الدائن والمدين شركاء

واجه العالم خلال السنوات الأخيرة عدة أزمات مالية، كان أخطرها الأزمة المالية العالمية التي انفجرت مع الربع الأخير من عام 2008 بعد إفلاس عدد من كبريات المؤسسات المالية وتعرض عدد آخر من الشركات لحافة الإفلاس. ولولا تدخل السلطات النقدية والمالية بضخ كميات هائلة من السيولة لإنقاذ هذه المؤسسات لكانت الأوضاع أشد سوءاً. وجاءت أزمة إمارة دبي كحلقة جديدة في هذا المسلسل، عندما أعلنت “شركة دبي العالمية” إرجاء سداد الأقساط المستحقة عليها لمدة ستة أشهر.

وليس هنا مجال مناقشة هذه الأزمة الأخيرة وتداعياتها نظراً لأنه من السابق لأوانه التعرض لهذا الموضوع قبل أن تتضح الصورة الكاملة وتتوافر المعلومات الكافية عن أوضاع هذه الشركة. ولكن هذه الأزمة تطرح من جديد طبيعة علاقة الدائن بالمدين وكيف تطورت هذه العلاقة على مر العصور. وباستثناء أحوال التحايل والغش وغيرهما من الأساليب غير المشروعة للتهرب من الوفاء بالديون، فإن قضية الديون المتعثرة وعلاقة الدائن بالمدين تستحق مزيداً من الاهتمام. وكل هذا يدعو للتساؤل عن طبيعة هذه العلاقة. وهل هي أشبه بالحرب بين عدوين يتربصان بأحدهما الآخر، أم أنها في الحقيقة أقرب إلى الشراكة بين ركاب مركب واحد حيث يواجهون ـ إلى حد بعيد ـ مصيراً مشتركاً؟ والحقيقة أن علاقة الدائن بالمدين قد تطورت بشكل كبير خلال العصور.

كانت هذه العلاقة في معظم مجتمعات ما قبل الصناعية، أقرب إلى علاقة السيطرة من جانب والخضوع من الجانب الآخر. فالدائن كان، عادةً، فرداً أو عائلة ثرية من أصحاب النفوذ والذين يملكون ثروات هائلة، في حين كان المدين، غالباً، من المشروعات الفردية الصغيرة أو من المستهلكين الفقراء الذين يواجهون احتياجات مالية تفوق قدراتهم المحدودة للتوسع في نشاطهم المحدود أو لمواجهة كارثة من الكوارث. وكان الدائن بثروته الكبيرة يوزع قروضه على عدد كبير من المدينين، وبالتالي يحقق ما يعرف في الاصطلاحات المالية الحديثة “بتوزيع المخاطر”. وهكذا لم يكن يمثل القرض الذي يحصل عليه أي مدين سوى نسبة صغيرة غير مؤثرة من ثروة الدائن، ولذلك فقد كان إفلاس المدين أو فشله في السداد غير مهدد لثروة الدائن، فضلاً عن أن هذا الأخير كان يفرض أسعار فائدة باهظة (الربا) على عملائه لحماية نفسه إزاء فشل أحد المدينين في الوفاء بالتزاماته. ولاينبغي أن ننسى أن ظاهرة المديونية كانت ـ بشكل عام ـ نادرة واستثنائية في مجتمعات يغلب عليها الاكتفاء الذاتي دون حاجة إلى الإقراض أو الاقتراض وذلك إلا فيما ندر. ولم يمنع هذا النمط الغالب لأشكال المديونية في المجتمعات القديمة من قيام بعض كبار المقرضين ـ وخاصة من اليهود ـ بإقراض الحكومات مما كان يعرضهم لمخاطر كبيرة. ولكن هذه الأحوال كانت صوراً استثنائية للقروض، وكانت تتم تحت ضغوط سياسية في الغالب.

وباستثناء هذه القروض السياسية، فقد تميز النمط الغالب للدائنين والمدينين في المجتمعات التقليدية بوجود عدد قليل من الدائنين الأثرياء، في مقابل مجتمع عريض من المدينين الفقراء والمبعثرين. وبشكل عام فقد ظلت عمليات الدائنية والمديونية هامشية ومحدودة في الاقتصاد. كذلك كانت العلاقة بين هذين الطرفين (الدائن والمدين) علاقة مباشرة دون وساطة، وبذلك فإن آثارها كانت تنحصر فيهما وحدهما دون تأثير غير مباشر على الآخرين. فالمدين قد يعجز عن الوفاء بدينه أو حتى قد يتهرب من ذلك، ولكن الأثر الناجم عن هذا العجز أو الهروب سوف يصيب الدائن وحده دون بقية الاقتصاد. فالآثار غير المباشرة للتعثر والفشل من جانب المدين في الوفاء كانت غير موجودة أو بالغة الضآلة.

وفي مثل هذه الظروف، كان تنظيم العلاقة بين الدائن والمدين سهلاً بقدر ما كان ظالماً، فهو يدعم ـ بشكل عام ـ مصلحة الدائن على حساب المدين. فالمدين، وهو فقير بلا نقود، كان ضحية لسلطة الدائن التي قد تصل إلى حد استعباده أو حتى قتله. فالمدين يكاد يصبح سلعة يتصرف فيها الدائن عند فشل المدين في الوفاء بديونه. وهكذا، جاءت معظم القواعد السائدة في المجتمعات البدائية على نحو يحابي الدائن بفرض قيود بالغة القسوة على المدين المعسر. ولم يكن غريباً والحال كذلك أن أخذت كل الأديان والفلسفات الاجتماعية مواقف عدائية من الإقراض بصفة عامة وطالبت بالتخفيف من أعباء المدين وخاصة فيما يتعلق بالفوائد الباهظة ـ الربا.

وقد تغير كل ذلك، إلى حد بعيد، في العصر الحديث ليس فقط نتيجة للأفكار الدينية والدعوات الإصلاحية، وإنما بوجه خاص نتيجة لتغيير طبيعة النظام الاقتصادي ذاته، وبالتالي تغيرت العلاقة بين الدائن والمدين. فلم يعد الدائن، دائماً، هو الطرف الأقوى، كما أن تعثر المدين عن الوفاء بدينه قد أصبح، في كثير من الأحوال، خراباً على الدائن قبل المدين، وأخيراً فإن آثار الفشل أو العجز في السداد لم تعد محصورة في العلاقة بين الدائن والمدين وحدهما بل أن آثارها غير المباشرة امتدت إلى باقي أجزاء الاقتصاد.

فماذا حدث في الاقتصاد المعاصر لتفسير هذا التطور؟

أولاً لم يعد الدائن دائماً هو ذلك الثري الذي يقدم فائض أمواله للمدينين المحتاجين من الفقراء، وثانياً لم تعد العلاقة مباشرة بين الدائن والمدين النهائيين، وإنما أصبحت هذه العلاقة تتم من خلال مؤسسات مالية وسيطة في مقدمتها البنوك. فهذه المؤسسات المالية الوسيطة ـ البنوك أساساً ـ تقوم بتجميع المدخرات من الأفراد (أصحاب الودائع) لكي تضعها تحت تصرف المدينين (المستثمرين) في شكل قروض وتسهيلات مصرفية. وهكذا انقلب الوضع رأساً على عقب، فالدائن أصبح، في الكثير من الأحوال، هو الفرد العادي الذي يضع مدخراته القليلة في البنوك. فهو من هذه الناحية الدائن النهائي في الاقتصاد. وبالمثل فالمدين فلم يعد ذلك الفقير المحتاج لمواجه نفقاته المعيشية، وإنما أصبح هو المشروعات الاستثمارية العملاقة التي تمول جزءاً كبيراً من نفقاتها الاستثمارية عن طريق الاقتراض من البنوك، أي عن طريق استخدام مدخرات صغار المودعين. وهكذا انعكس الوضع في الاقتصاد المعاصر بالمقارنة بالاقتصاديات البدائية، فنحن هنا إزاء كثرة من صغار المدخرين (الدائنين) في مواجهة قلة من كبار المستثمرين (المدينين). وفي كل هذا لم تعد العلاقة مباشرة بين دائن ومدين، وإنما أصبحت تمر من خلال وسيط هو المؤسسات المالية. وإلى جانب هذا النمط الجديد للدائنين والمدينين في المجتمعات الصناعية، ظهر نمط جديد آخر مع انتشار مظاهر “مجتمع الاستهلاك”، وهو القروض الاستهلاكية سواء عن طريق شيوع البيوع بالتقسيط أو نتيجة للاستخدام المتزايد لبطاقات الائتمان. وبذلك أصبح كل فرد دائناً ومديناً في كل وقت ، فهو دائن للبنك بما يودعه فيه من مدخرات في حساباته البنكية، ولكنه مدين بما يستخدمه من بطاقات الائتمان في مشترياته اليومية أو في شرائه بالتقسيط.

وهكذا نجد أن الاقتصاديات المعاصرة قد تميزت بأمرين متكاملين، الأول هو شيوع الدائنية والمديونية في المجتمع. فالكل هو، بشكل من الأشكال، دائن ومدين في نفس الوقت. أما الأمر الثاني فهو وجود “بؤر” أو مراكز لتجمع الدائنية والمديونية. فإذا كان الجميع دائنا ومديناً، فإن هذه الدائنيات والمديونيات تتجمع بشكل رئيسي في عدد قليل من المؤسسات المالية الوسيطة ـ البنوك بوجه خاص ـ والتي تمثل بؤراً أو محاوراً لتبادل وتداول هذه المديونيات، وأصبحت بالتالي أقرب إلى “مراكز الأعصاب” والتحكم للنظام الاقتصادي في مجمله.

ويتضح مما تقدم أن ظاهرة الدائنية والمديونية والتي كانت ظاهرة استثنائية ونادرة في المجتمعات البدائية، قد أصبحت جوهر النظام الاقتصادي المعاصر، فأي عجز أو خلل في الوفاء بالالتزامات أصبح معرضاً للانتشار بما يهدد قطاعات واسعة أخرى من الاقتصاد. ومن هنا ظهر نوع جديد من المخاطر الاقتصادية التي يواجهها المجتمع ولم تكن معروفة من قبل، وهو المعروف “بمخاطر النظام” Systemic risk. فأي مشروع أو نشاط اقتصادي أصبح مهدداً بمخاطر ليست راجعة إلى تصرفاته الذاتية وإنما إلى ما يلحق النظام الاقتصادي في مجموعه من مخاطر نتيجة العجز عن الوفاء بالاستحقاقات في مكان آخر، وذلك في ضوء الترابط والتداخل في الاقتصاد. فالمقاول الذي لايحصل على مستحقاته من الحكومة،مثلاً، ما يلبث أن يتخلف عن الوفاء بالتزاماته تجاه الآخرين، مما يؤثر بدوره على قدرتهم على الوفاء، وهكذا تتراكم الديون المتعددة في البنوك وبما يهدد سلامة النظام المصرفي وحقوق المودعين، كما حدث في مصر منذ عدة سنوات. فالاقتصاد الحديث أصبح مترابطاً ومتداخلاً “كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً”، وأي خلل فيه لايلبث أن ينتشر إلى بقية الأجزاء، وهو ما يعرف “بنظرية الدومينو”.

 ولكن لايصح القول بأن علاقات الدائنية والمديونية شائعة في الاقتصاد على قدم المساواة، ذلك أن هناك تركيزاً لهذه العلاقات في مراكز أو بؤر ـ كما سبق أن أشرناـ  حيث أن ما يصيبها يكاد يصيب النظام الاقتصادي كله بالشلل، تماما كما هو الحال بالنسبة لجسم الإنسان. فرغم أن مختلف أعضاء هذا الجسم مترابطة فيما بينها، فإن هناك مراكز حساسة مثل المخ أو القلب، التي إذا أصابها مكروه فإنه لاحياة معه للإنسان أو قد يصاب بالشلل، وذلك على عكس ما قد تتعرض له بقية أجزاء جسمه من إصابات في اليد أو القدم مثلاً والتي تكون نتائجها محصورة في العادة. ومن هنا بدأت تطفو على السطح مقولات بالنسبة لبعض المؤسسات، مثل القول بأنها “أكبر من أن تفشل”Too big to fail، ليس بمعنى أنها مشروعات محصنة ضد الفشل، وإنما بمعنى أن المجتمع لن يسمح بفشلها حماية للاقتصاد في مجموعه. ومن هنا فقد بدأت الدولة تستعيد دورها في حماية النشاط الاقتصادي والإشراف والرقابة على علميات الدائنية والمديونية وبوجه خاص على المؤسسات المالية الكبرى. فعندما تقوم أزمة مالية كبرى، فإن الدولة تكون بالضرورة، مدعوة للتدخل لمنع انفجار الأزمة وانتشارها.

وهكذا يتضح أن معالجة قضايا المديونية، خاصة تلك المديونيات الكبرى، لم تعد دائماً مشكلة خاصة بالمدين وحده بل أن مصلحة الدائن قد لا تقل أهمية، وبالتالي فإن الطريق إلى العلاج ليس المواجهة بينهما بقدر ما هو التعاون بينهما لإيجاد حلول لهما. وأهم من هذا وذاك، فإن هذه المصلحة تتعلق بالاقتصاد في مجموعه. ومن هنا فإن قضايا التعثر المالي الكبير لم تعد مجرد مواجهة بين دائن ومدين، بل أنها تتطلب تعاوناً كاملاً بينهم فضلاً عن مساندة من السلطات النقدية في إطار من التعاون وعدم التعسف. والله أعلم.

الأهرام : 13 ديسمبر 2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *