو أقرب إلى العداوة ولكنه أيضاً ليس بالعدو خفيف الوزن الذي يتورط في الأكاذيب الصغيرة أو الروايات الملفقة، وإنما هو خصم من العيار الثقيل يطلق نيراناً حقيقية. فهو يرجع إلى إمهات الكتب والمراجع ويستند في كتاباته عادةً إلى حقائق موثقة، ولكنها حقائق مرّة وأيضاً انتقائية، وهو يستخدمها بأكبر قدر من المهارة وغالباً مع سوء النية. ولا ننسى أن لويس قد عمل طويلاً مع المخابرات البريطانية ـ وغالباً مع المخابرات الأمريكية أيضاً  ـ وله تأثير بالغ عليهما، ومن هنا فإن نجاحه يعتمد على مصداقيته. ولذلك فهو لا يلجأ إلى الأكاذيب الفجة وإنما يستند ـ عادةً ـ إلى حقائق وغالباً حقائق مرة، ومختارة بمهارة، ويقدمها للرأي العام والمسئولين الغربيين مما يساعد على تشكيل الصورة العامة للعربي لديهم، وهي للأسف صورة غير مريحة. فما يقوله لويس ليس أكاذيب بل هي حقائق، أو بالأدق هي نصف حقائق، فهي ليست كل الحقائق بل هي منتقاة بعناية لإعطاء الانطباع الذي يريده، ولا بأس من تسريب بعض التفاصيل غير الدقيقة ـ من حين لآخر حول هذه الحقائق. وهذا النوع من الكتّاب لا يمكن الاستهانة به. فهو نوع من المفكرين على درجة كبيرة من العلم، واسع الاطلاع متنوع الثقافة، وهو يجمع بين معرفة الشرق وثقافة الغرب مع الرجوع إلى المصادر الأولية كما أنه يحرص على عدم الوقوع في الأخطاء الواضحة، وعادةّ تتمتع كتاباته بمصداقية كبيرة في معظم الأوساط الغربية، ومن هنا خطورته. وموطن الخطر يتركز فيما يتركه من انطباع عام بأكثر مما يرد من ملاحظات محددة.

فماذا يقول لويس في مقاله الأخير؟

يبدأ لويس مقاله بإعطاء خلفية تاريخية عن العالم العربي مشيراً إلى أنه كان خاضعاً لما يقرب من قرنين للنفوذ الغربي وقبلها لما يقرب من ثلاثة قرون للدولة العثمانية. وبعد منتصف القرن العشرين نالت معظم الدول العربية استقلالها وذلك في زمن الحرب البادرة، فانقسمت هذه الدول بين موال للمعسكر الغربي وصديق للمعسكر الاشتراكي. وفي صدد القضية الفلسطينية يؤكد أن العرب والفلسطينيين ما زالو يرفضون قيام “الدولة اليهودية” رغم اعتمادها من كل من عصبة الأمم وهيئة الأمم المتحدة (لاحظ هنا أنه يدس “عصبة الأمم” في الموضوع رغم أنها لم تصدر في هذا الصدد قراراً أو توصية باستثناء ما ورد في ديباجة قرار الانتداب البريطاني لفلسطين من إشارة لوعد بلفور وحيث كانت الإشارة إلى “وطن” وليس دولة يهودية). كذلك يشير إلى مبادرة السادات للسلام التي جاءت في نظره لأن السادات قدّر أن الخطر السوفيتي أكبر على مصر من الخطر الإسرائيلي. (لاحظ أنه لا يريد أن يعترف بأن حاكماً عربياً (السادات) كان يرغب حقاً في السلام،فالمسألة عنده هي الخوف من الاتحاد السوفيتي وليست رغبة صادقة في السلام. فالرغبة الصادقة في السلام، في نظر الكاتب، هي وقف على دولة إسرائيل وحدها!).

ثم ينتقل بعد ذلك إلى التعرض للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي، مشيراً إلى أن مصدر الثروة الرئيسية في المنطقة هو النفط، ولكنه يرى أن النفط يخلق من المشاكل بقدر ما يوفر من المنافع. فالنفط ـ عنده ـ يحول دون تنمية اقتصادية حقيقية للاقتصاديات العربية. وهي فكرة يشاركه فيها عدد غير قليل من الاقتصاديين العرب أنفسهم. كذلك يستعير لويس بعض المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية مما هو منشور في تقارير التنمية الإنسانية العربية (لاحظ هنا الاستناد إلى وثائق عربية). فمجموع الناتج الإجمالي للدول العربية في عام 1999 هو حوالي 530 بليون دولار أي أقل من إنتاج اسبانيا. والصادرات غير النفطية للدول العربية (وعدد سكانها يتجاوز 300 مليون نسمة) يقل عن صادرات فنلندا (ذات الخمسة ملايين نسمة). وعدد الكتب المنشورة بالعربية في الدول العربية يقل عن خُمس الكتب المنشورة باليونانية في اليونان. وبالنسبة للتقدم العلمي فإن عدد براءات الاختراع العربية المقيدة في الولايات المتحدة بين عامي 1980- 2000 لا يتجاوز 171 للسعودية و 77 لمصر، 52 للكويت، 20 لسوريا في حين أنها بلغت بالنسبة لإسرائيل في نفس الفترة 7652. وعندما نشرت الصين في عام 2003 قائمة أحسن خمسمائة جامعة في العالم، لم يرد اسم جامعة عربية واحدة ضمن هذه القائمة. ولم يرد الكاتب، تأكيداً لموضوعيته، أن يقتصر على ذكر السلبيات للعالم العربي، فيذكر بمناسبة تأخر وضع المرأة في المنطقة العربية أن هناك تقدماً لأوضاع المرأة العربية في كل من تونس والعراق.

وأخيراً وبصدد نظرته لمستقبل العالم العربي، يؤكد لويس أن المنطقة العربية وقد استعارت خلال القرن العشرين مفاهيم “القومية” و”الاشتراكية” من العالم الخارجي، فأن الأمرين أصبحا في تراجع واضح وفقدا الكثير من وقد جاذبيتهما في المنطقة العربية. وهو يرى أن نظم الحكم العربية المعاصرة تتراوح بين نظم تقوم على “الولاء” وأخرى تعتمد على “الخضوع”، فلا حرية للرأي ولامشاركة شعبية حقيقية. فالملكيات التقليدية في المغرب أو الخليج تستند إلى ولاء الرعايا، في حين أن معظم الحكومات العربية الأخرى تستخدم الأساليب الدكتاتورية في إخضاع شعوبها. ولكنه رغم هذا يعترف بأن هناك بوادر للديمقراطية من القوى المعارضة ولكن أغلبها له مواقف معادية للغرب. وهو بذلك يعطي صورة سلبية للحاضر السياسي للعرب ويثير مخاوف الغرب من قوى الديمقراطية البازغة!

هذا هو ملخص مقالة برنارد لويس، وهي تعطي صورة قاتمة عن العالم العربي. وسوء النية بها لا يمكن إنكاره، ومع ذلك فإنها ليست كاذبة تماماً. ورغم أن هناك بعض التسريبات غير الدقيقة ـ وإن كانت مقصودة فإن معظم ما ورد فيها من معلومات غير كاذب.  وخطورة هذا النوع من المقالات هو أنها تقدم العديد من الحقائق المرّة التي ليست كذباً محضاً، وإن كانت انتقائية تختار ما يسيء إلى الوطن العربي وتتجاهل ما يمكن أن يحسن من صورته. فهو بذلك يقدم صورة غير كاذبة عن الواقع العربي، ولكنها ملغومة بالإيحاءات السلبية.

ولكن ماذا تنتظر من الأقلام المعادية؟ وهل وظيفة هذه الأقلام أن تحسن صورتنا؟ وما هي مسئوليتنا نحن، أليس في بعض ما يقوله الأعداء من حقائق. هل ينكر أحد أن نظم التعليم عندنا في تراجع في حين تتقدم دول أخرى؟ وهل هناك من شك في أن حالة البحث العلمي والتكنولوجي مؤسفة في بلادنا؟ هل ينكر أحد أن نظمنا السياسية مازالت بعيدة عن تحقيق تطلعات الشعوب؟

فماذا نفعل؟

هل نلعن الأعداء؟ هل هذا يكفي؟ ألا يدعونا ذلك إلى التنبه، وأن نحبط قصد أعدائنا بأن نستفيد من هذه الانتقادات ونراجع أنفسنا، وأن نأخذ بالمثل الشعبي المشار إليه على محل الجد، وهو أن “نمشي دوغري”. فهنا فقط يحتار الأعداء ويضربون أخماس في أسداس. أما التجاهل والسكوت، ومجرد لعنة الأعداء ونواياهم البائسة، فلن يصلح الأحوال. إننا نترك التربة خصبة لكل الأعداء من ذوي النيات السيئة. والله أعلم.

الأهرام : 29/03/2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *