الديمقراطية ليست كافية ولكنها ليست أكذوبة

قرأت مقالا شيقا كما هى العادة للدكتور جلال أمين. والدكتور جلال أمين مفكر كبير وأحد أهم رموز العقل المصرى وقد علم أجيالا من الشباب سواء فى جامعة عين شمس أو الجامعة الأمريكية، وهو يحظى بشعبية هائلة وحب وتقدير من كل تلاميذه وقرائه. وفضلا عن هذا وذاك فهو صديق عزيز وقديم، تربطنا صداقة امتدت لما يقرب من نصف قرن، بدأت فى البعثة التعليمية فى الخارج واستمرت وتطورت بعد عودتنا إلى أرض الوطن، وهى صداقة لا تقوم على المعزة والود فقط بل تنطوى على قدر هائل من الاحترام والتقدير.

وبعد هذه المقدمة الطويلة أعود إلى لب الموضوع. قرأت فى جريدة «الشروق» فى عدد الجمعة 31 أغسطس مقالا للدكتور أمين بعنوان «أكذوبة الديمقراطية»، وكالعادة وجدت أننى أتفق فى معظم ما ورد فى المقال من مقدمات، لكى أنتهى بالاختلاف مع ما انتهى إليه من نتيجة.

 وأبدأ بتحديد موقفى وفهمى لوضع الإنسان فى الحياة. فأنا أعتقد لن يوجد مجتمع بلا مشاكل وحيث يشعر الجميع بالراحة والسعادة، فهذا حلم أو وهم. بل أننى أذهب إلى أبعد من ذلك. وأعتقد أن مثل هذا الوضع لو تحقق لأصبح أقرب إلى الكابوس والنقمة منه إلى النعمة. فإنسان سعيد وفى راحة كاملة ولا شكوى له من جار أو حاكم، هو غالبا إنسان بلا طموح وآمال. فمشكلة الإنسان ومحنته وأيضا عظمته، هى أن طموحه لا حدود له، وأنه إذا حقق أملا فإنه ما يلبث أن يتطلع إلى أمل جديد. وهذه نعمة من الله على خلقه، فالإنسان ناقص بطبيعته يسعى إلى «الكمال»، ولكن «الكمال» ليس محطة ثابتة يمكن الوصول إليها، وكلما اقترب منها اتسع أفقه ليكتشف آمالا جديدة تجاوز أحلامه السابقة. فرحلة التقدم هى مسيرة بلا نهاية. وإذا وصل الإنسان إلى محطة الوصول التى حققت كل آماله وتطلعاته فلن يكون أمامه سوى الموت. فالموت هو الخاتمة الوحيدة للآمال المحققة. والتقدم لا يعنى إلغاء المشاكل، بقدر ما يعنى الارتقاء بها إلى مستوى أعلى. ففى المجتمعات البدائية والوحشية كان هدف الإنسان هو مجرد البقاء حيا إزاء الوحوش وغارات القبائل الأخرى. ومع ظهور المجتمعات المنظمة تمتع الإنسان بقدر أكبر من الأمن وإن ظل لسلطة شيخ القبيلة أو الكاهن سيطرة شبه كاملة عليه. ومع ظهور الدولة تمتع الفرد بقدر أكبر من مساحة الحرية وإن ظل احيانا عبدا بلا حقوق. ومع تحرير العبيد اكتسب الإنسان حرية وإن ظل مكبلا اقتصاديا وسياسيا. وهكذا، فالتقدم يزيح عقبات لنكتشف آفاقا جديدة نسعى إليها.

يشير الدكتور جلال إلى اختفاء الرؤساء الذين لهم احترام وكاريزما مثل ونستون تشرشل وديجول أو كنيدى، ووصول رجال عاديين إلى سدة الحكم وبعضهم لهم «من صفات الممثلين أكثر من صفات الزعامة». ولا أدرى إذا كان الدكتور أمين يعتبر هذا شيئا إيجابيا أم سلبيا، وهو من حدثنا عن عصر «الرجل العادى». أليس هذا تقدما بعد أن سقطت عن الحكام هالة القداسة الكاذبة أو الزائفة. وهل يعتقد أن «هنرى الثامن فى إنجلترا»، أو «لويس الرابع عشر» فى فرنسا، كانا من العظماء أصحاب الكاريزما؟ وكلاهما عرض بلاده لحروب طائلة، وربما الأقرب إلى الحقيقة هو أنه كان لديهم «من صفات الممثلين أكثر من صفات الزعامة الحقيقية»، فقد عرضوا بلادهم والقارة الأوروبية لآلام شديدة استمرت قرونا لمجرد أهواء أو نزوات شخصية. أننى اعتقد أنه من محاسن الديمقراطية أن خلصتنا من تقديس الزعماء، فهم فى نهاية الأمر مواطنون عاديون فيهم الصالح والطالح.

ويركز الدكتور أمين على ما ظهر فى العصر الحديث من مشاكل جديدة مع ظهور ظاهرة «الشركات متعددة الجنسيات» وظاهرة «المجتمع الاستهلاكى». وهى ظواهر خطيرة وتستحق المواجهة. ولولا الديمقراطية وحرية الرأى ووصول عامة الناس إلى أعلى المناصب لما أمكن كشف وتعرية ممارسات هذه الشركات وإظهار مخاطر الدعاية والإعلام. ومن هنا لم تقتصر المطالبات على الحرية السياسية وإجراء الانتخابات، وإنما أضيف إليها المطالبة بالعدالة الاجتماعية وصيانة البيئة ومستقبل الأجيال القادمة وحماية السلم العالمى.

حقا، الحديث عن الديمقراطية وأهمية الانتخابات والاعتراف بالحريات العامة لا يكفى وحده لمواجهة كل مشاكل العصر الحديث ومنها العولمة ومظاهر المجتمع الاستهلاكى. ولكن الديمقراطية السياسية، ليست علاجا لجميع الأمراض، ولكنها على الأقل علاج ضد الاستبداد وإهدار حقوق الفرد وحرياته، وهى أمراض خطيرة فى ذاتها بل إنها خطوة على الطريق لمواجهة مخاطر الشركات متعددة الجنسية وانتشار مظاهر المجتمع الاستهلاكى والمقزز أحيانا. والمطالبة بالديمقراطية والعمل على تحقيقها لا يعنى الرضوخ للشركات متعددة الجنسية أو اعتناق مظاهر مجمع الاستهلاك.

يؤكد الدكتور أمين فى ختام حديثه بأن العائق الأساسى أمام الديمقراطية ليس الحاكم القاهر المستبد وليس هو الفقر والجهل وانما هو سطوة الشركات العملاقة ونمو ظاهرة المجتمع الاستهلاكى. ويبدو لى أن الحاكم القاهر المستبد والفقر والجهل هما اهم وسائل الشركات العملاقة ومجتمع الاستهلاك، فضلا عن أنهما اشباح هائمة وليس اهدافا محددة.

الديمقراطية علاج لأمراض الاستبداد وإهدار الحقوق والحريات وإتاحة الفرصة للجميع للمشاركة فى حماية مصالح الوطن، ومن بينها التحذير من مخاطر الشركات متعددة الجنسيات ومجمع الاستهلاك. الديمقراطية السياسية وحدها قد تكون غير كافية.. ولكنها ضرورية، وقطعا ليست أكذوبة. والله أعلم.

الشروق: 4 سبتمبر 2012

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *