الخصصة: بين الشفافية والمشروعية

إذ أتناول اليوم بعض الملاحظات حول الخصصة فأجد من الضروري التأكيد – منذ البداية – بأنني من أنصار اقتصاد السوق. وقد كنت – ولم أزل – من أشد المدافعين عن هذا النظام الاقتصادي مع ضرورة استكماله بالشق السياسي في الأخذ بالديمقراطية الكاملة. فمنذ ما يقرب من ثلاثة عقود وأنا أدعو إلى اقتصاد السوق في مختلف المنابر بما فيها مقالات نشرت في هذه الجريدة الغراء، وذلك في وقت كانت السياسة الرسمية المعلنة هي أنه “لا مساس ولا تصفية للقطاع العام”. ولذلك فإن ملاحظاتي لا تنبع من موقف أيديولوجي معارض بقدر ما هي تعبير عن موقف مؤيد للسياق العام وإن كان حريصاً على أن تتم الأمور وفقاً للضوابط والشروط المناسبة حتى لا تفسد توجهات سليمة بتطبيقات متسرعة أو غير ناضجة.

ولعله من المفيد التنويه هنا بأن التحول إلى اقتصاد السوق ليس تنازلاً من الدولة عن حقوقها في توجيه الاقتصاد وتطويره وتنميته كما أنه ليس إضعافاً لسلطة الدولة على الاقتصاد، بل لعل المقصود هو العكس تماماً وذلك بالعمل على زيادة كفاءة الدولة وفاعليتها. فالتوسع الكبير في نشاط الدولة لم يؤد إلا إلى ترهلها وضياع فاعليتها وتدهور هيبتها وظهور قصورها وعجزها. وفقدت الدولة بالتالي مسئوليتها الرئيسية في توجيه الاقتصاد نتيجة بعثرة جهودها على الإدارة اليومية لمختلف المشروعات مما أغرقها في تفاصيل العمل اليومي وتناست بالتالي مسئوليتها في النظرة الاستراتيجية والرقابة الفعالة على النشاط الاقتصادي. ومن هنا فإن الأخذ بالخصصة وترك أمور الإنتاج – بشكل عام وإن لم يكن بشكل مطلق – للقطاع الخاص هو استعادة للدور الرئيسي للدولة باعتبارها “سلطة” عليا تضع القوانين وترسم السياسات وتضع الشروط والضوابط وتتحقق من سلامة تنفيذها. فالخصصة – والحال كذلك – هي إعادة الأمور إلى نصابها وتحرير للدولة – بشكل عام – من مسئوليات الإنتاج والاستثمار اليومية وتركها لمن هم أقدر على متابعتها وبالتالي تتفرغ هي لمسئولياتها العليا في السياسات والرقابة والإشراف. ولكن الخصصة ليست عقيدة دينية،. بقدر ما هي توجه سياسي عام، كذلك فإن الخصصة ليست صيغة واحدة معروفة ولكنها أساليب متعددة.

فإذا كان من الصحيح أنه من الأفضل ترك قرارات الإنتاج والاستثمار للسوق والقطاع الخاص، فإنه من الصحيح أيضاً أن هذه ليست حقائق مطلقة فهناك أحوال يكون تدخل الدولة المباشر أكثر كفاءة وفاعلية بل أنه يكون في أحوال أخرى ضرورياً لا غنى عنه. ففي حالات الاحتكار مثلاً، فإن تدخل الدولة بشكل أو آخر أو حتى الأخذ بنوع من الاحتكار العام هو أفضل مائة مرة من الاحتكار الخاص. فليس هناك ما هو أسوأ من الاحتكار الخاص. وحتى إذا تركنا أحوال الاحتكار، فليس صحيحاً دائماً أن الإدارة الخاصة أفضل دائماً من الإدارة العامة، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك. فقد عمدت إنجلترا – مثلاً إلى خصصة السكك الحديدية، وكانت النتيجة تراجع كفاءة الخدمة، هذا في الوقت الذي مازالت السكك الحديدية الفرنسية تدار من قبل القطاع العام وحيث تتميز إدارتها في فرنسا ليس فقط بارتفاع معدلات أدائها بل أنها تعتبر نموذجاً للكفاءة الاقتصادية على المستوى الأوروبي. وإلى جانب ما تقدم فإنه من المتفق عليه أنه حيث يتعلق الأمر بالسلع والخدمات العامة فمازال للدولة الدور الأكبر. وترى بعض الدول أن هناك مجالات استراتيجية وحساسة يطلق عليها أحياناً المرتفعات الحاكمة Commanding Hights التي يصعب التفريط فيها وتركها كلية للقطاع الخاص أو التخلي عنها لغير المواطنين.

وهكذا يتضح أن قبول “مبدأ” الخصصة ليس صكاً بلا شروط أو تصريحاً مفتوحاً بالبيع لكل شيء مملوك للدولة. فهناك مجالات قد لا يكون من المناسب خصصتها، وهو أيضاً أمر خاضع للتطور فما هو غير جائز خصصته اليوم قد يكون من المناسب خصصته غداً أو بعد غد. وإلى جانب تحديد مجال ما يجوز وما لا يجوز خصصته، هناك مشكلة أخرى لا تقل أهمية وهي أسلوب الخصصة وتوقيته. فالخصصة ليست أسلوباً واحداً محدداً ومعروفاً، بل هناك أساليب متعددة، ولكل منها مزاياه وعيوبه. فقد تتم الخصصة عن طريق تحويل الملكية إلى القطاع الخاص، ولكنها يمكن أن تتم عن طريق الاحتفاظ بالملكية العامة مع ترك الإدارة للقطاع الخاص كما يحدث في أساليب منح “الالتزام” قديماً أو ما يعرف حالياً باسم BOT. وبالنسبة لنقل الملكية، هناك البيع عن طريق طرح الأسهم للاكتتاب العام، كما أن هناك البيع عن طريق تقديم العروض من مستثمر أو مجموعة من المستثمرين. وهناك بيع المؤسسة كشخصية قانونية لها أصول وعليها التزامات، وهناك بيع الأصول وحدها. وتتعدد الأساليب، ولكل منها خصائصه وآثاره التي تختلف بين أسلوب وآخر. كذلك هناك قضية “التوقيت” ليس فقط من حيث متى تتم العملية وإنما أيضاً من حيث مدى الإعلان عنها مسبقاً حتى يتهيأ المستثمرون لمعرفة الفرص المتاحة والاستعداد لها.

وهكذا نجدد أننا بصدد قضايا متعددة وكل منها يثير العديد من الاعتبارات، وبالتالي تتأثر به المصالح. والذي يهم في كل هذا، هو أن هذه القضايا ليست مسائل فنية يمكن أن تترك للخبراء والتكنوقراط لدراستها في الغرف المغلقة، وإنما هي أمور لها أبعاد سياسية تفيد منا مصالح وتضار مصالح أخرى. ولذا فإن برامج الخصصة يجب أن تعالج بأكبر قدر من العناية ومع مراعاة اعتبارات المصلحة العامة. وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا مع مراعاة عدد من الاعتبارات أخص منها بالذكر هناك أمرين؛ الشفافية والمشروعية. فأما الشفافية، فالمقصود بها هو توفير معلومات كاملة ليس فقط عن المشروعات التي سيتم خصصتها وإنما أيضاً كامل البيانات عن المعايير المستخدمة وراء هذا الاختيار وأسباب تفضيل أسلوب عن آخر، وأن يتم ذلك في شكل برنامج متكامل وليس مجرد بيانات متفرقة. وبالنسبة للمشروعية، فإننا نتحدث عن تصرف في أموال مفروض أنها مملوكة للشعب فيجب بالتالي أن يحصل برنامج الخصصة على قبول تأييد من ممثلي الشعب على نحو واضح.

وبعد هذا الاستعراض العام نعود إلى الأوضاع السائدة في مصر حالياً عن موضوع الخصصة. فبعد تردد طويل قبلت الحكومة المصرية في بداية التسعينات برنامج الإصلاح الاقتصادي المقدم من صندوق النقد الدولي في أثر حرب الخليج الثانية ومع الوعد بشطب نصف الديون العامة إذا طبقت مصر برنامج الصندوق المالي. وقامت حكومة عاطف صدقي آنذاك بتنفيذ المرحلة الأولى من البرنامج والتي انطوت بشكل رئيسي على الإصلاح المالي والنقدي. وأصدرت الحكومة في ذلك الوقت قانون قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة1991 تمهيداً للخصصة. وجاءت حكومة الجنزوري وتباطأت في تنفيذ مرحلة الإصلاح الهيكلي وخاصة فيما يتعلق بالخصصة، ومع حكومة عاطف عبيد تسارع إلى حد ما الأخذ بالخصصة وإن لم يكن بالدرجة المتوقعة من مؤسسات التمويل الدولية. وأخيراً يبدو أن حكومة الدكتور نظيف أكثر تصميماً على المضي قدماً وبسرعة في تنفيذ برنامج الخصصة.

ولعل الملاحظة الأولى هي أنه بالرغم من تعدد التصريحات الوزارية عن الخصصة، فإن الحكومة لم تنشر برنامجاً متكاملاً عن برنامجها للخصصة للسنوات الثلاث أو الخمس القادمة، بحيث يتضمن المشروعات المراد خصصتها، والأسلوب الذي سوف يتبع في هذه الخصصة، والمعايير التي دعت إلى اختيار أسلوب دون أساليب أخرى، وتوقيتات هذه الأمور، وبما يسمح برؤية متكاملة لفلسفة الحكومة في هذا الصدد. هذا عن الشفافية. أما بالنسبة للمشروعية، فيبدو أن الحكومة اعتماداً على أن قانون قطاع الأعمال العام يضع ملكية شركات القطاع في أيدي الشركات القابضة، فإن الحكومة تكتفي بالحصول على موافقة الجمعيات العمومية لهذه الشركات على قرارات الخصصة. وقد يكون هذا الإجراء سليماً من الناحية القانونية الشكلية. ولكن لا ينبغي أن ننسى أن القول بملكية الشركات القابضة للقطاع العام إنما هو مجرد “مجاز قانوني”. فالمالك الحقيقي للقطاع العام هو الشعب. والشعب لا صلة له بالشركات القابضة، وهي كيانات ليس لها أي صفة تمثيلية وحيث يعين أعضاؤها بقرارات وزارية. فالحكومة تحصل – من خلال هذه الشركات – على موافقة موظفيها الذين عينتهم. وليس هذا هو المقصود بالمشروعية. وتلجأ معظم الدول الديمقراطية إلى الحصول على موافقة البرلمان على برنامج تفصيلي للخصصة.

وحتى لا نضيع في مناقشات عامة ومجردة، فقد يكون من المفيد أن نتناول حالات محددة يمكن أن تثير عدداً من القضايا الهامة.

فقد صرح عدد من الوزراء وكبار المسئولين بأن الحكومة بصدد خصصة بنوك القطاع العام، بدءاً ببنك الإسكندرية خلال الشهور الستة القادمة ثم تتوالى بقية البنوك الأخرى. وقد بدأت إجراءات دمج بنك القاهرة في بنك مصر في إطار هذا البرنامج. وكان قد تم بيع بنك مصر الدولي قبل ذلك بأسابيع قليلة لبنك أجنبي (سوسيتيه جنرال). وبطبيعة الأحوال فإن هذه الأجراءات سوف تعرض على الجمعيات العمومية لهذه البنوك للحصول على موافقتها وكذا على موافقة البنك المركزي لهذه الإجراءات. ولكن هل يكفي ذلك؟ ألا يحتاج الأمر إلى مناقشة أوسع ربما في البرلمان؟ هناك أسئلة مشروعة تحتاج إلى إجابات. فهل يباع بنك الإسكندرية كما بيع بنك مصر الدولي. وماذا إذا جاء أفضل عرض – كما هو متوقع – من بنك أجنبي؟ وهل هناك تصور لوضع النظام المصرفي المصري بعد إتمام عمليات الخصصة في القطاع المصرفي؟ هل من المقبول أن تصبح جميع البنوك الكبيرة العاملة في مصر بنوكاً أجنبية؟ وهل البنوك من قبيل المرتفعات الحاكمة في الاقتصاد والتي لا يترك الأمر فيها تماماً للسوق؟ طبعاً لا مانع من وجود منافسة من بنوك أجنبية عاملة في مصر، ولكن هل يقبل أيضاً بعدم وجود بنوك مصرية أصلاً؟ وهل يمكن أن تتكرر في المستقبل التجربة التي مر بها بنك مصر في الأربعينات من القرن الماضي، عندما واجه هذا البنك أزمة سيولة، ورفض آنذاك البنك الأهلي – المملوك للأجانب في ذلك الوقت والذي كان يقوم بأعمال البنك المركزي– مساعدة بنك مصر مما اضطر الحكومة المصرية إلى التدخل لإنقاذ بنك مصر. وهذا تساؤل لا ينم عن أي تطرف أو تعصب وطني. فمنذ أسابيع قليلة قامت أزمة وزارية في إيطاليا اضطر معها وزير الاقتصاد الإيطالي إلى الاستقالة، وذلك لأن محافظ البنك المركزي الإيطالي عرقل بيع أحد البنوك الإيطالية الصغيرة لبنك أجنبي (بنك هولندي، وهولندا عضو في الاتحاد الأوروبي). وهذا يجرنا إلى أسلوب الخصصة؟ فهل تتم بعرض أسهم على الجمهور أو بتلقي عروض للشراء في منافسة مفتوحة أو مقيدة؟ من الواضح أن اختيار أسلوب الخصصة له تأثير كبير على نوعية المشتري. فمع طرح الأسهم للاكتتاب هناك احتمال كبير أن تظل معظم الأسهم مع المصريين، في حين أن أسلوب عروض الشراء يفتح الباب واسعاً لغلبة العنصر الأجنبي. ثم ما هو توقيت عمليات البيع؟ إذا تقاربت مواعيد البيع ومع محدودية الإمكانيات المالية للمواطنين، فإن ذلك يعني مزيداً من الفرص للمستثمرين الأجانب! والسؤال هل هذا هو أفضل مجال لجذب الاستثمارات الأجنبية أم الأفضل تشجيعهم على الاستثمارات الصناعية؟ هناك عشرات الأسئلة الهامة والتي تتطلب توضيحاً كاملاً من الحكومة.

لست أشك أن الحكومة قد عرضت برنامجها للخصصة على مؤسسات التمويل الدولية وحصلت على مباركتها. ولكن أليس من المطلوب أيضاً عرض هذا الأمر بتفاصيله على مجلس الشعب وفتح باب المناقشة حوله والحصول على تأييده ومباركته؟ إذا كانت المصداقية الدولية هامة فإن المشروعية الوطنية لا تقل أهمية إن لم تزد.  والله أعلم

الأهرام 30 اكتوبر 2005

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *