الخطوط الحمراء

 

العلاقات الإنسانية، سواء بين الأفراد أو حتى بين الدول، تحكمها ضوابط متعددة بعضها ظاهر ومعترف به، والكثير منها ضمني ومفهوم وإن لم يكن أقل فاعلية أو احترام. وكثيراً ما تتضمن هذه الضوابط وضع خطوط حمراء لما يجوز وما لا يجوز ومن الأمثلة القائمة حالياً أمام عيوننا ما يدور من مساجلات بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية في أروقة مجلس الأمن حول الحرب على العراق. ويثور التساؤل عما إذا كان يمكن أن يصل الأمر إلى حد استخدام فرنسا الفيتو في مجلس الأمن ضد مشروع قرار تقدمه الولايات المتحدة أو إنجلترا؟ أعتقد أن هذا أمر بعيد ويجاوز حدود الخطوط الحمراء في العلاقة بين دولة أوروبية هامة مثل فرنسا وبين الولايات المتحدة الأمريكية. وأغلب الظن أن الدولتين سوف تحرصان على ألا تصل الأمور إلى هذا الحد، سواء باستبعاد التجاء الولايات المتحدة الأمريكية أصلاً إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار ثان يبرر الحرب على العراق، أو بالاتفاق الضمني بين الدولتين على أن تمتنع فرنسا عن التصويت دون استخدام الفيتو واكتفاء الولايات المتحدة بقرار يصدر بالأغلبية وليس بالإجماع.

 

والسبب في هذا هو طبيعة العلاقة بين دول المعسكر الغربي وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا التي تسمح بهامش للاختلاف ولكنها تحول دون القطيعة. وهو أمر يدركه تماماً المسؤولون في كل من البلدين. وكان هناك تقليد قد استقر منذ ديجول يجيز لفرنسا حق المخالفة والاعتراض فيما يمثل لها ما يتعلق بالاستقلال الوطني، وهو أمر بالغ الحساسية بالنسبة للفرنسيين. وقد استخدم ديجول هذا الحق عندما أصر على أن يكون لفرنسا قوة ردع نووية مستقلة “Force de Frappe” وعدم الاكتفاء بالمظلة النووية الأمريكية وذلك رغم معارضة الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت لهذا السلوك. كذلك فقد أراد ديجول في النصف الثاني من الستينات أن يتحرر أيضاً من سيطرة الولايات المتحدة النقدية بفرض الدولار على العالم كعملة دولية وحيدة، فأصر على الدفاع عن قاعدة الذهب وحول الاحتياطي الفرنسي إلى ذهب واستدعاه إلى باريس. ويرى بعض الخبثاء أن أحداث واضطرابات مايو 1968 في فرنسا ثم سقوط ديجول نفسه بعد ذلك بسنة لم تكن بعيدة عن ممارسات ديجول في سياسته الخارجية والنقدية لمناهضة الولايات المتحدة الأمريكية والتي كادت تجاوز الخطوط الحمراء للعلاقة بين البلدين.

 

ومع ذلك، فإذا كان من المتوقع، أن ترضخ فرنسا، وكذا ألمانيا، وفي نهاية الأمر، لطلبات الولايات المتحدة فإن مشكلة العلاقات الأمريكية الأوربية الحقيقية سوف تبدأ بعد الحرب – إذا قامت كما هو محتمل – وربما لأبعاد وتفوق ما يبدو حالياً على السطح. لقد فتح صندوق باندورا ولن يغلقه أحد. الخطوط الحمراء قد تمنع أوروبا من الاستقلال بقرارتها “اليوم” ولكن غداً شيء آخر. فإذا اضطرت أوروبا للرضوخ – في نهاية الأمر – وانساقت إلى الحرب رغم إرادتها، فإن ذلك سوف يؤدي، بالقطع، إلى شرخ كبير في العلاقة بين الشعوب قد لا يسهل إحتواؤها.

 

ولا تقتصر الخطوط الحمراء على علاقات الدول، بل أنها تقوم أيضاً في العلاقات الداخلية بين مختلف القوى السياسية والاقتصادية. فهذه العلاقات تتضمن في كثير من الأحوال تناقضات ومواجهات، ولكن هناك أيضاً خطوط حمراء لما يجوز ولما لا يجوز في علاقات هذه القوى.

 

فالعلاقة بين أحزاب المعارضة والحكومة مثلاً، وهي تقوم أساساً على التعارض والتباين في المواقف، إلا أن هناك، عادة، خطوط حمراء خفية ولكنها معروفة ومحترمة من الطرفين. أما إذا كانت هذه الخطوط غير واضحة أو غير متفق عليها فإن ذلك يؤدي في كثير من الأحيان إلى مواجهات غير محسوبة وإلى اضطرابات بل وأحياناً إلى العنف. وهذا الأمر ليس استثناء بل هو قاعدة عامة في جميع الدول، وينحصر الفرق بين المجتمعات في أن الخطوط الحمراء في بعض الدول قريبة بدرجة يبدو فيها أنه لا هامش للحرية، في حين أنها في دول أخرى تكون بعيدة بدرجة يبدو فيها أن الحرية مطلقة وكل شيء ممكن. والحقيقة أن الخطوط الحمراء موجودة في كل مكان والخلاف ينحصر فقط في مدى قربها أو بعدها. وهناك أحوال أخرى تقوم فيها المشاكل ليس بسبب قرب الخطوط الحمراء وإنما بسبب عدم الوضوح وتعدد الإشارات المتناقضة حول قرب أو بعد هذه الخطوط الحمراء. وتؤدي هذه الإشارات المتناقضة إلى غير قليل من الحلل والاضطراب. ويظهر ذلك بوجه خاص في قضايا الرأي والفكر.

 

والمفكرون وأصحاب الرأي ليسوا عادة من دعاة الشغب والاضطراب ولكنهم يحاولون أن يطرحوا ما يعتقدون أنه يمثل القضايا الرئيسية التي تهم الوطن والمواطن. وهم غالباً على دراية ووعي بالخطوط الحمراء. يتجنبون مجاوزتها أحياناً، ويتحايلون للالتفاف حولها بأساليب مختلفة أحياناً أخرى. وكثيراً ما ينجحون في هذه المحاولات، ولكنهم يقعون أيضاً في المحظور في بعض الأحيان. وهم يصطدمون بهذه الخطوط إذا بالغوا في مجاوزة حدود اللعبة. فهنا تظهر العين الساهرة لتذكرهم بأنهم دخلوا في منطقة “الممنوع”.

 

ووجود خطوط حمراء في العلاقات الإنسانية أمر لا غضاضة فيه، وهو أمر يكاد أن يكون طبيعياً في كل المجتمعات. فهناك أمور تمس الحياء العام وأخرى تتعرض بالمقدسات والقيم العليا والتي لا يجوز التعرض لها إلا في إطار من الجدية والوقار. ومن هنا الحاجة إلى نوع من الخطوط الحمراء. ولكن وجود هذه الخطوط الحمراء يطرح من ناحية ما هي حدود هذه الخطوط، ومن ناحية أخرى أساليب استخدامها. فمن ناحية لم يعد أمر هذه الحدود مطلقاً لكل دولة بل هناك مقتضيات العصر. وتؤدي المبالغة وفي وضع هذه الحدود إلى فقدان المصداقية أو التحول إلى مصادر أخرى للمعلومات. وفي عصر انتشرت فيه الفضائيات ودخلت الرسائل الإلكترونية والإنترنت العديد من البيوت فقد أصبحت المبالغة في وضع هذه الحدود مؤدية إلى عكس المراد. كذلك فإن أساليب مراعاة هذه الحدود لا بد وأن تختلف بحيث لا تطبق بشكل مطلق على كل الوسائل بنفس الطريقة. فما لا يسمح بنشره في وسائل الإعلام العادية قد يباح التعامل معه في الوسائل العلمية أو في المجلات المتخصصة. الخطوط الحمراء ليست أوامر تفرض من أعلى، ولكنها اتفاق بين الجميع على ما يجوز وما لا يجوز. وضمير المجتمع هو الفيصل في قبول ما هو جائز ورفض ما هو غير جائز. والله أعلم.

 

الأهرام: فبراير 2003

 

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *