الخدمة العامة خارج السلطة

 

الخدمة العامة من خارج السلطة

 

طيرت الأخبار أن آل جور نائب الرئيس الأمريكي السابق قد وقع عقداً مع إحدى كبريات شركات رأس المال المخاطر”Venture Capital” في كاليفورنيا لتأسيس صندوق بعدة بلايين من الدولارات من أجل الاستثمار في مجالات الطاقة النظيفة و الطاقة المتجددة حمايةً للبيئة. ويتضمن هذا الخبر ثلاث أمور، كل منها يثير الاهتمام. الأمر الأول هو أن صاحب الخبر هو نائب رئيس الجمهورية السابق ومرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة الأمريكية والذي لم يفز لملابسات شكلية وقضائية شابت التصويب. وأما الأمر الثاني فهو أن الموضوع يتعلق بالبيئة و ضرورة التحوط لأحد أخطر التحديات أمام البشرية وهو خطر نفاد مصادر الطاقة  الإحفورية. وأخيرا فإن الوسيلة المستخدمة في هذا الصدد هي الالتجاء إلى شكل من أشكال الاستثمار المعروف “برأس المال المخاطر”. والأمور الثلاثة تستحق التوقف عندها. ولنتناول كل منها بكلمة قصيرة.

 

أما عن النقطة الأولى وهي استمرار رجل سياسي سابق في العمل العام، فأمر يستحق الإشادة به. فبصرف النظر عن صعوبة، أو ربما استحالة ، وجود رئيس أو نائب رئيس سابق في حياتنا العامة، فإن الذي يدعو إلى الإعجاب في كثير من الدول الديمقراطية هو أن رجل السياسة يجد مكانا له للخدمة العامة في السلطة كما في خارج السلطة. وهو يستطيع أن يبرز ويتفوق ويحقق ذاته بعيداً عن السلطة كما كان في داخلها أو على رأسها. ولعل من الأمثلة الحديثة إلى جانب آل جور، نموذج كارتر في أمريكا أو مانديلا في جنوب إفريقيا. فالرجلان حققا، وهما خارج السلطة، من التأثير والنفوذ الأدبي ما لا يقل عما حققاه وهما على رأس السلطة، ويأتي آل جور كمثال آخر لا يقل أهمية أو إثارة.

 

وليس هناك من شك فيما أصاب آل جور من خيبة أمل، حيث فَقَدَ رئاسة الجمهورية لأسباب إجرائية وفنية رغم أنه حصل، فعلاً، على غالبية أصوات الناخبين في انتخابات 2000. وربما لم يكن أحد مؤهلاً منذ نشأته لمثل هذا المنصب مثله. فهو سياسي ولد في عائلة سياسية، فدخل الكونجرس ثم مجلس الشيوخ وكان منافساً في الترشيح عن الحزب الديمقراطي لرئاسة الجمهورية 1988، وقد اختاره كلينتون نائباً له خلال رئاسته. وكان أبوه-بدوره- نائبا بالكونجرس ثم عضواً لمجلس الشيوخ الأمريكي. وكان آل جور قد التحق بجامعة هارفارد، وبعد بداية مترددة، حصل على درجته العلمية بمرتبة الشرف. وهو أيضاً لم يتخلف-كمنافسه في انتخابات الرئاسة- عن الخدمة في حرب فيتنام. ولذلك فإننا نستطيع أن نتخيل مدى ما أصابه من خيبة أمل عندما حرم من تولي الرئاسة، في موقع كان يعتقد، وربما بحق، أنه يستحقه. فماذا فعل؟ لم يختف تماماً من الساحة وينزوي في ظلام المرارة والحقد، بل اخترع لنفسه مجالا كان قد أبدى فيه اهتماماً أثناء شغله لمنصب نائب رئيس الجمهورية، وهو مجال حماية البيئة. وكان آل جور من أكثر السياسيين إدراكا لخطورة ما تتعرض له الكرة الأرضية من مخاطر نتيجة للتلوث والاستخدام غير المسئول لمنتجات الحضارة الصناعية. فكان أحد المدافعين عن هذه القضية، كما كان وراء إبرام معاهدة كيتو Kyoto لحماية البيئية، والتي رفض بوش التصديق عليها. وبعد أن تقبل، في كبرياء، خسارته في انتخابات الرئاسة، كرَّس جهوده لقضية البيئة. وكان أن حصل على جائزة نوبل للسلام لدفاعه عن البيئة هذا العام 2007.

 

وإذا كان نجاح آل جور في أن يكتسب موقعاً مؤثراً في الخدمة العامة للإنسانية بعد أن ترك أضواء السلطة، أمراً يستحق الإشادة، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الفضل لا يرجع فقط إلى أمثال هؤلاء الأفراد وإنما إلى النظام السياسي الذي يعيشون فيه والذي لا ينبذ السياسيين القدامى بمجرد تركهم لمناصبهم كما نفعل في حياتنا اليومية مع ثيابنا أو أحذيتنا القديمة. هذه أنظمة تحترم الفرد لذاته ولا تقدس السلطة. وقد استطاع آل جور أن يجد لنفسه مكاناً مرموقاً بعد أن ترك موقعه من السلطة.

 

وإذا كان نجاح آل جور كسياسي سابق في مجال الخدمة بعيداً عن السلطة يستحق الإعجاب، فإن موضوع نجاحه-وهو حماية البيئة- قد لا يقل أهمية أو خطورة. فهذا الموضوع، وسواء ما تعلق به من تلوث أو إهدار للبيئة أو استنفاد لموارد الطبيعة غير المتجددة هو الموضوع الأكثر حيوية بالنسبة لمستقبل البشرية. ومع ذلك فإن هذا الموضوع  لم يلق ما يستحقه من اهتمام لسبب بسيط وغريب في نفس الوقت، هو أنه يكاد يكون الموضوع الوحيد الذي يصدق عليه مفهوم “المصلحة العامة”. فالمستفيد من حماية البيئة هو جميع أفراد البشرية بلا استثناء، وسواء تعلق الأمر بالأجيال الحاضرة أو الأجيال المستقبلية. وربما يكون السبب في هذا الإهمال-وهذا مصدر الغرابة-أن الموضوع يخدم البشرية في مجموعها، ولذلك فإن أحداً لا يتحمس للدفاع عنه أو قبول التضحية من أجله، لأن أحداٌ لا يحقق من ورائه كسباً خاصاً أو مصلحة خاصة. فكل فرد، يتساءل لماذا أتحمل أنا هذه المسئولية وليس الآخرون؟ وهكذا تسقط حماية البيئة من الحساب ليس لعدم أهميتها وإنما، وللغرابة، لأهميتها العظمى للجميع.

وهذه هي مفارقة ما يعرف في الاقتصاد بالسلع العامة” Public Goods ، وهي تلك السلع والخدمات التي تفيد الجميع، ولكنها كأي سلعة أو خدمة يتطلب توفيرها تحمل تكلفة في سبيل أدائها، وهنا لا أحد يتقدم لتحمل هذه التكلفة. فما دام “الجميع” سوف يستفيدون منها، فليتقدم هذا “الجميع” للقيام بالمهمة. ولكن تعبير “الجميع” تعبير مجازي، لا وجود له في الواقع. فكل فرد ينتظر أن يقوم غيره بالمسئولية. ولا شيء يحدث. ولعل وجود هذه السلع والخدمات العامة هو الأساس في نشأة “الدولة”. فمبرر قيام الدولة هو أن توفر، على مستوى الوطن، هذه الخدمات والسلع العامة للمواطنين بما تملكه من سلطة. والدولة مسئولة عن توفير السلع والخدمات العامة  داخل حدودها الوطنية، أما حماية البيئة فهو هم عالمي يهم العالم في مجموعه. ولكن “العالم” لا وجود محسوس له بمعنى أن لا أحد يملك الحديث باسم  هذا “العالم”. ومن هنا تخلت الدول عن تحمل هذه المسئولية العالمية. وجاءت معاهدة كيتو لمعالجة هذا القصور، وإعطاء تصور للمسئولية العالمية عنها.

 

ولم يقتصر آل جور-فيما يبدو- على الدعوة والتبشير لقضية البيئة، بل أنه اتجه إلى اتخاذ خطوات تنفيذية فعالة من أجل إيجاد حلول لهذه المشكلة الخطيرة بأسلوب يتفق مع منطق النظام الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو العمل على تعبئة رأس المال المخاطر لهذا الغرض. وهذه هي النقطة الثالثة التي تستحق الإشارة إليها بكلمة مختصرة.

 

لم يكن كارل ماركس ساذجاً عندما اعتبر أن التطور التكنولوجي هو العنصر الرئيسي في تطور المجتمعات. وقد قامت الثورة الصناعية، منذ منتصف القرن الثامن عشر، نتيجة لتوافر مناخ مناسب لعدد من الاختراعات التي أمكن تطبيقها في عدد من مجالات الإنتاج الصناعي. ومع ذلك، فقد كانت تلك الاختراعات بسيطة نسبياً ولا تتطلب روؤس أموال ضخمة.وعلى العكس من ذلك جاءت التطورات التكنولوجية المعاصرة وأحدثت طفرة هائلة في العلم من ناحية، وفي الاحتياجات التمويلية للتطبيقات الصناعية للاكتشافات العلمية من ناحية أخرى. ومن هنا فإن استمرار التطور التكنولوجي يتطلب تركيز مراكز البحوث العلمية وتعميق التخصصات الدقيقة، فضلاً عن ضرورة توفير تمويل كاف للعديد من الأفكار الجديدة والتي تحتاج إلى اختبارات تطبيقية. ومع كثرة الأفكار العلمية الصالحة لتطبيقات صناعية واعدة، فقد زادت المخاطر بإمكانية نجاح هذه التطبيقات. هناك حقا ً فرص صناعية كبيرة، ولكنها غير مضمونة. فكيف نوفر التمويل لمثل هذه الفرص ؟ لا تصلح البنوك العادية- التي تتعامل مع المخاطر المعروفة- لتمويل هذه الاحتياجات، فهذا النوع من المخاطر غير مألوف على العمل المصرفي ولا يمكن الاعتماد فيه على تجارب الماضي. ولذلك قامت أشكال جديدة من مؤسسات التمويل والتي عرفت “برأس المال المخاطر”، والذي يستثمر في قاعدة واسعة من الأفكار العلمية الجديدة والمبتكرة، مع قبول تحمل مخاطر خسائر في عدد كبير منها  إذا كان يعوضها نجاح أكبر لواحدة أو أكثر من هذه الأفكار. فيكفي نجاح أمثال مايكروسوفت أو جوجل لتبرير الاستثمار في آلاف المشروعات الأخرى. فالفكرة تقوم هنا على نوع من نظرية “التأمين”، التي تسمح بتقليل المخاطر من خلال التعامل مع الأعداد الكبيرة. وقد نشأت هذه المؤسسات المالية في أمريكاً على أطراف المراكز العلمية المتقدمة في الجامعات ومراكز البحوث، ومن هنا جاء تركزها في بوسطن وفي كاليفورنيا. وكانت كاليفورنيا-وبوجه خاص- فيما عرف “بوادي السيليكون”، هي المولد الحقيقي لرأس المال المخاطر وللصناعات المرتبطة بالمعلومات والاتصالات. ويسعى أل جور من خلال شركته الجديدة للاستثمار في تطوير مصادر جديدة للطاقة النظيفة والمتجددة.

 

وبهذه المناسبة، فلعل من أكثر الدول حاجة إلى الطاقة-في المستقبل- هي الدول العربية. فالمنطقة العربية وهي تحفل حالياً بمصادر كبيرة للنفط والغاز إلا أن عمرهما محدود، والأكثر خطورة هو نقص المياه بها. المنطقة العربية تتميز بشح شديد في المياه مع وفرة “موقوتة” من الطاقة، وربما لن تجد خلاصها إلا في تطوير مصادر جديدة من الطاقة النظيفة والمتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية. والمفروض أن تخصص الأموال- وبكثرة- لتطوير هذه المصادر الجديدة  . أما بالنسبة لمصر، فإن الأمر يبدو أكثر إلحاحا، حيث أن مصادرنا من النفط والغاز بالغة المحدودية. ومع ذلك فإننا لا نبالي ونتوسع في تصدير الغاز الطبيعي، رغم أنه معرَّض للنفاد خلال عقدين أو ثلاثة. أما الطاقة النووية-فهي ورغم أهميتها- ليست ميسرة ولا رخيصة وربما سوف تواجه بمقاومة دولية.

وبعد، فهذه قصة رجل سياسة تخلت عنه السلطة، ولكنه لم يتخل عن الخدمة العامة.

 

وهكذا يتقدم رجال السياسة-في السلطة أو خارجها- لمواجهة مشاكل بلدانهم وخدمة المصلحة العامة.

فهل نتعلم؟ الله أعلم. 

 الأهرام 25 نوفمبر 2007

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *