الدعم للمحتاج وليس للرغيف

شغلت مشكلة “دعم الرغيف” المسؤولين والمواطنين لما يزيد على أربعة عقود. وقد كانت تجربة بائسة على كل الجبهات. الحكومة تتكلف بمليارات الجنيهات بما يرهق الموازنة ويزيد من اختلالها، والمستفيد الأول من هذا الدعم لم يعد الفقير أو المحتاج وإنما أصبح تجار الدقيق في السوق السوداء، أما الرغيف المدعوم نفسه فقد تدهورت أحواله كماً ونوعاً حتى كاد يصبح غير صالح للاستهلاك الآدمي، وبالفعل تسرب جزء كبير منه ليصبح علفاً للحيوان، وأخيراً ورغم كل هذا التردي فإن الرغيف نفسه لم يعد متوافراً في الأسواق مما أدى إلى ظهور الطوابير من جديد وبعضها أصبح ميداناً للشجار بل والمعارك التي يسقط فيها الضحايا بين الحين والآخر. فأية خيبة هذه؟

ربما بدأت المشكلة بخطأ لغوي لم يلبث أن تحول إلى خطأ اقتصادي أكبر في فهم المشكلة وطبيعة الحل. بدأنا نسمع الحديث عن “دعم رغيف العيش”  ومسؤولية الحكومة عن هذا الدعم، رغم أن الرغيف في ذاته ليس في حاجة إلى الدعم، والصحيح هو أن المواطن الفقير وحده هو الذي يحتاج إلى الدعم. وهكذا وجدنا الدولة تركز جهودها على إبقاء ثمن الرغيف منخفضاً -بشكل اصطناعي- ليصبح في متناول الفقير. وكانت النتيجة أن تدهورت نوعية الرغيف نفسه وكاد أن يختفي من الأسواق في الوقت الذي تحولت أموال الدعم لتكوين الثروات السوداء من وراء هذا الدعم الحكومي الذي انحرف عن الهدف منه. كيف؟ وماذا فعلت الدولة بالضبط؟

تشتري الحكومة الدقيق بالأسعار العالمية وتبيعه للمخابز بأسعار منخفضة حتى تتمكن هذه المخابز من إنتاج رغيف مدعوم ورخيص. ولكن الحكومة لم تأخذ في الاعتبار أنها تتعامل في سوق، وللسوق أحكام يصعب الفكاك منها. يتسلم المخبز كيلو الدقيق المدعوم بسعر 16 جنيه كما تذكر المصادر الرسمية في حين أنه يباع في السوق السوداء بسعر 260 جنيه، أي أكثر من ستة عشر ضعفاً، وبالتالي فإن هذه العملية تؤدي إلى خلق فرصة خيالية للربح والكسب. وبذلك تضع الحكومة كل مخبز –ومن ورائه العديد من الوسطاء- أمام اختبار صعب وإغراء شديد يصعب تجاهله. هل يستخدم هذا الدقيق في إنتاج الخبز المدعوم وتحقيق أرباح في حدود عشرة في المائة أو أكثر قليلاً أم التصرف فيه أو في جزء كبير منه بالبيع في السوق السوداء وتحقيق ربح فوري بأكثر من ألف وخمسمائة في المائة. معضلة شديدة! ولايحتاج الأمر إلى كثير من الفطنة لكي يكتشف أي مراقب أنه في مثل هذه الأحوال، فالغالبية من المخابز -إن لم يكن الجميع- لا بد وأن يستسلموا لهذا الإغراء ولو جزئياً. ولايرجع الأمر فقط إلى انعدام الذمة الشخصية للمخبز، وإنما هناك ضغط من المنافسين من المخابز الأخرى في السوق ولا أحد يقبل أن تنتعش  أرباح منافسيه ويظل قابعاًَ في مخبزه الصغير. وبطبيعة الأحوال فإن هذه الأرباح الخيالية لأصحاب المخابز لابد وأن تحفز العديد من العاملين في أجهزة الحكومة والمتعاملين مع هذه المخابز إلى المشاركة في هذه الغنيمة، مما يؤدي إلى زيادة مستوى الفساد الإداري. فعندما تبيع الحكومة الدقيق المدعوم للمخابز بأقل من عشر ثمنه في السوق، فعليها أن تتذكر أنها لاتتعامل مع ملائكة، وأن الإغراء عادة صعب المقاومة. وهكذا يتسرب جزء من الدقيق المخصص لخبز الفقراء إلى السوق السوداء وإلى محلات الحلويات والمكرونة. ويبدأ الرغيف رحلته نحو النحافة كما تتدهور نوعيته. ومع هذا التردي في الرغيف المدعوم ومع انخفاض ثمنه يظهر منافس جديد للمشاركة في استهلاك هذا الخبز المدعوم، وهم مربو الطيور والحيوانات، حيث يصبح الخبز أرخص من أشكال العلف المتاح في الأسواق، مما يؤدي إلى مزيد من إنقاص المعروض من الخبز للاستهلاك الآدمي. وفي مثل هذه الظروف ليس غريباً أن تظهر الطوابير من جديد وينفجر بعضها في مشاجرات ومعارك بسبب نقص المعروض ورداءة نوعيته.

وهكذا تتكلف الدولة مليارات الجنيهات من أجل إثراء تجار السوق السوداء وزيادة الفساد والإنحراف في الإدارة الحكومية، وتكون النتيجة عقاب جمهور المستهلكين برغيف تآكل حجمه وتدهورت نوعيته حتى يكاد يعافه الإنسان ويزاحمه الحيوان في استهلاكه. وأخيراً يأتي النقص في المعروض من هذا الرغيف البائس مما يزيد الطين بله، وتظهر الطوابير من جديد مع مظاهر للعنف نتيجة لنفاذ الصبر.

كيف وصلنا إلى هذا؟ يبدو لي أن الحكومة قد انغمست في مستنقع “دعم الرغيف”، ونسيت أن المطلوب هو “دعم المواطن” وتمكينه من الحصول على رغيف إنساني بحجم ونوعية مقبولة. ويتحقيق ذلك بزيادة دخله الحقيقي وليس بتخفيض الأسعار.

فماذا يمكن أن تفعل الحكومة إذن؟

تستطيع الحكومة أن تحقق أهدافها بالتركيز على “دعم المواطن المحتاج” وليس “دعم الرغيف” إذا عرفت كيف تتعايش مع قوانين اقتصاد السوق ولم تحاول أن تتجاهلها. الدعم هو دعم الدخل الحقيقي للمواطن وليس دعم الأسعار. كيف؟

نبدأ أولاً بالإشارة إلى أوضاع التموين في مصر. فقد عرفت مصر توزيع السلع الرئيسية بالبطاقات منذ الحرب العالمية الثانية. وقد استمر توزيع معظم السلع الأساسية للغذاء بالبطاقات حتى منتصف السبعينات حيث بدأ يخرج العديد من السلع من هذه البطاقات.  ومع ذلك فلا زالت البطاقات موجودة وخاصة بالنسبة لذوي الدخل المحدود لتوزيع عدد من السلع الرئيسية مثل الزيت. وهكذا فلدينا تجربة طويلة في التوزيع بالبطاقات. وبطبيعة الأحوال فإن استخدام البطاقات لتقديم الدعم للمواطنين المحتاجين للحصول على الخبز في ظروف مناسبة، سوف يحتاج الأمر إلى إعادة نظر لتحديث هذه البطاقات وخاصة فيما يتعلق بذوي الدخول المنخفضة وتعريف احتياجاتهم من الخبز المدعوم.

والسؤال كيف يتم تقديم الدعم للمواطن المحتاج بتوفير الخبز له في حدود قدراته المالية المحدودة مع عدم الخروج على منطق اقتصاد السوق، وبالتالي عدم الوقوع في مصيدة السوق السوداء. هناك تجارب في دول كثيرة وناجحة إلى حد بعيد، ربما على رأسها الولايات المتحدة عن طريق “الطوابع”، التي تمثل نوعاً من الدعم النقدي الذي يوفر للمستهلك القدرة على الحصول على السلعة بأسعار مناسبة ونوعية جيدة مع عدم الخروج على قواعد اقتصاد السوق. كيف؟

المفروض أن تبيع الدولة الدقيق للمخابز بالأسعار الجارية دون دعم، وتحدد الدولة أسعار بيع الخبز ومواصفاته في ضوء هذه الأسعار الحقيقية وذلك لجميع المستهلكين ودون تمييز ودون أي دعم. وفي مثل هذه الحالة فإن المخابز سوف تنتج خبزاً موحداً للجميع لافارق بين نوع أو آخر، وقد يصل ثمن الرغيف -في هذه الحالة- إلى خمسة وعشرين أو ثلاثين قرشاً. وفي نفس الوقت تمنح الدولة أصحاب البطاقات- بعد إجراء مراجعة شاملة وعادلة بحيث تغطي معظم ذوي الحاجة- “طوابع” أو “كوبونات” تمثل الفرق بين سعر السوق والسعر الذي ترغب أن توفره به رغيف الخبز للمواطن المحتاج، وليكن هذا السعر المناسب للمواطن المحتاج هو خمسة قروش فقط. توزع على أصحاب البطاقات هذه الطوابع أو الكوبونات كل فترة، شهر مثلاً وبما يغطي حاجة العائلة من عدد الأرغفة. ويتقدم المواطن صاحب البطاقة لشراء الخبز دافعاً مبلغ خمسة قروش نقداً للرغيف، والفارق يقدمه في شكل طوابع. ويستطيع صاحب المخبز في نهاية الأسبوع استبدال ما تجمع له من طوابع والحصول على نقود من أحد النوافذ الحكومية، مكاتب البريد مثلاً. ويمكن للدولة أن تعيد النظر في عدد الطوابع وما تمثله من قيمة كل فترة وبما يراعي اعتبارات السوق وما تراه مناسباً لدعم المواطن المحتاج..هذه الطوابع وتمثل زيادة حقيقية في دخل المواطن المحتاج وبما يمكنه من شراء حاجة من الخبز. فالدولة تساعد الفقير بزيادة دخله الحقيقي وليس بتخفيض الأسعار بشكل اصطناعي.

وبطبيعة الأحول فإن مثل هذا الحل لايمكن تنفيذه بين يوم وليلة دائماً يتطلب الإعداد له بإعادة النظر في توزيع البطاقات والتأكد من إمكانيات مكاتب البريد من قدرتها على الصرف وتوفير الإمكانيات لها. كذلك فإن مثل هذا النظام لابد وأن يخضع للمراجعة الدورية لمعالجة أوجه القصور فيه وتلافي العيوب.

فماذا يحقق مثل هذا الدعم شبه النقدي؟

أولا سوف يقضي على السوق السوداء في تجارة الدقيق، لأن المخابز لن تجد لها مصلحة في بيع الدقيق المخصص للخبز إلى استخدامات أخرى. فالسعر الذي تشتري به هو أسعار السوق وليس أمامها فرصة للكسب من السوق السوداء. وثانياً، سوف تختفي الكثير من مظاهر الفساد الحكومي بالكسب الحرام عن طريق إغماض العيون عن مخالفات التسعيرة من بعض الموظفين. ثالثاً سوف يختفي التعدد في نوعية الخبز المتاح، وبوجه خاص سوف يختفي هذا الرغيف البائس المدعوم ذو الحجم النحيف والنوعية المتدهورة. فالجميع –الغني والفقير- سوف يستهلكون نفس الرغيف. ورابعاً سوف يقتصر استخدام الخبز على الجنس البشري بدون مشاركة الحيوان من مستهلكي العلف، وبذلك يزداد المعروض وتختفي الطوابير. ولست في حاجة إلى التأكيد إلى أن مثل هذا النظام سوف يؤدي في الأغلب إلى تخفيض ملموس في حجم الدعم الحكومي المتخصص للخبز.

وأخيراً هل يصبح هذا الحل مثالياً وبلامشاكل؟ كلا. فلكل “نظام مشاكله” ولكن هذا النظام قابل للتطور والإصلاح والمراجعة الدورية.

الفارق بين “دعم الرغيف” و”دعم المواطن المحتاج”، هو أن “دعم الرغيف” يحاول أن يجعل الرغيف رخيصاً بأساليب اصطناعية مخالفة لقوانين السوق، أما “دعم المحتاج” فإنه “تمكين” لهذا المواطن من شراء رغيف تحدد ثمنه وفقاً لقوانين السوق. في الحالة الأولى تحاول الحكومة أن تعاند قوانين السوق باصطناع أثمان غير حقيقية، فتنتقم منها قوى السوق السوداء وحلفائها من الأشباح الخفية، وأي انتقام! وفي الحالة الثانية تحترم الحكومة قوى السوق وتتعامل مع الأسعار الحقيقية لمساندتها في وصول الدعم إلى الفقير المدعوم بزيادة حقيقية في دخله عن طريق الطوابع أو الكوبونات. والله أعلم.

الاهرام 30 مارس 2008

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *